كتاباتكتابات مختارة

قيامة “سليمان طوناخان” الإصلاحية بعد استبداد أتاتورك!

بقلم خباب مروان الحمد

لستُ في شكٍ أنّ كثيراً من الناس قد أُصيبوا بيأسٍ شديد في مجال الدعوة والإصلاح. حتى صاروا يُقلّلون من جدوى نشر الدعوة في ظل الفساد الجارف، والأجواء المتربصة؛ فضلاً عن قلّة المنتصحين! كُنت خلال هذه الأيام أقلّب في كتب التاريخ المُعاصر خاصّة بعد سقوط الدولة العثمانية على يد أتاتورك! فلفت انتباهي موقفاً ذكره د. محمد حرب في كتابه “العثمانيون في التاريخ والحضارة” وكذا أ. هدى درويش في كتابها “الإسلاميون وتركيا العلمانية”.

 

مُلخّص القصّة أنّ بعد سقوط الدولة العثمانية منعت الحكومة الجديدة تدريس الدين في المدارس!! فقام الشيخ “سليمان حلمي طوناخان” بحثِّ الناس على مخاطبة الحكومة باستعدادهم لتحمل تكاليف تدريس الدين لأبنائهم، ولكن الحكومة رفضت وهددت وتوعدت، فانزوى المدرسون عن ذلك مقتنعين أن تعليم الدين غير ممكن في ذلك الوقت!! لكن همّة الشيخ سليمان أبت أن تكون من ضمن القاعدين! فكان يبحث عمّن يُعلّمه فلا يجد لخوف الناس من الحكومة! فبدأ بتعليم ابنتيه في البيت على أن تقوما بتعليم زوجيهما وأولادهما.. ثم استحدث دفع أجر لطلبته نظير تعليمهم.. ولكي يخفي طلبته عن عيون الرقابة الأتاتوركية عمد دائماً إلى تبديل أماكن تدريسهم!! فكان يدرسهم يوماً في غرفة مؤذن المسجد، وآخر في بيت أحد أتباعه، وثالثاً في قبو مبنى، أو يستأجر مزرعةً ويخبئ طلابه فيها في زي العمال، يزرعون الأرض صباحاً ويدرسون الدين مساءً، أو يذهب بهم إلى قمة جبل.. ورغم انكشاف أمره وتعرضه للاعتقال والتعذيب والملاحقة إلا أنه واصل مهمته التي انتدب نفسه لها بإصرار، وكان يقول: (التعب يضنينا، ولا الإزعاج يثنينا، سنسارع إلى نداء التعلم والتعليم والخدمة حتى وإن أدى بنا إلى الموت، وسيخافون من موتنا، كما خافوا منّا في حياتنا).

 

ولعلّ الحال الذي تعيش فيه كثير من البلدان ليس أسوأ من ذلك الحال الذي يُمنع فيه تدريس القرآن؛ إلاّ أنّ العبرة والعظة ينبغي أن تجعل لدى المسلم الداعية القدرة على الصبر وطاقة التحمل والعناء لأجل نشر الحقائق الدعوية والبراهين العلمية؛ خاصة بعدما دبّت عقارب اليأس في قلوب كثير من الناس؛ بل في وقت تشكيك كثير منهم بعدد من الدعاة الصادقين؛ أو سقوط عدد من الدعاة اللامعين بسبب مواقفهم المريبة!

 

إنّ الله جلّ جلاله أمر أهل العلم بالبلاغ المبين، والصدع بالحق؛ والتأثير على من يستطيعون توجيهه وإرشاده قدر إمكانهم وطاقتهم؛ ولم يأمرهم أن يُكلّفوا أنفسهم فوق طاقتها.

إنه لا مكان للقاعدين والقعدة والنائمين والمتكاسلين في هذه الحياة؛ فإنّ الحياة التي خلقنا الله فيها لأجل لعبادته تحتاج منَّا إلى قيام دائم، وإصرار على القيام. وكم هزَّتني آيات القيام في القرآن؛ حتّى صرتُ أخشى من قلَة القعود والجلوس! ففي كتاب الله تعالى مدح للقائمين بعبادته:
– بقيام الليل لصلاة ما يُكتب له؛ فقد قال تعالى : “يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2)“.
– بالقيام لأجل الدعوة والنذارة؛ فقد قال تعالى : “يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2)“.
– القيام للتفكر. قال تعالى:”قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا“.
-القيام أثناء ذكر الله، فقد قال تعالى: “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ“.
– القيام لدعاء الله وذكره والدعوة إليه؛ فقد قال تعالى: “وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا“.

 

وفي كتاب الله تعالى ذمُّ للقاعدين عن عبادته!
– ذمَّ تعالى المنافقين المتثاقلين عن أداء الصلاة فقد قال تعالى: “وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ“.
– وذم من تكاسل وقعدت به همَّته عن الجهاد في سبيل الله فقال تعالى: “مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ“.

 

وحين يعلم الله همَّة العبد الدنيَّة لا يُحبِّبُ له الخير؛ لأنَّه لم يبذل الأسباب؛ لهذا يقول الله: ” وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا” سورة التوبة. وكم من قوم قامت بهم هِمَمُهم وهم قعود جلوس فصنعوا للأمَّة مجداً ومنهم المشلول والقعيد الذي لا يتحرك؛ وكم من قوم قامت بهم هِمَمُهم ولكن إلى الفساد فكان جلوسهم وركونهم أفضل بكثير من قيام كان من خلفه إجرام!

 

أمّا من أصيب بيأسٍ في الإصلاح الدعوي فيُقال له:
1. إنّ الله جلّ جلاله أمر أهل العلم بالبلاغ المبين، والصدع بالحق؛ والتأثير على من يستطيعون توجيهه وإرشاده قدر إمكانهم وطاقتهم؛ ولم يأمرهم أن يُكلّفوا أنفسهم فوق طاقتها.

2. أنّ حمل الهم لتبليغ كلمة الحق لعموم الناس واجب الدعاة وخاصّة من أهل العلم والبصيرة، ليكون لديهم هِمَة وطموح في دعوة الناس للسماع والتلقي؛ بناء على منهجية سليمة في الإرشاد، ولكن إن انقلبت الهِمّة إلى همٍ دائم وحزنٍ شديد على عدم الانصياع؛ فإنّ هذا لسنا مأمورين به؛ بل قد نُهينا عنه والآيات تنطق بذلك.

قال تعالى: “فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ“.
وقال تعالى: “فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا“.
وقال تعالى: “فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ”.
وقال تعالى: “وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ“.
وقال تعالى: “لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ“.
وقال تعالى: “قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ“.
وقال تعالى: “وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ“.

 

3. أنّ كثيراً من الناس قد تأتيه لحظة الهداية بعد سنوات؛ لا تدري بها؛ فالدعوة مشوارها ضاق وطويل وصعب؛ والنتائج فيه غير ملموسة في البداية غالباً؛ لكنّ قد يُقدّر الله تعالى كلمة لا يزال تُقرقر في أذن صاحبها؛ حتى تقع موقعها في القلب فينتفع بها؛ فتكون أنت سبب هدايته، ويكون لك بذلك من الأجر خير من حُمر النّعم.

4. أنّ الفساد إذا عمّ وطمّ؛ ولم يكن في المجتمع من يُصلح؛ ثمّ جرت سُنن الله في هذا المجتمع بالهلاك؛ لن تنصرف العقوبة لأهل الفجور والفساد؛ بل تُصيب الصالحين كذلك، فمن يرضى لنفسه أن يكون مع الهالكين؟!

5. أنّ الواقع يقول: إنّنا إن وجدنا فئة عريضة قد أعرضت وأدبرت عن دينها؛ إلاّ أنّنا نجد عدداً ليس بالقليل قد اهتدى وانتفع بالهداية؛ أو على الأقل أصابه حظٌّ من هدايات العلماء وإصلاحهم.

6. أنّ المثاليّة في المدعويين بمعنى أننا نريد من جميع من ندعوهم الهداية العاجلة؛ أو الاستجابة؛ إن هو إلاّ تفكير لا ينبغي أن يكون في عقل الدعاة؛ فقد اقتضت حكمة الله أن يجعل أناساً من المعرضين وفئة من المُقبلين؛ ليحصل بذلك التمحيص والابتلاء، وأن يرى صدق إيمان من اهتدى وهَدى تحقيقاً على أرض الواقع لا مجرد كلمات فحسب!

7. نحن نجد أنّ غالب المتدينين يضعون عبء دعوة الآخرين ونشر الفكر السليم على أهل العلم والدعاة؛ وهذا صحيح؛ لكنهم متقاعسون لا يشاركونهم بل يتململون من العمل!! والحق يُقال أنَّ العامل لهذا الدين؛ عليه أن يضحي ببعض دنياه لأجل العمل لدينه؛ فيجعل للعمل العلمي والدعوي أفضل وقته لا فضل وقته، لأنَّا إن أعطينا العلم أو الدعوة فضل أوقاتنا؛ لم نجد لها وقتاً يليق بها وبهموم واقع عملنا العلمي والدعوي.

ليتأمل كل ملتزم متقاعس أن الاعتذار عن العمل لهذا الدين؛ من صفات أهل النفاق، أقوله تذكيراً لأنفسنا لنحذر؛ ولهذا قال تعالى عنهم:
وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ
تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ“.
عافانا الله وإياكم..

8. الناس تقول: (الجنّة بدها ناس والنار بدها ناس) وهذا صحيح؛ فالله تبارك وتعالى يقول: “فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ” فدورك أن تُحاول جاهداً أن تهدي الناس إلى صراط مستقيم؛ فإن أبوا وأعرضوا فقد اختاروا لأنفسهم طريقاً لم يُجبرهم أحد عليه بل هم اختاروه لأنفسهم.. وماذا تفعل وأنت تنصح من يقود السيّارة بعدم التهوُّر وهو لا يهتم بك بل يراك جباناً رعديداً ليس لديك قوّة قلبٍ لتسوق مثله؛ فإن أُصيب بحادث ومات كان هو الذي جلب المصيبة لنفسه، وإن بقي مُعاقاً علم صدق من كان يدعوه؛ وندم ولات ساعة مندم. وقد أرشد الله من قال: بذلتهم نُصحي بمنعرج اللوى. فلم يستبينوا النصح إلا ضُحى الغدِ!

(المصدر: مدونات الجزيرة)

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “قيامة “سليمان طوناخان” الإصلاحية بعد استبداد أتاتورك!”

  1. رد على الأستاذ خباب مروان الحمد
    بقلم فريد صلاح الهاشمي المعروف باسمه المحلي في تركيا: Feriduddin AYDIN

    إن سليمان حلمي طوناخان هو شيخ من شيوخ الطريقةِ النقشبنديةِ. وأمَّا الطريقةُ النقشبنديَّةُ فهي سلوكٌ صوفِيٌّ، له تَعَالِيمُ تجمعُ بين أذكارٍ إسلاميَّةٍ ومَفَاهِيمَ بوذيَّةٍ، وعقائِدَ إلْحَادِيَّةٍ، ولهذهِ الطريقةِ طقوسٌّ غريبةٌ يتمُّ إجراؤُها في خفاءٍ. انتشرتْ بين الأتراكِ خاصَّةً، ثمَّ تسرَّبَتْ إلى مجتمعاتٍ كانت تحت حُكْمِهِم كالأكرادِ والشراكسةِ والبُنطُسِ وغيرِهم… لأنَّها نشأت بجهودِ زنادقةٍ من قومِهِم في بلادِ ماوراء النهر قبل قرون، وهي وطنهم الأصلِيُّ.

    إنَّ الأتراك قد نشؤوا على التصوُّفِ منذ أيامِ تَعَرُّفِهِمْ على الإسلامِ. يبدو من الْمُعْطَيَاتِ التاريخيَّةِ أنَّ نُزوعَهُمْ إلى الفِكْرِ الصوفِيِّ ناشِئٌ من أسبابٍ تَرْبِطُهُمْ بماضيهم قبل الإسلامِ، وتدلُّ على أنَّهُمْ لم يَتَخَلَّوْا عن كثيرٍ من عقائِدِهِمْ القديمةِ ولم يَتَخَلَّصُوا من رسوباتِ الوثنيَّةِ الهنديَّةِ التي كانوا يعتنِقونَهَا بِجَرِّ الْجِوَارِ، لأنَّهُمْ كانوا على مَقْرُبَةٍ من المنطقةِ الهنديَّةِ وعلى صلةٍ مع سُكَّانِهَا. هذا وليس خافِيًا على حُذَّاقِ الباحثين أنَّ مُعْظَمَ سُكَّانِ الْمُدُنِ من الأتراك كانوا على مذهب (مَاهَايَانَا Mahayana) المتفرِّعِ من البوذِيَّةِ. ولَمَّا الْتَقَطُوا من الإسلامِ ما أعْجَبَهُمْ من المناسكِ والأمورِ التي تتماشى مع طبيعتهم العسكرية، كصلاةِ الجماعةِ، وأعمالِ الجهادِ الْمُسَلَّحِ، والتضحيةِ وما أشبه، أخذوا من هذا الدِّينِ الجديدِ أمورًا كالذكرِ والدعاءِ ومزجوها بتعاليم البوذية فتكوَّنَتْ من هذا التركيب الغريبٍ دينًا جديدًا سَمَّوْهَا (الْمُسْلُمَانِيَّةَ Müslümanlık)، ثم جعلوا من هذا الدِّينِ الزائفِ الْمُسْتَحْدَثِ غلافًا لعديدٍ من تياراتٍ صوفِيَّةٍ أسَّسُوهَا على مدى تاريخهم. فكان من آخِرِ هذه التياراتِ وأكثرِها انتشارًا هي الطريقةَ النقشبندِيَّةَ.

    كانت الطريقةُ النقشبنديَّةُ مجهولةً في المجتمع العثمانِيِّ حتى بِدايةِ القرن الثامن عشر الميلادي. ثمَّ ظهر رجلٌ كردِيُّ الأصلِ في مدينةِ السليمانِيَّةِ العراقِيَّةِ اسمه خالدٌ البغداديُّ، بدأ بِنَشْرِهَا عَقِبَ رِحلةٍ قامَ بها إلى الهند سنة 1810م. وَعادَ منها بعد عام. كَثُرَ فيه القالُ والقيلُ؛ مع ذلك تهافتتْ عليه جماعةٌ من مَلاَلِي الأكرادِ ومُشَعْوِذِي العربِ في العراقِ، وبَالَغُو في تعظيمِهِ وتبجيلِهِ إلى حدِّ التأليه ولَقَّبُوهُ بِـ(ذي الجناحين)، وَلكنْ اتَّهَمَهُ عَدَدٌ مِنَ العلماءِ بالزَّنْدَقَةِ وحَذَّرُو الناسَ من أباطيلِهِ، وحاولوا تَفْنِيدَهُ بكتاباتٍ ورسائِلَ، إلاَّ أن المتواطئيين معه استطاعوا أن يَتَغَلَّبُوا على معارضِيهِ في أمدٍ قصير بأشدِّ ما يمكن من المقابلة بالمثل.

    فلما تأكدتْ قِمَّةُ الدولة العثمانيَّةِ من التعاونِ معه في معالَجَةِ أزَمَاتٍ خَطِيرَةٍ كانت الدولةُ قد وقعتْ في حِبَالِهَا، أقَرَّتْهُ على كُلِّ ما يَدَّعِي الرجلُ لنفسِهِ من السلطةِ المعنويَّةِ والإتصالِ بـ”الساداتِ النقشبندية” المقبورين منذ قرون! تُبَرْهِنُ على صدور هذه الهرطقةِ من خالد البغدادي رسالةٌ بعثَ بها إلى وزيرِ التعليمِ يومئذٍ (محمد أسعد أفندي)، يُحَذِّرُهُ من التَّعَامُلِ مع رجلٍ اسمُهُ عبد الوهاب السوسي، كان البغدادي أرسله إلى أسطنبولَ لِبثِّ دَعْوَتِهِ في عاصمةِ الدولة. إلاَّ أن السوسيَّ احتكرَ نيابَتَهُ عن البغداديِّ وخانَهُ بتشويِهِ تَعَالِيمِهِ واستِخْدَامِهَا في مصالِحِهِ.

    كان خالدٌ البغداديُّ زنديقًا جريئًا، محترفًا في فنونِ الزَّنْدَقَةِ واختلاقِ أشكالٍ من البدعِ، فكان شَرُّهُ مستطيرًا. لم يتألَّمْ ضميرُ هذا الرجلِ وهو يدعو الناسَ إلى عبادةِ اللهِ والإشراكِ به في آنٍ واحد! ولم يَتَوَرَّعْ عن الإضرارِ بالاسلامِ وهدمِ أركانِهِ بمزجِ مفاهيمَ خطيرةٍ أخَذَهَا من البوذيَّةِ وَمَزَجَهَا بتعاليمِ الدِّينِ الْحَنِيفِ. تَلَقَّى مبادئَ البوذيَّةِ في الديارِ الهنديَّةِ من شخصٍ مشعوذٍ اسمه عبد الله الدهلوي، وأضافَ إليها صِيَغًا من الآياتِ القرآنيَّةِ، والدعاءِ والأذكارِ المأخوذةِ من السُّنَّةِ النبويَّةِ، واختلَقَ لهذا التركيبِ طقوسًا ومناسكَ فَطَوَّرَهَا على هيئةِ دينٍ مُتَكَامِلٍ. ثم جَنَّدَ في العراقِ جماعةً من الملالِي لِيَبُثُّوها ما أمْكَنَهُمْ، واغترَّ به عددٌ كبير من أهلِ العلمِ مثل محمود شهاب الدين الآلوسي، وابن عابدين الدمشقي الفقيه. فحالفه الحظُّ بعد أن نجحَ في تطبيعِ علاقاتِهِ مع الْوُلاَةِ والأمراءِ الْمَحَلِّيِّين وكَسَبَ ثقةَ العاهلِ الثمانِيِّ السلطان محمود الثاني، فتمكَّنَ بفعلِ ذلك من نشرِ معتقداتِهِ على كافَّةِ أرجاءِ المملكةِ العثمانيَّةِ، فاعْتَنَقَتْهَا جماعاتٌ من الأتراكِ والأكرادِ والعربِ وغيرهم في أناضولَ، وبلادِ قوقاز، وشِبْهِ جزيرةِ بَلْقَانَ، كما انتشرتْ طريقتُهُ في بعضِ البلادِ الأوروبيَّةِ بفعل الأتراكِ الوافدِينَ والمهاجرين إلى تلك البقاع في السنن الأخيرة.

    استطاعَ البغدادِيُّ أنْ يِفْتِنَ ملايينَ الناسٍ في دينهم، إذ كانت الدولةُ العثمانيَّةُ في حَيْصَ بَيْصَ، فَأَرْخَتِ السُّلْطَةُ له العنانَ لِكَسْبِ دَعْمِهِ ضدَّ السلفيِّينَ الذين كانوا يَدْعُونَ الأُمَّةَ إلى توحيدِ اللهِ ونبذِ الأوثانِ، والتَّخَلِّي عن الحياةِ الجاهليَّةِ، وعدمِ الطاعةِ لأولياءِ الأمورِ في معصيَةِ اللهِ… فسنحتْ الفرصةُ للبغدادِيِّ وطارَ صِيتُهُ في الآفاقِ، فاعتقدَ فيه ملايينُ الناسِ “أنه الغوثُ الأعظمُ، وَالْقُطْبُ الأفخمُ، الذي فَوَّضَ إليهِ الرَّبُّ تدبيرَ السماواتِ والإرضِ، له جناحانِ يطيرُ بهما حيثُ يشاءُ، وينوبُ عن الله ويتصرَّفُ فِي مُلْكِهِ…” إلى غير ذلك من موبِقَاتِ الإيمان.

    لقد كانت الجاهليةُ عادتْ، وسادتْ في عمومِ أرجاءِ الوطنِ الإسلامِيِّ، ومِنْ أمراضِها السرطانُ الصوفِيُّ كان في تلك المرحلةِ منتشرًا بشكلٍ ذريعٍ في ظلِّ انعدامِ الوَعْيِ وانتفاءِ المسئولِيَّةِ. اندلعت في هذه المرحلةِ حُروبٌ وعِصياناتٌ في الداخل والخارجِ قصمتْ ظهرَ الدولةِ، كما تسرَّبَتْ أفكارٌ إلحادِيَّةٌ إلى المجتمعِ العثمانِيِّ من الغربِ (من فرنسا بخاصًّةٍ) تبثُّها المحافلُ الماسونِيَّةُ، ولم يكن ثَمَّ من يدعو الناسَ إلى توحيدِ اللهِ إلاَّ القليلَ من العلماءِ، ولكنَّ أحدًا منهم لم يَشْعُرْ في نفسهِ بالْجُرْأةِ على المارقين، وكانت الظروفُ بِكُلِّيَتِهَا مُواتيةً على نحوٍ خاصٍّ لتفخيمِ شأنِ البغداديِّ وتصعيدِ سُمْعَتِهِ وتوسيعِ شُهْرَتِهِ، ونشر طريقتِه (النقشبندِيَّةِ)… فانبرتْ طائفَةٌ من وَزَاوِزَةِ الْمَلاَلِي والشيوخِ الْمُشَعْوِذِينَ يتشدَّقُونَ بإطْرَائِهِ ويدافعون عنه، وَيَرُدُّونَ على مَنْ يُدْحِضُ أبَاطِيلَهُ. لذا من تصدَّى للردِّ على خالدِ البغدادِيِّ تَعَرَّض للسَّحْقِ كما حدث ذلك للشيخ معروفِ البرزَنْجِيِّ وعبدِ الوهابِ السوسِيِّ مع أنَّهُما أيضًا كانا صوفِيَّينِ مشعوِذَين من أمثالِ البغدادِيِّ، كما ذهبَ الشخ عثمان الجليلي وحَالَتْ أفَنْدِي أيضًا ضحيةَ مُعَارَضَتِهِما لِخالِدِ البغداديِّ. أما حَالَتْ أفندي، فكان من أبرزِ رجال البلاطِ، نُفِذَ فيه حُكْمُ الإعدامِ بأمرٍ من السلطان محمود الثاني. فَفَسُحَ بعد ذلك المجالُ للرَّجُلِ وخَلَتْ له الساحةُ وانْدَحَرَ جميعُ خصومِهِ وانصرفوا مخافَةَ مُوَاجَهَتِهِ.

    قفزتْ النقشينديَّةُ من بلادِ الهندِ إلى العراق على يدِ خالدِ البغدادِيِّ عامَ 1811م. بالتحديد، وقِصَّتُها طويلةٌ، فكانتْ طامةً كُبْرَى على الأمةِ لانتشارِها السريعِ، فما لبثتْ حتى لَقِيَتْ قبولاً من قِبَلِ سُلْطَةِ الدولةِ. ذلك أن الحكومةَ العثمانيَّةَ كانتْ قد حلَّتْ الجيشَ الإنكشارِيَّ ثمَّ قمعتْ بقاياهُ المتمرِّدِين لِمَخَاطِرِهِ على النظامِ، وكان هذا الجيشُ مُعْتَنِقًا للعقائدِ البكتاشِيَّةِ، وهي أيضًا تيَّارٌ صوفِيٌّ خطيرٌ. فلمَّا أُبِيدَتْ فُلُولُهُمْ عن بكرةِ أبِيهَا يوم 15 حزيران/يونيو 1826م.، أحَلَّتْ الحكومةُ النقشبنديِّينَ في ثَكَنَاتِهِمْ، وخصَّصَتْ لهم جميعَ تكايَا الْبَكْتَاشِيِّينَ. كُلُّ ذلك لِكَسْبِ النقشينديِّين وتجنِيدِيهِمْ في حربِ “الوهابية”، واتِّخاذِهِمْ سَدًّا أمامَ انتشارِ عقيدةِ التوحيد في المجتمع العثمانيِّ.

    للطريقة النقشبندية طقوسٌ غريبةٌ ومناسكُ وأشكالٌ من العبادةِ شبيهةٌ بأساليبِ الهنودِ اليوغيين. وَلِدَفْعِ التُّهَمِ عن أنفسِمْ يُقيمُون طقوسَهُمْ في أمَاكِنَ خَاصَّةٍ ولا يسمحون لمشاركةِ مَنْ ليس منهم. مع ذلك يحضرون المساجدَ ويصلُّون ويصومونَ ويحجُّونَ على غرار المسلمين. إلاَّ أنَّهم ما داموا لا يتحاشَوْنَ مِنْ مُشَابَهَةِ مجوسِ الهندِ في العبادِةِ، فلا محالةَ يُعَدُّونَ فرقَةً من الفرقِ الضَالَّةِ الكافرةِ كالنُّصَيْرِيَّةِ، والإسماعيليَّةِ، والدروزِ، والقاديانيَّةِ، والبهائيَّةِ ولا شكَّ…

    ***
    ظهرت الطريقةُ النقشبندِيَّةُ في القرنِ السادس عشر الميلادِي (على وجه التقريب) في بلادِ ماوراءِ النهر، بجهودِ عددٍ من الزنادقةِ والمشعوذينَ كانوا قد انتحلوا صفاتٍ روحِيَّةً؛ ابتدعوا أسالِيبَ من التعبُّدِ على أساسِ التركِيزِ والتأمُّلِ العميقِ، وتكرارِ لفظٍ معيَّنٍ بأعدَادٍ كبيرةٍ مع انتهاجِ حياةٍ يسودُها التقشُّفُ وإهمالُ التدبيرِ، ومجاهدةُ النفسِ برياضاتٍ شاقّةٍ… لكنهم كانوا يَدْعُونَ الناسَ إلى ممارسَةِ هذه الأشكالِ من التعبُّدِ باسم الإسلامِ، ويدَّعونَ أنها أفضلُ سُّبُلِ التهذيبِ للنفسِ، وأنفعُها للتخلُّصِ من مخاطر الشهوات، وأمثلُها لكسبِ القربِ من الله تعالى! فنالت القبولَ هذه الأذكارُ والعباداتُ الدخيلةُ عندَ كثيرٍ من الناسِ العامِّيِّينَ، لجهلِهم بمبدإ التوقيفِيَّةَ في الإسلامِ. والطامةُ الكبرى أنَّ بعضَ الشخصِيَّاتِ المعروفِينَ بسمةِ العلمِ من أمثالِ ابن حجر الهيتمي، ومحمود شهاب الدين الآلوسي، وابنِ عابدين الدمشقي الفقيه، وقعوا في حبالِ هؤلاءِ الزنادقة، فاغترّوُا بهم وشهدو لهم بالصلاحِ لجهلهم بِعِدَّةِ أمورٍ.

    منها: أنهم لم يدرسوا تاريخ الأديانِ والمذاهبِ فلم يكن لهم رصيدٌ من المعرفةِ ليُدرِكوا كيفيةَ الخلطِ بين مصطلحاتِ المشركين وتعاليم الإسلامِ؛ كيفَ يتحزلقُ الزنديقُ حين يلتقطُ أنماطًا من مناسكِ أهلِ الشركِ فيمزجها بالأذكارِ والدعاءِ في الإسلامِ، ثمَّ يزعم “أنها وسائل التقرُّبِ إلى الله، وهي مأثورةٌ من النبِيِّ صلى الله عليه وسلمَ” افتراءً على الله ورسولِه. لأنَّ الزنديقَ على علمٍ ويقين تامٍّ بأنه لو دَعَى الناسَ من أهلِ الإسلامِ (بصراحةٍ) إلى ذكر اللهِ على طريقة أهل الكفرِ (لأنَّ الْكُفَّارَ أيضًا يذكرون الله بأسالِيبَ انتهجها لهم رُهْبَانُهُمْ)، لو دعى المسلمين ليذكروا الله ويتنسّكوا بتلك الأساليب، لما أطاعَهمٌ أحدٌ إلاَّ من أعْمَى اللهُ قَلْبَهُ بالجهلِ والْحَمَاقَةِ.

    ومن هذه الأمورِ التي يجهلها عامَّةُ رجالُ الدين: أنَّ الزندقةَ لا تكونُ إلاَّ من جنسِ الدعاءِ والصلاةِ والأذكارِ والمناسك. إذ يأتي الزنديقُ بضروبٍ من أذكارِ أهلِ الكفرِ، وَدُعَائِهِمْ، وَصَلَوَاتِهِم، ثمَّ يُضِيفُ إليها آياتٍ من القرآنِ الكريمِ، وأذكارٍ مأثورةٍ من السنةِ، ويَنْسِبُهَا إلى الإسلامِ، ويَعُدُّهَا من وسائل القربات… فلا يكادُ الجاهلُ يُمَيِّزُ في هذا التركيبِ الغامضِ بين ما هو مأخوذٌ من تعاليم الدين الحنيفِ وبين ما هو مأخوذٌ من مستنقعاتِ الكفرِ. كـ(صلاةِ الرابطةِ) و (الختمة الخواجكانية) وترداد لفظ الجلالة خمسة آلافِ مرةٍ كلَّ يومٍ… لكنَّ الهيتمِيَّ والآلوسِيَّ وابْنَ عابدين ما بالُهُمْ لم يَتَنَبَّهُوا إلى هذه المحاولات الماكرةِ (وهم من أهل العلم!) على حدِّ قولِ مَنْ يدَّعِي ذلك؟!

    ومن هذه الأمورِ أيضًا: أنَّ معظَمَ رجالِ الدِّينِ التبس عليهم الفرقُ بين الفضائِلِ التي جاءَ بها الإسلامُ وبين ما قد يُشَبَّهُ بها في الدياناتِ الكفرِيَّةِ من سلوكيَّاتٍ أخلاقِيَّةٍ. فالصبرُ، والقناعةُ، ولينُ الجانِبِ، وكظم الغيظِ، والعفوُ والتسامحُ، والزهدُ، والخشوعُ في العبادةِ، والتضرُّعُ إلى اللهِ بالدعاءِ، كلُّها قد جاءت الوصِيَّةُ بها في الكتابِ والسُّنَّةِ. وهي من جملة الفضائِلِ التي جاءَ بها الإسلامُ. ولا يخفى أنَّ المسحِيَّةَ والبوذِيَّةَ مثلاً، تهتمُّ كلٌّ منهما أيضًا بأشكالٍ مُلْتَبَسَةٍ بهذه الخصالِ؛ لكنَّ نظرةَ الإسلامِ تختلفُ كلَّ الإختلافِ عن نظرةِ الدياناتِ الكفرِيَّةِ إلى هذه الفضائِلِ. وقد منعتْ ضوابِطُ الدِّينِ الحنيفِ التشبُّهَ بالكفارِ منعًا باتًّا بقانون (التوقيفيَّةِ)، وفي ذلك حكمٌ قطعِيٌّ صارِم. قال تعالى: “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.” كما حكم الإسلامُ على مَنْ تشبَّهَ بأهلِ الكُفرِ أنَّهُ كافِرٌ حالٌّ ربقةَ الإسلامِ من عنتقه لا محالة.

    كذلك الأذكارُ والأدعِيَةُ في الإسلامِ كلُّها مضبوطَةٌ في حدودِ الكتابِ والسنَّةِ. إذًا لا يجوزُ لأحدٍ (كائنًا مَن كانَ) أنْ يقتَبِسَ شكلاً من أشكالِ الذكرِ والدعاءِ والتعبُّدِ من أيِّ ديانةٍ بحجّةِ أنَّ الغرَضَ من أدائِها ليسَ إلاَّ التقرُّبَ إلى اللهِ. فيتعيَّنُ هنا التنبيهُ بخاصَّةٍ على أنَّ صلاةَ الرابطَةِ في الطريقةِ النقشبندِيَّةِ، لا تعدو عن شكلٍ من طقوسِ مجوسِ الهندِ، وقد ثَبَتَ بالبراهين أنَّ صناديدَ هذه الطريقةِ قد اقتبسوها وأجْرَوْا عليها بعضَ الشيءِ من التعديلِ بطريقةٍ ماكرةٍ للتعميةِ، وهي في الحقيقةِ مأخوذةٌ من (الْيُوغَا)، وهو شكلٌ من طقوسِ كفارِ الهندِ، يمتدُّ أصلُها إلى تعاليم الراهب بيتنجل Patanjali.

    إنَّ رِجَالَ الدِّين (بخلافِ العلماءِ) يجهلون هذه الحقيقةَ، لأنَّهم عمومًا يجهلون خفايا أساليبِ الزنادقةِ في التضليلِ، وغسلِ الأدمغةِ، وتسحيرِ العقولِ، يجهلون مكنوناتِ حِيَلِهم في اختلاقِ البِدعِ والخرافاتِ والأساطير. لذا لا يكفي الانتباه إلى أكاذيبِ الصوفِيَّةِ وأنماطِ دجلِيَّاتهم فحسبُ، بل يجب التفطُّن – في الوقتِ ذاتِهِ – إلى الفرقِ بين العالم و”رجل الدين”. فهذا الأخيرُ مصطلحٌ مقتبسٌ أيضًا من قِيَمِ الكٌفَّارِ، ينبغي التمييز بينهما والتحذير من الإعتدادِ برجالِ الدين واعتبارِهم من طبقة العلماء.

    ***

    إنَّ النقشبنديّينَ لهم ألاعيبُ خطيرةٌ في صناعة التضليلِ وإلباسِ الحقِّ بالباطلِ؛ يَتَصَيَّدُونَ بها الجهلةَ وَيُرَسِّخُونَ عقائدَهم في أعماقِ الإنسانِ الْمُنْسَحِبِ وراءَهُمْ والواقعِ في حبالِهم، فيتحوَّلُ إلى آلةٍ في يد شيخ الجماعةِ يلعبُ به ويستخدمه في تحقيق أغراضِهِ دونَ أيِّ اعتراضٍ من هذا الجاهِلِ أن يعصيَ له أمرًا، ولو كانَ حرامًا بيِّنَ الْحُرْمَةِ. كما لو أمره بفعلِ الزنا أو شُرْبِ الخمرِ وحتى بارْتِكَابِ جنايةِ القتلِ، لا يتردَّدُ في الاستجابة له أبدًا إلاَّ من رحم ربّي!

    بذل النقشبنديونَ الأتراك في السنين الأخيرةِ جهودًا بالغًةً وعنايةً خاصَّةً في إصدارِ كتبٍ ومجلاَّتٍ وإنشاءِ شركاتٍ وأوقافٍ وجمعياتٍ وإذاغاتٍ وفضائيَّاتٍ يستخدمونها في بَثِّ عَقَائِدِهِمْ والدفاعِ عنها، وهي- في الوقتِ ذاته – أسلحةٌ فتّاكةٌ في أيديهم يستعملونها لضربِ خصومِهم، خاصَّةً في هجماتهم على أهلِ التوحيدِ بضراوةٍ وعنفٍ؛ لا يألونَ جهدًا في تشنيعِ “السلفيّين” وسبِّهم، ورميهم بالزندقة، وبالخيانة العظمى ومعاداة الدولة التركِيَّةِ. يصفونهم بالإرهابية، والداعشية، والوهابية…

    إنَّ كفرياتِ النقشبنديّين، وتلاعُبَهم بالدين، ونشاطاتِهم الهدَّامَةَ لا حصرَ لها في الحقيقة؛ أمّا تلخيصُها (تفادِيًا للإسهابِ والإملالِ)، فيمكن في أربعةِ نقاطٍ رئيسة (مع ذكرِ نبذةٍ من أسبابها وجذورها التاريخية):

    أوَّلُها: أنهم يتنطعون بإصرارٍ بالغٍ وبدون أيِّ مناسبةٍ، ليصرفوا الإنتباهَ عن توحيد الألوهِيَّةِ، فيتشدّقون في خُطَبِهِمْ ومَوَاعِظِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ بإكْثَارِ ما يدلُّ على ربوبيَّتِهِ تعالى: أنه الخالقُ، وأنه الرازقُ، وأنه المدبِّرُ، وأنه المحيِ والميميتُ… إلى غير ذلك مِمَّا لا يَجْحَدُهُ جُمُوعُ أهلِ الكفرِ من اليهودِ والنصارى والمجوسِ، وحتى الملحدون الذين يُنكرون ربوبيَّةَ اللهِ في ظاهرهم مع أنهم يستيقنونها في أعماقِ ضمائِرهم.

    ولا يكادُ أحدٌ من شيوخ النقشبنديَّةِ وخواجواتِهِمْ وملالِيهِمْ ينبس ببنت شفةٍ في توحيد الأُلُوهِيَّةِ بإفرادِ اللهِ تعالى بالعبادةِ. لم يَرِدْ أنَّ شيخًا من شيوخ النقشبندِيَّةِ (المعاصرين منهم خاصَّةً)، لم يَرِدْ أنَّهُ نطقَ في مجلِسِهِ، أو نَبَّهَ مريديه على أنَّ الله تعالى هو الإلهُ الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ الذي لا يُعْبَدُ إلاَّ إيَاهُ؛ لا يُصَلّى، ولا يُدْعَى، ولا يُذبَحُ، ولا يُنذَرُ، ولا يُحَجُّ، ولا يُعتَمَرُ، ولا يُتصَدَّقُ إلاَّ له سبحانه ابتغاء وَجْهِهِ تعالى. وأنّه من يتوجّهْ إلى غيرهِ بأدنى شيءٍ من هذه المقاصدِ يحِلْ ربقةَ الإسلامِ من عُنُقِهِ؛ لا تُؤكَلُ ذبيحتُهُ، ولا تجوز مناكحتُهُ، ولاَ يُؤْذَنُ له بالدخولِ إلى المسجد لأنه نجسٌ بِنَصِّ قولِهِ تعالى: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا.” ، ولا يَرِثُ المسلِمَ ولا يرثُهُ المسلمُ، وتسقطُ ولايتُهُ، ويسقطُ حقُّهُ في الحضانة، ولا يُصَلَّى عليه إذا ماتَ، ولا يُدفَنُ في مقابِرِ المسلمين. نعم، يتجنَّبُ شيوخُ النقشبندِيَّةِ الإقرارَ بهذه الحقائِقِ التوحِيدِيَّةِ مع أنَّ كُلَّهَا من أحكامِ المشرِكِ في الدنيا، وأمّا فيما يتعلّقُ به في الآخرَةٍ: فإنَّ الله تعالى قد بيَّنَ حُكْمَهُ فيه بقولِهِ تعالى : “إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا.” وهذه المعلوماتُ كُلُّها مشروحةٌ في مصادر الفقه الإسلامِيِّ. لكنَّ الصوفِيَّةَ عامَّةً والنقشبنديِّينَ خاصَّةً يتجاهلونها ويتعمّدونَ كَتْمَهَا ولا يكادُ يُسمَعُ من أحدِهِمْ أنه تلى هذه الآيةَ الكرِمَةَ جهرًا. بل يكرهون قرائَتَهَا وتِلاَوتَهَا جهرًا، وإذا نَبَّهَهُم أحدٌ على كفرِهِم هذا، وطلَبَ منهم أن يتأمَّلوا في معناها، ثاروا عليهِ وطردوه من مجلسِهِم، وشمتوا به، ورموه بالزندقةِ، ووصفوه أنه وهّابِيٌّ ضالٌّ عدوٌّ لأولِيَاءِ الله، بل آذوهُ بالعنف إن قدروا عليه…

    إنَّ موقِفَهم هذا إنما هو ناشِئٌ من تَأْلِيهِهِمْ لشيوخِهم وكبرائِهِ، ومن البراهين الواضحةِ على كُفْرِهِمْ هذا: أنَّهم مَشْغُولُونَ ومُنْهَمِكُونَ في ذكرِ مَنْ نَالَ من بينهم قدرًا من الشهرة حتّى وصفوه بالولايةِ، وإذا ماتَ بَنَوْا عليه قُبَّةً، وَتَضَرَّعُو إليه لقضاءِ حاجاتهم ليسَ ذلك إلاَّ لِعَدَمِ اعْتِدَادِهِمْ بِتوحيدِ اللهِ في أولوهِيَّتِهِ. إنّما ينسبونَ كلَّ ما ينالون من سَعَةٍ وَنعمةٍ، إلى هذا المشهورِ المعظَّمِ في قلوبِهم (بصفة الولِيِّ الفُلاَنِيِّ) لاعْتِقَادِهِمْ أنَّها مِنْ بركاتِهِ. “وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ.” لا شكَّ في أن ذلك كفرٌ صريح وإشراكٌ بالله، لأنَّ ذلك أبشعُ ضُروبِ النكرانِ بجميله تعالى، وغفلةٌ وتجاهلٌ لقولِهِ سبحانه: “وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ.” واللهُ تعالى يُكَذِّبُهُم بهذهِ الكلماتِ المقدَّسَةِ:” قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ.”

    ومن أكبر علاماتِ كُفْرِهِمْ إذا أكثرَ أحدٌ في مجلسٍ لهم من القولِ في توحيدِ الله بالعبادةِ، تجدهم يتحرَّجونَ من ذلك ويضيقُ صدورُهُم، وقد يتجرَّأُ بعضُهم بالاعتراضِ على هذا الواعظِ وفي عنجهيَّةِ بقوله: “يا شيخ: نحن لا نجهل أنَّ اللهَ واحدٌ، لكنْ مَا لُكَ تَشُحُّ بذكرِ الأولياءِ وكَرَامَاتِهِمْ وَبَرَكَاتِهِمْ وحِمَاهُمْ وَشَفَاعَتِهِمْ لنا!”. إن الله تعالى قد وصفَ هولاءِ الْغَرْقَى في مُسْتَنْقَعَاتِ الكفر (وإن تَرَاءَوْا في مظاهر المسلمين بصلواتِهم وصيامِهم وجُمُعَاتِهِمْ وَجَمَاعَاتِهِمْ..) قد وصفهم الله تعالى بقوله: “أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.”

    النقطةُ الثانيةُ: هي أنَّ هذا الْكُفْرَ (آنِفَ الذِّكْرِ) مُنْبَثَقٌ أصلاً من تألِيهِ النقشبنديِّين للإنسانِ الْمَيِّتَ. إنَّ الطريقةَ النقشبندِيَّةَ انتهجتْ هذا الْمُعْتَقَدَ خاصَّةً لِصَدِّ الوجوهِ عن توحيدِ الله في العبادةِ. ذلك أنَّ هذا الاعتقادَ له أصلٌ ممتَدٌّ إلى حُقْبَةِ ما قبلَ الإسلامِ من تاريخِ الأتراك. تدلُّ البحوثُ والوثائق أنَّ هذا القومَ كانوا ولا يزالون يُقَدِّسُونَ أرواحَ مَوْتَاهُمْ، ويعتقدونَ أنَّ لهم هيمنةً على حياةِ الْمُجْتَمَعِ وَمُقَدَّرَاتِهِ، فكانو يتوجَّهونَ إليهم بالدعاءِ والتضرُّعِ، ويخافونَ لَعْنَتَهُمْ.. كما كانوا يُقَدِّسُون أيضًا الكُهَنَةَ والعرَّافِينَ ومَنْ يأتيهم بشعوذةٍ؛ كاستخدامِ رموزٍ وثنيةٍ في الرُّقْيَةِ لمن يطلب منهم الشفاءَ. إنَّما هؤلاءِ كانوا رجالَ الدينِ عند الأتراكِ في عصور ما قبل الإسلامِ. فلمَّا تعرَّفوا على الإسلامِ واختزلوا منه (الْمُسْلُمَانِيَّة َMüslümanlık) كَدِيَانَةٍ بَدِيلَةٍ عن الدِّينِ الحنيف لِيَسْتَقِلُّوا بها عن العربِ، وَيَتَمَايَزُوا عنهم بِطَابِعِهِمِ القديمِ وخصوصِيَّاتِهِمْ المحلِّيَّةِ والقومِيَّةِ، تشبّثوا بالصوفِيَّةِ الذين وجدوهم أقربَ سلوكًا لِكُهَنَتِهِمْ ومُشَعْوِذِيهِمْ في العهدِ الوثنيِّ، وإذا الْتَقَوْا بعلماءِ الإسلامِ استغربوهم، فلم يطمئنُّوا إليهم، لِمَا وجدوهم يُشَدِّدُون النكيرَ على الكُهَّانِ والعرَّافِينَ والصوفِيَّةِ وأفعالِهم من البدعِ والخرافاتِ والكفريَّاتِ… فلما استقوَوْا واشتدَّتْ سواعِدُهُم منذُ ظهورِ خالدِ البغدادِيِّ، بدأ شيوخُهُم يُنَافِسُونَ عُلَماءَ الإسلامِ وَيُزَاحِمُونَهُمْ ويُضَيِّقونَ عليهم الخناقَ، إلى أنْ تَجَرَّءُوا عليهم بِتَقْبِيحَاتِهِمْ وتَشَنِيعاتِهِمْ والدُّخولِ في أعرَاضِهِمْ والتشهير بهم لدى كلِّ فرصةٍ.

    بلغ بهم الانهماكُ في تقديسِ الإنسانِ الميِّتِ والقبورِ إلى حدٍّ إذا عثروا على كتابٍ لزنديقٍ من القبورِيّينَ على شاكلتِهم، أثاروا عاصفةً من الدعاياتِ له، وبادروا بطبعِهِ ونشرِهِ حتى ولو كان مدوَّنًا باللغةِ العربِيَّةُ (مع أنّ الأتراك هم أبعد الناسِ إلى العربِيَّةِ)، وتسابقوا وبالغوا في إطراءِ مؤلِّفِهُ بأنّهُ عَلاَّمةٌ فهَّامةٌ ألْمَعِيٌّ عبقرِيٌّ منقطع النظيرِ في علمه، لاَ أحَدَ يُدَانِيهِ مهما تَبَحَّرَ في أشتاتِ العلومِ!

    على سبيل المثال، ظهر زنديقٌ خُرَافِيٌّ قبورِيٌّ من مُشْرِكي الديار الباكستانيةِ يُدعَى (حمد الله الداجوي)، صدر له كتابٌ سمّاه (البصائر لمنكري التوسُّلِ بالمقابر) وقد حشد فيه من أباطيل القبورِيَّة وتأليه الْمَوْتَى ما يتعجَّب منه ويتألّمُ كُلُّ مؤمنٍ بسلطانِ الله. كتبه ردًّا على كتابٍ ألَّفَهُ العالِمُ السلفِيُّ الشيخ طاهرُ الْفَنْجَفِيرِيّ. قال هذا القبورِيُّ في مَقْطَعٍ مِنْ كِتَابِهِ: “فلمَّا كان بعضُ المتشدِّدين يُنكرُ التوسُّلَ بالذواتِ الفاضلةِ وسماعِ الموتَى وغيرِهما من المسائِلِ التي يتعصَّبُ فيها وَيُسِيئُ الأدبَ في شأنِ الصُّلَحَاءِ والعلماءِ الرَّبَّانيِّين، وأفرطَ في شأنِ الْمُتَوَسِّلِينَ وشَنَّعَ عليهم تشنيعًا بليغًا حيث سمَّاهم مشركين وغيرَ ذلك من الخرافات في شأنِ العلماءِ الصالحين، فأردتُ الذَّبَّ عنهم غيرةً في دين الله”

    بل قد ذبَّ هذا الزنديقَ عن صناديد المشركين غيرةً في دين الشيطانِ، إذ لا يخفى من كلامِ هذا الضالِّ المدعُوِّ (داجوي) أنّه يكفرُ بقولِهِ تعالى “وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ.”

    إنَّ هذا الحقيرَ ومَنْ على شاكِلَتِهِ من المشركين لا يعبئون بهذا النصِّ القُرْآنِيِّ الذي لا يختلفُ عليه عَدْلاَنِ ولا ينتطح فيه عَنْزان. لانَّ فيه تكذيبُهم، وَهَدْمُ دينهم الباطِلِ من أساسِهِ. يدلُّ على ذلكَ أنَّ النقشبنديّين الأتراكَ قد تجاهلوا هذه الآيةَ الكريمةَ واهتمُّوا بكتابِ هذا الباكستانِيِّ الذي ليسَ من سكانِ بلدِهمْ، ولا عنصرًا من عرقِهِم، ورغمَ جهلِهِم بالعربِيَّةِ! وبهذه المناسبَةِ تحسُنُ الإشارةُ إلى أنَّ مَنْ يطلُب المزيدَ من المعرفةِ بعدمِ سماعِ الموتى أبدًا، عليه بِمُدَارَسَةِ الكتابِ الموسومِ (الآياتُ البَيِّنات في عدمِ سماعِ الأمواتِ) للعلاَّمةِ السلفِيِّ الجليل نعمان بن محمود الآلوسِيِّ البغدادِي.

    النقطةُ الثالِثَةُ: أنَّ الأتراكَ عامَّةً يجهلون مَبْدَأَ (التوقِفِيَّةِ)، والنقشبنديُّون خاصَّةً يتجاهلونها اتِّبَاعًا لشيوخِهِمْ الذين لا يعتدُّونَ بأذكارِ النبِيَّ ودُعائِهِ ومناسِكِهِ المأثورةِ صلى الله عليه وسلَّمَ. وإنما يهتمُّونَ بالأذكارِ والطقوسِ التي جاءَ بها خالدُ البغدادِيُّ من الهند. وهي كلُّها مأخوذةٌ من البوذِيَّةِ. إلاَّ أنَّ خالدًا البغدادِيَّ كان قد زينَّ هذه الأذكارَ والرموزَ والطقوسَ المجوسِيَّةَ بإضافَةِ آياتٍ قرآنِيَّةٍ وأذكارٍ مشروعةٍ إليها، فاختلقَ منها تراكيبَ غريبَةً لا يكادُ المسلمُ الجاهِلُ وحتى كثيرٌ من العلماءِ لا يكادونَ يُمَيِّزونَ بين عناصرِ هذه التراكِيبِ ما هو مأخوذٌ من الهندوسِيَّةِ وما هو مأخوذٌ من الإسلامِ، فيقعونَ في حبالِهم ويعدِلُون عن جادَّةِ الصوابِ وهم غافلون عن كُنهِ هذه الألاَعيبِ.

    من هذه الكفريات (على سبيلِ المثال): اعترافهم (جهارًا ومن غير تَحَفُّظٍ) أنَّ طريقةَ تَعَبُّدِهم تعتمدُ على العملِ بِعِدَّةِ مُصْطَلَحَاتٍ فارسيّةٍ (وهي غريبةٌ ودخيلةٌ لا أثَرَ لها في الكتابِ والسنةِّ).

    ومن كفرِيَّاتِهِم أيْضًا: اختلاقُهم طريقةً غريبةً للذكر وفق مبادئِ مجوسِ الهند، بَعْدَ تَرْجَمَةِ مصطلحاتِهم إلى العربية واحتكارِ لفظ (الجلالة) على سبيلِ التَّعْمِيَةِ. يقول عبد المجيد بن محمد الخانِي في وصفِ طريقةِ هذا الذكرِ بالحرفِ الواحد:

    “ذكرُ لفظ الجلالة باللَّطَائِفِ الخمسِ، وهي: الروحُ، والسِّرُّ، والخفِيُّ، والأخفَى، والنفسُ.. فيذكرُ (المريدُ) اللهَ تعالى أوَّلاً بلسانِ الروحِ الخيالِيِّ، وهي لطيفةٌ تحتَ الثديِ الأيمنِ. ثُمَّ السِّرِّ، وهي لطيفةٌ في يسارِ الصدرِ. ثُمَّ الخَفِيِّ، وهي لطيفةٌ في يمينِهِ. ثُمَّ الأخفَى، وهي لطيفةٌ في وسَطِهِ. ثُمَّ النفسِ الناطِقَةِ، وهي لطيفةٌ في الدماغِ على هذا الترتيب. فإذا رسخَ الذكرُ في لطيفة النفسِ نقَلَهُ إلى لطيفة الجَسَدِ. وهي: أن يذكرَ اللهَ تعالى بجميعِ جسَدِهِ مستحضِرًا للذاتِ العلِيَّةِ في نظرِ قلبِهِ…”

    يمتدُّ وصفُ عبد المجيد الخانِيِّ على هذا المنوالِ من الغرابةِ والغموضِ في صيغةٍ تبعثُ الحيرةَ في قلبِ كلّ من له علم بكتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلی الله عله وسلم ، ويفزع من خطورتها ومن جرأة من استقاها من مستنقعات الشرك وأَلْصَقَهَا بالإسلامِ افتراءً وزورًا.

    ومن كفريات النقشبنديِّينَ في اختلاقِ أساليبِ الذِّكْرِ على الطريقة الهندوسِيَّةِ: ذكرُ النفيِ والإثباتِ. يقول عبد المجيد بن محمد الخانِيِّ أيضًا:

    “المرادُ بالنفيِ والإثباتِ: كلمةُ التوحيدِ (لا إله إلاَّ الله). وهذا الذكرُ المباركُ يعلِّمُهُ المرشِدُ للمريدِ بعد ذكرِ اسم الذاتِ باللَّطائِفِ والتمكُّنِ من سلطانِ الذكرِ، وآدابُهُ: هي آدابُ الذكر الأوّلِ، غيرَ أنَّهُ بعدَ أن يُلصِقَ اللِّسَانَ والأسنانَ والشفةَ كالأوَّلِ، يحبِسُ النفَسَ تحتَ سُرَّتِهِ ويتخيَّلُ منها (لا) مُمْتَدَّةً إلى مُنتهى دِماغِهِ، ويتخيَّلُ من دماغِهِ نقشَ (إله) مُمْتَدَّةً إلى كَتِفِهِ الأيمنِ، ويتخيَّلُ من كَتِفهِ الأيمنِ نقشَ (إلاَّ الله) مارًّا بها على اللَّطائِفِ الخمسِ ضارِبًا بلفظِ الجلالةِ على القلبِ منفذًا إلى قعرِهِ بقوَّةٍ يتأثَّرُ بحرارَتِهَا جميعُ البدنِ مع ملاحظةِ معنى هذه الجملةِ: وهو أنه لا مقصودَ إلاَّ ذاتُ اللهِ تعالى، وينفي بشقِّ النفيِ جميعَ المحدثات الإلهِيَةِ، وينظرها بنظر الفناءِ، ويقولُ في آخرها بِلِسَانِ القلبِ: (محمد رسول الله) ويقصِدُ بها أنه مُتَّبِعٌ له ويكرِّرُها على قدر قوةِ نَفَسِهِ، ويُطلِقُ نَفَسَهُ من فَمِهِ على الوترِ من العددِ، وهو المسمَّى عند ساداتِنا بـ(الوقوفِ العددِيِّ)، ويقولُ بقلبِهِ قبلَ إطلاقِ كلِّ نَفَسٍ (إلهي أنت مقصودي ورضاكَ مطلوبي)”

    تمتدَّ عباراتُ الْخَانِيِّ على هذا النمطِ أيضًا. ويَظْهَرُ من خلالِ هذه التعريفاتِ الثعلبانيةِ أنَّ هذه الطائفةَ الخطيرةَ قد نسجتْ خيوطَهَا في أشكالٍ من المكرِ والخديعةِ لإختلاقِ تركيباتٍ وعباراتٍ وأركانٍ غريبةٍ تجمع بين ألفاظٍ من أذكار المسلمين وأصولٍ من الديانة البوذِيَّةِ، وذلك لإرباكِ قطعانِ الجهلةِ في المجتمع الإسلامِيِّ وحلِّ ربقةِ الإسلامِ من أعناقهم دونَ أنْ يشعروا ويتنبّهو إلى ما يقعونَ فيه من سوءِ العاقبة والعياذُ بالله!

    ***
    للنقشبنديِّينَ أكاذيبُ وأباطيلُ وأساطيرُ ومفترياتٌ على الله ورسوله، وقصصٌ خرافِيَّةٌ موضوعةٌ لا أساسَ لها من الصحةِ وقد حشدوها في بطونِ ركامٍ من كُتُبِهم التي دوَّنوها باللغة الركِيَّةِ لتشويشِ العقولِ واستمالةِ القلوبِ الغافلةِ واستغلالِ الضمائِرِ، ينسبونها إلى شيوخهم بدعوى الخوارق والكرامات لتفخيم شأنهم وتوسيعِ نطاقِ شهرتهم وإلقاءِ هيبتِهم على الناسِ. وهذه المحاولة منهم نمطٌ من أنماطِ المكرِ والتضليل والاحتيال، يقترفونها لِيخدعو بهذهِ الطريقة قُطعانَ من السفهاءِ وحثالةِ البشر، ولِيُسَخِّروهم في تحقيق أغراضٍ مخصوصة.

    من هذه الأكاذيبِ (على سبيل المثال): حكايةٌ ينقلونها عن شخصٍ يُدعى (مولانا ذاده نظام الدين). يقول: “كان يومًا من أقصر أيامِ الشتاءِ، كنتُ أنا بِصُحبةِ الشيخ عبيدِ الله الأحرار، نسافرُ من قريةٍ إلى أخرى. أدَّينا صلاةَ العصرِ في أثناءِ سَفَرِنا، ثمَّ بدأتِ الشمسُ في الإسفرارِ واقتربتْ مِنْ خَطِّ الأفقِ وكانتْ نقطةُ الوصولِ بعيدةً في الغايةِ، ولم يكن من الْمُتَوَقَّعِ أنْ نصِلَ قبلَ ساعاتٍ مؤَخَّرَةٍ من اللَّيْلِ، كما لم يكنْ بِقُرْبِنَا مكانٌ نأوي إليه ونحن في مفازة مترامية الأطرافِ. أخذتُ أتأمّلُ بقلقٍ: أنَّ المقصِدَ بعيدٌ، واللَّيلَ مُقْبِلٌ، والطريقَ مُرْعِبٌ، وليسَ ثَمَّ مكانٌ نلجأُ إليه، فما إذًا حيلتُنا! ومع هذا كان الشيخ يسوقُ جوادَهُ بسرعةٍ ولم يبدُ عليه أثرٌ من القلق. بينما كان ينتابني هذه الخطراتُ فإذا بالشيخ التفتَ إلَيَّ وقال لي: “أأنت خائفٌ؟ فسكتُّ، ثُمَّ قال لي: “أطْلِقِ العنانَ لجوادِكَ وعَجِّلْ، لَعَلَّنا نصلُ قبلَ غروبِ الشمسِ.” وعليه زدنا في الإسراعِ وقطعنا مسافةً طويلةً. فجمعتُ همّي وإذا بالشمسِ فكأنَّها واقفةٌ على ألأُفُقِ مُسَمَّرَةٌ لا تبرحُ مكانَها. وما إنْ دخلنا القريَةَ غابت الشمسُ بسرعةٍ وَغَشِيَنَا حَلَكُ الظلامُ!”

    اختلق مَن اختلقَ من النقشبنديّين هذه القصَّةَ الخيالِيَّةَ لِيُوهِمَ بها أنَّ الشمسَ وقفتْ على الأفقِ تنتظرُ هذا الشيخَ وتبعثُ عليه أشِعَّتَهَا حتَّى يدخُلَ هوَ القريَةَ في ضوءِ النهارِ ولا يُزعِجَهُ ظلامُ الليلِ! فيعدّونَ هذه القصةَ الخُرافِيَّةَ من جملة كراماتِهِ.

    للنقشبنديّين أيضًا قصصٌ قد صاغوها في إطراءِ أحمدَ الفاروقِيَّ السرهندِيَّ الذي يُعَظِّمُونه بعنوان (الإمامِ الربّانِيِّ!)، يستحيل أنْ يَجْمَعَها باحثٌ دونَ أن يستعينَ بغيرِه. حشدوها في موسوعةٍ لهم باللغة التركِيَّةِ ما يضيقُ المقامُ لأحصاءِ عَدَدِهَا، فضلاً عن نقلِ جزءٍ منها.

    من هذه الهذيانات: وَرَدَ في الموسوعةِ آنفةِ الذكرِ: أنَّ رجلاً سَمِعَ مناقِبَ (الإمامِ الربَّانِيِّ) وهو في بلدٍ بعيدٍ من مَقَرِّه. فسافر إلى مدينة سرهند ليزورهُ، لكنّه اتفق أنْ وصل ليلاً فنزلَ ضيفًا في بيتِ أحدٍ من أهل المدينة. وقصَّ عليه أمرَهُ: أنه إنَّما جاءَ ليستفيدَ من الإمامِ الربانِيِّ، وأنْ يَدْرُسَ عليه، وأنه مُتَشَوِّقٌ للقائِهِ ولهذا أنَّه مغمورٌ في السعادة. إلاَّ أنَّ صاحِبَّ الدَّرِ كان يبغضُ الإمامَ، فأخذَ يتطاول عليه بالتقبيح والتشنيع، فتضايق منه الضيفُ، فتضرَّعَ إلى الإمامِ الربَّانِيِّ في قلبِهِ وخَاطَبَهُ في نفسِهِ قائلاً: إنَّما قصدتُكَ لوجهِ الله ونويتُ أن أقومَ بخدمتِك، لكنَّ هذا الرجلَ يريدُ أن يُحَرِّمَنِي من هذه السعادةِ. فلم ينتهِ الضيفُ من هَمَسَاتِهِ بعدُ حتَّى فوجئَ أهلُ البيتِ بالإمامِ وبيده سيفٌ مسلول، فانقضَّ على صاحب البيتِ فقطعه إربًا إربًا. فلما أصبح الضيفُ ودخل على الإمام، وأرادَ أن يُعَبِّرَ عمَّا حدثَ معه في اللَّيلةِ البارحةِ، بَادَرَهَ الإمامُ بقولِهِ: لا تذكرْ شيئًا في النهار من أخبار الليل!. وذلك ليكتمَ كَرَامَتَه.

    إنَّ هذه الخزعبلاتِ وآلافَ آلافِ أمثالِها تُلفِتُ الإنتباهَ إلى أنَّ كثيرًا من التيّارات الصوفِيَّةِ، والطريقةَ النقشبندِيَّةَ على وجهِ الخصوصِ، إنَّما ظهرتْ في الأتراكِ وفشتْ في مُجتَمَعاتِهِم لأسبَابٍ ثلاثٍ:

    أوّلُها: أنَّ التاريخَ لا يشهَدُ بِأدنى إشارةٍ إلى أيِّ شخصٍ أو فِئَةٍ من أهلِ الدعوةِ قاموا أوَّلَ مَرَّةٍ بتبليغِ رسالةِ الإسلامِ إليهم. وهذا يؤَكِّدُ على أنَّ تعرُّفَهم على الدين الجديدِ جاءَ عفوِيًّا واعْتِبَاطًا ومن غيرِ مرشِدٍ يدلُّهُم على اعتناقِ تعاليمه بوعيٍ وفق الكتابِ والسنّةِ.

    والسبَبُ الثاني هو: أنهم كانوا يجهلونَ الكتابةَ والقراءَةَ (وحتّى رؤساؤَهم وملوكَهم!)، إذْ كانُو بِعُمُومِهِمْ بدوًا، مع أنَّ الإسلامَ دينٌ له مبادِئُ رصينةٌ يستحيلُ استيعابُها من غيرِ دراسةٍ وممارسةٍ وتعليم، خاصَّةً على قومٍ لم يتحضّروا.

    والسبَبُ الثالِثُ هو: تهافُتُهم على الإسلامِ عن بكرةِ أبيهم وفي أمدٍ قصيرٍ جدًّا، لعلّهم تابعوا رؤساءَهُمْ وَمُلُوكَهُمْ في ذلك اغْتباطًا وتَقْليدًا لَهُمْ، وذلك طابعٌ راسِخٌ فيهم. بالاضافةِ إلى هذه الأسبابِ: فإنَّ مبدأ (التوقيفِيَّةِ) ظلَّتْ مجهولَةً لا يعرِفُهُ الأتراكُ ولا يعترفونَ بها، وحتى علماؤُهم لا يعبئونَ بهذا المصطلَحِ، ولا يتداولونه في نواديهم ومؤسَّساتِهِم العلمِيَّةِ أبدًا. وربما يتجاهلون شمولِيَّةَ هذا المبدأِ كقاعدةٍ أساسِيَّةٍ يرتكز عليها الدين الإسلامِيُّ بكلِّتِهِ الجامعةِ. نعم، حتى علماؤُهم يتجاهلون هذا المبدأ العظيمَ، لماذا؟!

    لأنَّهم لا يكادونَ يشعرون بالأملِ في استجابة الناسِ للدعوةِ إلى توحيدِ الله بعد مضِيِّ ألفِ سنةٍ عليهم وقد رسخت الْمُسْلُمَانِيَّةُ (Müslümanlık) في أعماقهم. “إنَّ الفرصةَ قد فاتت” بحسبِ اعتقادِهم. إنَّ صَمْتَهُمْ في كثيرٍ من الأحيانِ، وتأويلاتِهم، وذرائعَهم التي يتشبّثون بها، كلُّ ذلك تدلُّ على أنهم لا يرجون فائدةً من مناقشةِ هذه المسألةِ وكأنَّهم يقولون بلسانِ حالِهِمْ: “هل يستطيعُ أحدٌ أن يُزَعْزِعَ إيمانَ الأتراكِ بآلافٍ من أولياءِهم (بدءًا من أحمد الْيَسَوِيِّ، إلى خالد البغدادِيِّ وإلى المعاصرين من شيوخِهم الذين هم على نهج أسلافِهم؟!) أين له أنْ يُغَيِّرَ حتى عقيدةَ شخصٍ واحدٍ من النقشبنديِّين في خالدِ البغداديِّ الذي كانتْ لعنتُهُ تساوي لعنةَ الله في اعتقادهم؟!”. ألم يَدَّعِ خالدُ البغدادِيُّ في رسالةٍ له أنَّهُ طردَ عبدَ الوهابِ السوسِيِّ من دِينِهِ وقد أخذَ في ذلك موافقةَ جميع سادَاتِهِ: (أي من أبي بكر الصديق، وسلمان الفارسِي، وقاسم بن محمد، وجعفر الصادق، وأبي يزيد البسطامِيِّ، وأبي الحسن الخرقانيّ، وأبي علي الفارمديّ، وأبي يعقوب الهمدانيّ، وعبد الخالق الْغُجْدُوَانِيّ، وعارف الرِّيوَگَرِيِّ، ومحمود الإنْجِيرْفَغْنَوِيِّ، وعلِيِّ الرَّامِتَنيِّ، ومحمّد بَابَا السمَّاسيِّ، وأمير كُلاَلْ، ومحمّد بهاء الدين البُخَاريّ، ومحمّد علاء الدين العطّارِ، ويعقوب اﻟﭽﺮخِي، وعبيد الله الأحرار، ومحمّد زاهد الْبَدَخْشِي، ودرويش محمّد السمرقنديّ، ومحمّد الْخُوَاﺟَﮕِﻲ، ومحمّد باقي الكابُليّ، وأحمد الفاروقيّ السرهنديّ، ومحمّد معصوم الفاروقي، ومحمّد سيف الدين الفاروقيّ، ومحمّد الْبَدَوَانِيَ، وشمس الدين مَظْهَر، وعبد الله الدَّهْلَوِيِّ…). نعم يدَّعي خالدُ البغدادِيُّ (الذي عاشَ بين أعوام: 1778م./1192هـ -1826م./1242هـ.) يدَّعِي بألفاظٍ صريحةٍ أنَّ هؤلاءِ، (وعددُهم ثمانيةٌ وعشرون شخصًا) قد وافقوه في قرارِهِ بطردِ عبد الوهابِ السوسِيِّ من الطريقة النقشبندِيَّةِ!

    من ذا الذي يستطِعْ أن يُوَجِّهَ أدنى انتقادٍ إلى خالدِ البغدَادِيِّ في تُرْكيَا، ما دامَ هذا الكذِبُ الفاحِشُ يُعدُّ كرامةً عظيمةً من كراماته في اعتقادِ النقشبنديِّين؟! لذلك من الخطر الشديد على أيِّ إنسانٍ أن يتجرّأَ فَيُرَكِّزَ على مفهومِ (التوقِيفِيَّةِ) بأن يدعوَ الناسَ إلى الإيمانِ باللهِ وحدَه لاشريكَ له، وأنَّ الإعتقادَ بتصرُّفِ الْمَوْتَى في خَلْقِهِ وَمُلْكِهِ شركٌ يُخْرِجُهُ من الملَّةِ.

    يظهر من مواقف الأكاديميين الإلهيَّاتِيِّين (أي أساتذةِ الكلِّيَّاتِ المسمّاةِ بالإلهِيَّات) بخاصَّةٍ، “أن التركِيزَ على مسائِلِ التوحيدِ، وعلى مفهومِ (التوقيفِيَّةِ) عَبَثٌ، لأنَّ الأتراك أصلاً يُقِرُّونَ بأنهم منتسبون للإسلامِ، ولا بأسَ أن يكون بعضُهُم نقشبندِيّين أو منخرطين في جماعاتٍ متباينةٍ أخرى من الصوفِيَّةِ وغير الصوفِيَّةِ، فكلُّهم معترفون بالإسلامِ ومعتزُّون به، وهذا فيه كفايةٌ لإبراءِ ساحةِ المجتمع التركِيِّ بما فيه من الفسقةِ والملحدين سدًّا لبابِ الفتنةِ.”

    يبرهن هذا الرأيُ الْمُجْمَعُ عليه عند عُقَلاَءِ القطاعِ المحافظِ المتديِّن في تُرْكِيَا: أنَّ إثارةَ مفهوم (التوقيفِيَّةِ) ومناقشةَ مسائِلِ التوحِيدِ بعد ألفِ سنةٍ من اعتناقِ الأتراكِ للدِّيَانَةِ (الْمُسلُمانِيّة Müslümanlık) محاولةٌ يائسةٌ لا طائلَ تَحْتَهَا. ذلك أنَّ المسلمانِيَّةَ بطقوسِها ومناسِكِها الخاصَّةِ وصبغتِها المحلِّيَّةِ (كرمزٍ للقومِيَّةِ التركِيَّةِ)، أصبحتْ بِناءً عملاقًا تغذَّت من الفكرِ الصوفِيِّ على مدى ألفِ سنةٍ، وتعتمدُ اليومَ على عددٍ من التيَّارات الصوفِيَّةِ وآخرها الطريقةُ النقشبندِيَّةُ، وبالأحرى؛ فإنَّ المسلمانِيَّةَ تتجسَّدُ اليومَ في الدِّينِ النقشبندِيِّ الذي يستحيلُ أن يتخلّى عنها الأتراك، ويعتنقوا الإسلامَ الذي يَرْقُدُ بين دَفَّتَيِ القرآنِ وفي بطونِ أمهات كتب السنة.

    النقطةُ الرَّابِعَةُ: هي تَتْرِيكُ الإسْلاَمِ، وهي من أهم أهدافِ الطريقة النقشبندِيَّةِ ومِنْ أخطرِ دَسَائِسِهَا الْكُفْرِيَّةِ. لأنَّ هذه المحاولةَ فيها تجزئةٌ لِلأُمَّةِ إلى جبهةٍ تركيةٍ تُمَثِّلُهَا الديانة (الْمُسْلُمَانِيَّةُMüslümanlık ) والمذهبُ (الحنفانِيُّHanafism ) في ظاهرها، وَتُعَضِّدُهَا الطريقةُ النقشبنديَّةُ من باطنها؛ وإلى جبهةٍ عربِيَّةٍ تمثِّلُها (الإسلامُ) الذي يحدِّدُهُ القرآن والسُّنَّةُ.

    إنَّ النقشبنديّينَ مهما تحزلقوا في دفاعهم: “أنَّ مُعْتَقَدَ سَادَتِهِمْ هو معتقدُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، ومَبْنَى طريقِهم على حفظِ أحكامِ الشريعةِ المطهَّرَةِ…” كما يزعمه محمدُ بْنُ عبدِ اللهِ الخانِيِّ، لكنهم يكذِّبونَ أنفسَهُمْ بما حشدوا في بطونِ كُتُبِهِمْ من أباطيلِ الْفُرْسِ والهنود، وقد زادَ عليها معاصروهم ما يبرهن على محاولتهم لتتريك الإسلامِ، بحيث يستحيل حَصْرُهُ من أنماطِ الأكاذيبِ والتحريفِ والتخريف والتأويل… أقلُّها تَرَحُّمُهُمْ على أحدِ قدمائِهم في عهدهم الوثني اسمه: (أوغوز خان Oğuz Han).

    ورد ذلك في كتابٍ للنقشبنديّين العنصرِيّين من تأليف شيخهم حسين حلمي إيشيك (1911-2001م.)، (عنوانه: السعادة الأبدية، في طبعته السابعة والسبعين) وهو يشرح ترجمةَ أوغوز خان، يقول بالحرف الواحد: ” أُوغُوزْ خَان رحمةُ اللهِ تعالى عليه: إنَّ الأتراكَ قديمًا كانو منقسمين إلى تُرْكِ الشرقِ وتُرْكِ الغرب، فَالشَّرْقِيُّونَ منهم كانوا خَمْسَ قبائلَ، والْغَرْبِيُّون كانوا خَمْسَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً. كانتْ قبيلةُ أُويْغُورْ مِنْ أتراكِ المنطقةِ الشرقيَّةِ، أمَّا قبيلةُ أُوُغُوزْ وَالْكِرْجِيز، فَإِنَّهُمَا كانَتَا مِنْ قبائلِ المنطقةِ الْغَرْبِيَّةِ. كانوا قد انتشروا في أنحاءِ الهندِ وإيران والعراقِ منذ خمسةِ آلافِ سنةٍ قبل الهجرة النبويةِ.” وهذا كذب محضٌ لا أساسَ له من الصحةِ، ولا يملك أحدٌ أقلَّ دليل على ذلك. وإنما تَفَوَّهَ بهذا الباطِلِ لِيُمَوِّهَ أنَّ الأتراكَ كانوا مسلمين قبل قرونٍ من ظهورِ الإسلامِ! وهذا لا شكَّ لعبةٌ صبيانِيَّةٌ لا يكادُ أحدٌ يُصَدِّقُها، لكنَّهَا في الحقيقةِ تُضْمِرُ في مطاويها أنَّ الأتراكَ كانوا ولا يزالون في غِنى عن العربِ ودينهم، وفي ذلك همساتٌ شيطانية تدعو إلى فتنةٍ خفِيَّةٍ وإرهاصاتٍ تهدِّدُ بها الطريقةُ النقشبندِيةُ كيانَ الأمة المحمّدِيَّةِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق