كتب وبحوث

قراءة في كتب هوفمان حول رؤيته في الحداثة وأثرها في أفول الغرب

قراءة في كتب هوفمان حول رؤيته في الحداثة وأثرها في أفول الغرب

قراءة د. محمد بن عبدالله السلومي

من خلال قراءتي في كتب المفكر الألماني مراد هوفمان وبعض أبحاثه ومقالاته[1]، أجد أنه لم يكتب عن الحداثة بصورة مستقلة في كُتبه بقدر ما هو تضمين عند نقده للحضارة الغربية ومؤشرات انحرافها أو أفولها (كما يرى). إذ إن رؤية هوفمان للحداثة الغربية جاءت في سياق الوصف والأثر كعوامل لأفول الغرب فقط. ولهذا وردت بعض التعريفات والمفاهيم في هذا الموضوع من غير أقوال هوفمان لمزيدٍ من الإيضاح حول النقص في التعريفات، والموضوع هنا ليس لمناقشة الحداثة ومصطلحاتها وتاريخها أو تفكيكها، أو أنواع الحداثة والتباينات الغربية حولها وسياقاتها المتنوعة وتعريفاتها الجدلية؛ لكنه عن رؤية هوفمان حول انكشاف مخاطرها على حياة الغرب وحضارته عدا عمَّن يأخذ بها من غيره.

وهوفمان في ظل كثير من السياقات الفكرية في كتبه قد ترجَّح لديه أن الغرب قد ضَلَّ الطريق السوي الصحيح في حياته الفكرية والأخلاقية التي تضبط الحياة والسلوك وتضمن له البقاء؛ إذ إن فقدان العقيدة وضعف الأخلاق مؤثران بقوة على بقاء الحضارات وأركان قوَّتها. ومع هذا الواقع الغربي فإن هوفمان يرى أن معظم الغرب المتعصب (حكوماتٍ ورجالِ دين وفكر) يغالط نفسه بغرورٍ واستعلاء حول مخاطر تخبطاته الفكرية المتكررة والمتنوعة التي يعيشها اليوم، إذ تُعدُّ من أسباب بداية انهياره وعوامل أفوله.

والكتابة هنا تُعد من نتائج القراءة والتأمل في كُتُبه وكتاباته، فهو يرى بقوة أن مآلات الحداثة وما بعد الحداثة أدخلت معظم الغرب في انحرافات وصراعات فكرية مدمِّرة لحياته وقاتلة لمستقبله؛ إذ إن موضوع الحداثة وما بعد الحداثة في مآلاتها المشتركة ما يزال يُعمِّق التخبط الفكري ويُضاعف الخواء الروحي والخلل النفسي؛ فحداثة الغرب وما يُسمى بالتنوير وما بعد الحداثة تُعَدُّ من أبرز مراحل تحولات الغرب عن دينه في تاريخه المعاصر، ولهذا فإن فهم ما ترتب على هذه التحولات مما يكشف كثيراً من جوانب القوة أو الضعف لدى الغرب لبقاء حضارته وسيادته على الأمم الأخرى وهيمنته السياسية الـمُهدَّدة بالضعف أو الزوال.

فالقراءة – مثلاً – في كتب المفكر هوفمان العشرة[2] – وهو ممن عاش حضارة الغرب وَسَبرَ أغوَارَه – جعلتني أقتنع كما هي قناعات هوفمان بأن أصل مشكلات الغرب الروحية والفكرية والأخلاقية وأسباب احتضاره وأفوله جاءت من نفسه وبأسباب ترتبط بتحولاته الفكرية؛ فهو يرى أن أساس داء الحضارة الغربيـة الـمُزمِن ناتج عن أخذها بالحداثة هروباً من الدين وضوابطه أو قيوده، وللخلاص من توجيهاته والتحرر من مُحرَّماته كما أرادوا هم. فالديانة النصرانية الـمُحرَّفة أسهمت في نشوء الحياة الإقطاعية التي سادت معظم دول الغرب مع وجود الأنظمـة الـمَلَكية الـمُستبِدَّة المتحاربة في ذلك الوقت، وهو ما أنهك اقتصادياتهم وأرواحهم، ومن ثَمَّ كانت ردود الفعل لدى الغرب تجاه دينهم المحرَّف أن يستبدلوا به ما يسمى بالحداثة!

وأنموذج واحد من أقواله يكشف شيئاً من رؤيته حول فشل حداثة الغرب مع نفسه وذاته في حاضره ومستقبله، وذلك بقوله: «إن مشروع الحداثة قد فشل فشلاً ذريعاً في مسعاه لترويض الغرائز البشرية بالعقل وحده. وبدلاً من حلول جنة العالم الآخر على كوكب الأرض نشبت حربان عالميتان مدمِّرتان واستُخدمت الأسلحة الكيماوية والذرية. وارتُكبت المجازر في محارق الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي وكوارث أخرى لا تُعد ولا تُحصى»[3].

ولأن هوفمان لم يتطرق لتعريفات الحداثة ولا لتاريخها؛ وإنما كانت كتاباته عن أثرها على حياة الغرب بحاضره ومستقبله، فقد تَطلَّب هذا بعض الإضافات العلمية هنا من غير ما كتبه هوفمان؛ لتأكيد مدى ما ذهب إليه في كتاباته وكتبه عن الحداثة أو عن مآلاتها على الغرب ذاته، وما توصَّل إليه من نتائج حول عوامل وأسباب أفول الغرب تحديداً.

وتتعزز النتائج بما يُسندها من بعض الأقوال والرؤى الأخرى مما يكشف عن معرفةٍ أكثر عن أسباب ودوافع ظهور الحداثة في الغرب، وشيء من تشخيصها ومخرجاتها، وذلك من خلال بعض المصادر من أنصار الحداثة وناقديها على السواء.

ومما ورد عن مفاهيمها المكتوبة عند أنصارها قول أحد الباحثين عنها: «يحتل مفهوم الحداثة  Modernity Quote  في الفكر المعاصر مكاناً بارزاً، فهو يُشير بوجه عام إلى سيرورة [أي مسار] الأشياء بعد أن كان يشير إلى جوهرها، ويفرض صورة جديدة للإنسان والعقل والهوية، تتناقض جذرياً مع ما كان سائداً في القرون الوسطى.

وبالرغم من أهمية هذا المفهوم وشيوعه في الفكر المعاصر، إلا أنه أكثر التباساً وتعقيداً؛ لِـما ينطوي عليه من غموض، وارتباطه بحقول معرفية عديدة واستخدامه في مجالات مختلفة، وتَوازي معناه مع مسيرة الحضارة الغربية الحديثة، التي أفرزت إشكاليات رافقت الحداثة وما بعدها… والحداثة هي نقيض القديم والتقليدي. فهي ليست مذهباً سياسياً أو تربوياً أو نظاماً ثقافياً واجتماعياً فحسب؛ بل هي حركة نهوض وتطوير وإبداع، هدفها تغيير أنماط التفكير والعمل والسلوك، وهي حركة تنويرية عقلانية مستمرة، هدفها تبديل النظرة الجامدة إلى الأشياء والكون والحياة إلى نظرة أكثر تفاؤلاً وحيوية»[4].

ويُعرِّف الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط) الحداثة في سياق إجابته عن سؤال: ما الأنوار؟ فيقول: «الأنوار أن يخرج الإنسان من حالة الوصاية التي تتمثل في استخدام فكره دون توجيه من غيره». وباعتبار أن (كانط) من آباء الحداثة الغربية فإنه يؤكد «في كل أعماله أن شرط التنوير والحداثة هو الحرية… بمعنى أن العقل يجب أن يتحرر من سلطة الـمُقدَّس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل». والحداثة عند (تورين) باختصار كما يقول في كتابه نقد الحداثة «تَستَبدلُ فكرة الله بفكرة العلم، وتَقْصِرُ الاعتقادات الدينية على الحياة الخاصة بكل فرد»[5].

ويُعرِّف (رولان بارت) الحداثة بأنها «انفجار معرفي لم يتوصل الإنسان المعاصر إلى السيطرة عليه». ويصف لنا (جوس أورتيكا كاسيت) الحداثة قائلاً: «إن الحداثة هَدْمٌ تقدمي لكل القيم الإنسانية التي كانت سائدة في الأدب الرومانسي والطبيعي، وإنها لا تُعيد صياغة الشكل فقط، بل تأخذ الفن إلى ظُلُمات الفوضى واليأس»[6].

وهـذه التعريفات – وغيرها كثيـر – جاءت من بعض ما ورد علـى ألسنة أهـل الحـداثة من الغربيين أنفسهم أو من أنصـارهم، ومن أتباعهم على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم.

ومما يُعزِّز هذه الأقوال الغربية عن حقيقة الحداثة ويسهم في إيضاحها أكثر أقوالُ بعض الباحثين من المسلمين حول مفاهيمها ودلالاتها ومآلاتها، ومن ذلك:

  • أن الحداثة فكرة لا تقتصر على الجانب الأدبي فقط كما يتصور بعض الناس؛ إنما هي نظرية وفلسفة وأيديولوجية تعم وتشمل كافة الجوانب الحياتية اجتماعية كانت أم معرفية أم صناعية أم سياسية أم غيرها. ومن ثَمَّ فالحداثيون يُقدِّمون تصوراً هدَّاماً لحياة الناس يتصادم مع الهدف من وجود هذا الإنسان والكون والحياة، وهذا التصور الحداثي الغربي اقتحم جميع مناحي الحياة.
  • أن الأساس الذي تقوم عليه فكرة الحداثة هو العقل والعقلانية التي تَهدِر معها كلَّ ما لا يدركه العقل. فالعقل المتحرر من كل سلطان هو معيار أهل الحداثة، بل هو السلطان الحاكم على الأشياء.
  • الحداثة مُعَاكَسَةٌ مع الماضي وانقطاع عنه. فهي انفصال للحديث عن القديم، بل هي ثورة على كل قديم مقدس أو غير مقدس.
  • أنها الحرية المطلقة التي لا يقف في طريقها ضابط، ولا يحكمها شيء.
  • أن الحداثة لا تتحقق إلا بحركة الإنسان حراً طليقاً دون وصاية عليه من أي جهة.
  • أنها فكرة ضد الله والغيب. وفي الوقت نفسه لا تتحقق إلا بعزل الدين عن شؤون الحياة، وقصره على الشؤون الخاصة بكل فرد[7].

وأقول معلقاً على ما سبق: لقد ظللتُ مدةً من الزمن أقرأ محاولاً معرفة سِرِّ إعجاب بعض المثقفين وأشباههم من المسلمين بالحداثة الغربية وتباهيهم بالمصطلح ومحاولة إسقاطه على الدين الإسلامي وتراثه وثقافته، فأدركت بقناعةٍ علمية أن كثيراً منهم يجهل هذا المصطلح وظروف نشوئه ومآلات الأخذ به. وربما أن هؤلاء يُرددون هذا المصطلح دون وعي بحقيقته، بل عجبتُ كثيراً من نسيانهم وجهلهم، أو تناسيهم وتجاهلهم لمصطلحات التجديد والاجتهاد في الدين الإسلامي وما فيهما من غُنية عن كلمة الحداثة، عدا عن مدلولاتها ومفاهيمها الغربية المرتبطة بكل ما يتعارض مع الحقيقة واليقين في الإسلام!

وأرى أنه إذا جاز للمسلمين استخدام هذا المصطلح في جانبه اللغوي المجرد من أيديولوجيته المنحرفة، فإن على هؤلاء أن يعوا حقيقة أن الدين الإسلامي بعقيدته وتشريعاته وقيمه هو في حقيقته – أصلاً – تحديث وتجديد وإصلاح لمسار الديانتين اليهودية والنصرانية اللتين ضلتا الطريق، وكفى بإيضاح القرآن ذلك بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْـمُسْتَقِيمَ 6 صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: ٦ – ٧].

وربما يكون الاستغناء عن المصطلح بمفاهيمه المستوردة بأن تكون الحداثة والتحديث في الإسلام بإحياء الاجتهاد الشرعي الفقهي للمسائل الشرعية كما يرى بعض أهل الفكر، وقد دعا لهذا هوفمان من خلال جهود علماء يمتلكون أدوات التجديد والاجتهاد. كما يمكن أن تكون هذه الحداثة عند القبول اللفظي للمصطلح منهج تجديد وتحديث صحيح وسليم للمسلم. لكن لا يمكن لحداثة مُستَورَدة متصفة بالصفات سابقة الذكر أن تضاهيَ أو تعلوَ على دين الإسلام، وما فيه من الإيمان واليقين بحقيقة الحياة الدنيا والآخرة، وما في هذا الدين من الثواب والعقاب الأخروي الرادع عن الظلم والعدوان على البشرية، وبما في هذا الإيمان بالثواب والعقاب مما يُصلح حياة البشرية ويهديها إلى مقاصد الحياة وغاياتها بكل وسائل التجديد والتحديث المشروعة.

يقول هوفمان عن جذور أزمة الحداثة ومأساة التنوير وعن البديل المنافس: «إن جذور الأزمة الأخلاقية الحالية في الغرب تعود إلى 250 عاماً مضت. فإن عملية الشفاء منها تبدأ بنقد جذري لعقلانية الحداثة، وما خَلَقَته من دين بديل. فلن يكون هناك أمل في الشفاء إلا إذا نجحنا في تحرير الغرب من وهم الحداثة التي تحكمه؛ لأننا في هذه الحالة فقط ننجح في وقف عملية التسميم الذاتي العقلاني، التي يُمارسها الغرب ليتمكن من إعادة صلته بالغيبيات، وأن يستعيد المقدسُ والإلهي مكانته في دائرة اهتمامه، ويكون هذا أمام عينية. إذاً فالأمر يتطلب إعادة الاعتبار للدين كردِّ فعل عقلاني على حاجة الإنسانية التي لا بد أن تبدأ بوضع العلوم التطبيقية في مكانها، وليس كبديل عن الدين»[8].

ويؤكد هوفمان أن الإسلام بديل حضاري والاجتهاد الشرعي فيه بديل عن أوهام الحداثة، وعن هذا قال: «إنني أثق في قدرة الإسلام على النجاح في أن يَستبدِل بالنموذج القائم نموذجه القادر على تجاوز فشل الحداثة، وذلك بالرغم من القصور بين أتباعه»[9].

ويكرر المفكر هوفمان القول حول الحداثة وأوهامها، والتنوير ومأساته كما هي تعبيراته في كثيرٍ من كُتبه ودراساته: أن التحديث الحقيقي بالنسبة للمسلمين إنما يكون بتعزيز الاجتهاد الشرعي فهو البديل المنافس، حيث الإيمان بالعلم دون تعارض خلافاً للغرب مع دينه المحرَّف، وحيث عدم التناقض بين الإيمان والعلم، كما هي الحالة الغربية مع كنائسها ودينها النصراني. وهي الحالة التي قادت الغرب إلى ما يُسمَّى حركة التنوير والحداثة خروجاً من جمود ديانتهم واستبدال رجال دينهم، وهذه الحالة في الغرب هي التي انتهت به إلى الشك والإلحاد والتنقل باضطراب وقلق بين المذاهب الفكرية والنظريات الفلسفية! وكفى أن الحداثة في الغرب ترتبط بتقديس العقل ونبذ الدين والموروث، وربما السخرية من النصوص أيّاً كانت.

ويرى بعض الباحثين من المسلمين كما يرى هوفمان أن البديل المنافس لمصطلح الحداثة هو الاجتهاد الشرعي في الإسلام. والاجتهاد هو المصطلح الذي يُعبِّر عن احتياج المسلمين في جميع عصورهم. ولهذا فالحداثة ومفهومها من منظور إسلامي واعٍ – عند القبول بهذا المصطلح اللفظي فقط – هي اعتبار الإسلام دين التجديد والاجتهاد الدائم. ومن ثَمَّ فالإسلام في حقيقته ثورة على الجمود والتقليد والخرافات والأساطير في الأديان المحرَّفة والأفكار المنحرفة، بل إنه دين إنقاذ وإصلاح لمسار البشرية من أساطير النصرانية وخرافاتها، ومن تحريف اليهودية وضلالها {غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: ٧]. وكفى بهذا الإصلاح الديني بالإسلام حداثةً وتطوراً وتقدُّماً. وعن هذا الاجتهاد في تشريعات الإسلام كَتَبَ أحد الباحثين، ومما قال: «الإسلام عن طريق الاجتهاد هو أكبر دين حداثي؛ لأنه يُعطي الفرع شرعية الأصل، ويعترف بالزمان والمكان وبالتطور، وإن إجماع كل عصر غير مُلزِم للعصر القادم… لدينا الاجتهاد وهو اللفظ الذي أُفضِّله، ولا أُفضِّل لفظ الحداثة، فحداثتي من الداخل»[10].

ولهذا فإنني أرى أنه لا يمكن لحداثةٍ تسعى لنفي الغيب والتحرر من الإيمان وَرِقِّه – كما يرون – وتعمل على إطلاق حرية التحقق والاختيار الإنساني مع غياب اليقين، إنها مع هذه الحالة سوف تتعاطى بفهم صحيح مع حقيقة الإنسان وحقيقة الحياة ومآلاتها والكون ووظائفه والهدف من الوجود، وإذا كانت حداثة الغرب وانقلابهم على دينهم بسبب ما طرأ على دينهم من التحريف، وما فيه من تصادمٍ مع العلم والمعرفة والعدالة؛ فإن الأمر مختلف كلَّ الاختلاف مع الإسلام الذي يدعو إلى العلم والمعرفة وتحقيق العدالة.

وأرى كذلك أن التجديد في الإسلام الذي ورد في الأحاديث النبوية من لوازمه الاجتهاد الشرعي، وأن حركات التجديد والمجددين عبر عصور التاريخ الإسلامي وما فيها من إحياء للاجتهاد الفقهي؛ تَفُوقُ مفاهيم الحداثة الغربية في فاعليتها المنضبطة بضوابط الشريعة، بل بمحركاتها القوية من الحث على العلم والمعرفة والاحتساب بمفاهيمه الواسعة، فهو دين يُحدِّث نفسه بنفسه من خلال تشريعاته، ومن ذلك ما ورد من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الله يبعثُ لهذه الأمة عَلَى رَأْسِ كلِّ مائةِ سَنَة مَن يجدد لها دينها»[11]، والتجديد يكون بالأفراد وبالجماعات العلمية والدعوية والحركات الإصلاحية الشرعية.

ولهذه الأدلة والدلالات والمفاهيم يتأكد على دعاة الحداثة والليبرالية الجانحة من العرب والمسلمين أن يتعمقوا في دراسة وفهم الحداثة الغربية. فربما أنهم لم يقرؤوا عنها ما يكفي، أو لم يفهموها كما ينبغي، ليأتي بعد ذلك تحرير المصطلح عن حداثة الغرب. فاستيراد مصطلح الحداثة لدين سماوي حق، ووحي حق يتوافق مع العلم الصحيح والعقل السليم يُعدُّ ضرباً من العبث. ولا يمكن لمؤمنين بالقرآن قبول الحداثة بصورتها وتاريخها وهويتها الغربية، وما في قبولها من إلغاءٍ أو إضعافٍ لأصالة الفكر والثقافة الإسلامية. ولا يمكن قبول الحداثة لتكون سُلَّماً للتغريب الفكـري والثقافي المغلَّف بالتحديث والتنوير. وهي في حقيقتها ظلامية وحقد على الموروث، لا سيما أن الحداثة المستوردَة في غالب أحوالها لدى المتبنين لها من المسلمين أو من المحسوبين على الإسلام تتسم بالتمرد على الدين وضوابطه من أرباب التطرف والغلو الليبرالي، القائم على الانفصام عن ثقافة أمة الإسلام الأساسية وعقيدتها وموروثها العلمي الصحيح.

هوفمان ورؤيته حول أبرز قيم الحضارة الغربية:

الحديث في هذا الموضوع ليس قراءة نقدية لقيم الغرب وحضارته المادية فهذا موضوع آخر كبير؛ لكنه عرض لرؤية المفكر الألماني هوفمان رجل السياسة والفكر حول أبرز القيم التي تحدَّث حولها بعض المزايدات[12] بين الغرب والشرق، وهذه القراءة لا تعدو أن تكون نتائج في قراءة أبرز كُتُبه ومقالاته، بعيداً عن التحليل أو الردود والاستدراك سوى ما ذكره هوفمان نفسه عن منافسة الإسلام بعقيدته وتشريعاته حول هذه القيم بمقارنات تستوجب النظر والتأمل. ومن أبرز هذه القيم ما يتعلق بالحقوق عامة والديمقراطية بصورةٍ خاصة.

وهوفمان بمنهجيته النقدية لحضارة الغرب غالباً ما يضيف بعض المقارنات التي ربما يَعدُّها وسيلة مثلى لمعرفةٍ أكثر عن الحقيقة بين حضارة الغرب المادية المعاصرة وما فيها من الشرك وتقديس العقل، وبين ما يمتلكه الإسلام من عقيدة التوحيد وما فيه من علاقة مُثلى بين المادة والروح وبين الإيمان والعقل.

وليس الموضوع هنا عن هذه الفروقات الكبيرة بقدر ما هو عن قضايا محدَّدة هي موضِع مزايدات الغرب المتعصب بسبب أن الإسلام والغرب حضارتان متنافستان في معركة البقاء والسيادة وتقديم الأفضل للبشرية، بل في أصول وفروع فكرية. فالغرب المتعصب – وليس المتسامح – يتطاول بكبرياء واستعلاء مُشَاهَد على عموم المجتمعات العالمية، وعلى المسلمين خاصة بواقعهم المتخلف الذي لا يمثل حضارة الإسلام وتشريعاته. بل إن الغرب يَضَع عموم المسلمين في موقف دفاعي منهزم حول المواضيع الثلاثة المتكررة بالطرح، وهي: (موضوع حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق المرأة بشكل خاص، وموضوع الديمقراطية). والغرب بهذه المزايدات على شيء كثير من الصواب مقارنةً بواقع معظم دول العرب والمسلمين، لكنه غير مصيب بحق الإسلام وتشريعاته الحقوقية حول هذه القضايا. وقد أَكثَرَ المفكر الألماني مراد هوفمان من طرح هذه الموضوعات في مجموعة من كتبه، بل إنه خصص ورقة علمية حول هذه القيم وما فيها من مزايدات، كما أنه عمل بالمقارنات مع تشريعات الإسلام حسب منهجيته حول هذه القيم الثلاث في الدين الإسلامي[13]:

أولاً: حقوق الإنسان

تنتاب كثيراً من المسلمين الدهشةُ والذهول أثناء أي حوار حول حقوق الإنسان، بأن شركاءهم الغربيين في الحوار يعتقدون بشكل جدي أنهم هم من أَوجَد حقوق الإنسان! أو أن لهم حق الملكية الفكرية الذي لا نزاع فيه! ثم بأن حقوق الإنسان لا تُحتَرم إلا في الغرب، ولا تُحتَرم قط في العالم الإسلامي!

ويرى هوفمان في أكثر من واحد من أبحاثه[14] أن على المعنيين بالحوارات أن يُوجِّهوا للشركاء من الغربيين في أي حوار الأسئلة التالية حول الانتهاكات في هذا العصر تحديداً:

هل ثَمَّة خروقات لحقوق الإنسان كمَّاً ونوعاً أسوأ من الخرق الجماعي الرسمي لحقوق الإنسان في الحربين العالميتين في أوروبا، حيث استُعملَت الأسلحة الكيماوية والذرية، ناهيك عن الإرهاب الستاليني، وعمليات الإبادة الآلية لليهود والمعاقين عقلياً والمثليين والغجر وأصحاب الآراء السياسية الأخرى في الهولوكوست؟ ثم ماذا بعد وجود هيئة الأمم المتحدة وصدور الإعلان العالمي عن ميثاق حقوق الإنسان المعاصر، وتلازم هذا مع حالات التمييز العنصري وعمليات الإبادة العرقية في البوسنة وكوسوفو في عصر الحضارة؟ وهل حدثت أيٌّ من هذه الجرائم والبشاعات خارج إطار المدنية الغربية ودولها وحضارتها؟ أو هل حدثت مثل هذه الانتهاكات الكبرى بهذا الحجم من العدوانية وعدم التسامح في أي بلد في المنطقة الإسلامية؟

بالرغم من أن الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة يجب أن تكون بالنفي، يلاحظ المرء أن الشركاء الغربيين في الحوار يتبجحون تكبُّراً – بل يُعاقِبون في حال تطلَّب الأمر ذلك بقطع مساعدات التنمية – ويُطالِبون العالم بالأخذ بمفهومهم الخاص (الأوروبي الأمريكي) لحقوق الإنسان. وهكذا يجري استغلال مسألة حقوق الإنسان وتسييسها كهراوة للتهديد مرفوعة للضغط على الآخرين أحياناً، وابتزازهم أحياناً أخرى!

ويؤكد هوفمان ويُكرِّر أن الغرب سواء كان الأمر يتعلق بالاتحاد السوفييتي المندثر، أم يتعلق بالولايات المتحدة فإنه بات واضحاً في كل الأحوال أن قائمة حقوق الإنسان لم تكن في غالب الأحيان أكثر من قطعة ورق. وما على المرء سوى سؤال السود في أمريكا أو الهنود الحمر الأمريكيين لمعرفة الأمر. وعلى كل الأحوال فإنه لا جدل في أن البشرية لم تتمكن حتى هذه اللحظة قط من إيجاد (نظام قانون طبيعي) ناتجٍ فقط عن العمل الفكري المجرد صالحٍ للجميع، ومعترَفٍ به من قبل الجميع، والكل يشعر بأنه مُلتزم به[15].

وهوفمان يرى أن الحقيقة الأكثر وضوحاً عن هذه الحقوق في معظم البلدان الغربية أنها غير مَصُونَة بالغرب ذاته بشكل صحيح. فهي في الغالب أوراق على أوراق تتكدس. وكفى بها أنها جهد بشري غائب عنها الوحي الإلهي، ثم كفى بها عيباً وقدحاً أن كل مواثيق حقوق الإنسان لم تتطرق لله الخالق، الذي مَنح هذه الحقوق وشرَّع لها بعدالة سماوية! وكفى بها أن الفهم الصحيح للإسلام عند أي مسلم مؤمن أو منصف غير مسلم يعترف بأن الإسلام قائم في الأساس على أنه نظام متكامل وشامل لكل حقوق الإنسان في الحياة!

وأقول: إن عدم التطبيق عند المسلمين أو دولهم وحكوماتهم في عصورهم المتأخرة لا يعني مطلقاً أن الإسلام مُتَّهم بالقصور، بقدر ما هو قصور المسلمين وإخفاقهم بعدم وضعهم صياغة قانونية للحقوق عامة. ومن أبرزها وأهمها توضيح حقوق الله على عباده التي فيها ضمانات السماحة وعدم العدوانية على الآخرين من البشر. وفيها الضوابط الغيبية للسلوك من تقوى الله وطلب الثواب والخوف من العقاب، وكذلك إبراز ضمانات تحقيق حقوق الإنسان والمرأة، وحقوق أهل الذمة والأقليات، وحقوق الحريات، وحق الحياة والرزق، وحقوق الفقراء، والحقوق الزوجية وذوي الأرحام، وغيرها من الحقوق. والقائمة تطول ولا تنتهي منذ أكثر من 1400 عام حول النصوص الحقوقية في القرآن والسنة!

ولا مجال للمزايدة على الإسلام في ميادين التشريعات وما يمتلكه الإسلام من رصيد حقوقي لا يقارَن بغيره بشموله وكماله وما فيه من جوانب الثواب والعقاب الدنيوي والأخروي. ولهذا فإن الإستراتيجية المثلى للمسلمين تتطلب العمل والبحث الجاد في استنباط وتنظيم قيم حقوق الإنسان، ضمن المنهج الإسلامي كأنظمة وتشريعات تُقدَّم للبشرية، وذلك من القرآن والسنة.

ثانياً: حقوق المرأة

عن هذا الموضوع كتب هوفمان الكثير، ومما قاله: «إن الأسرة في الغرب منهارة، وإن هناك مؤسسة الخدم والخليلات، وإن معدل الطلاق عالٍ، وإن هناك استغلالاً تجارياً للمرأة جنسياً. نعم! عند دخول الألف الثالثة وُلد في السويد 55% من الأطفال خارج نطاق الزوجية، و 40% في فرنسا، و 38% في بريطانيا العظمى، مع كل ما ينجم عن ذلك من شقاء وبؤس للأم والطفل. نعم! العنف ضد المرأة في الزيجات الغربية، إذْ وثَّق هذه الحقيقة فيلم إسباني حديث بالإحصائيات المحيطة (Te doy mis ojos «أمنحك عيني»، نوفمبر 2003م). نعم! لم تصل المرأة في الغرب كله إلى المساواة مع الرجل (بالمقارنة مع القانون) في ميادين السياسة والأعمال والعلوم. ولكن ينبغي ألا يتخذ المسلمون ذلك مثلاً يُحتذى ويتذرعون به؛ بل ينبغي أي يُرى الإسلام بأنه الدين الوحيد الذي يُعزِّز طاقات المرأة وإمكاناتها»[16].

  ولهذا فإن شعار الحقوق للمرأة لدى الحضارة الغربية يُبرِز تساؤلات عديدة تطرحها الساحة الثقافية حتى عند عقلاء الغرب، ومنها: هل يُعدُّ جسد المرأة سلعة تُباع وتُشترى في الدعاية والإعلان؟ وهل هذا حقٌّ من حقوقها مثلاً؟ وهل هذا مما يُعدُّ حقوقاً مُثلى وكرامة للمرأة؟ وهل عمـل المرأة بالصـورة الـمُبتذلة المعمـول بها في الغرب تكريم للمرأة، أم إهانة لها؟ وهل هذا العمل الوظيفي خارج المنزل مما يُحقق للمرأة حقوقها الأساسية وكرامتها في الزواج والإنجاب المشروع؟ ثم أليس هذا الحق في العمل يأتي على حساب حق أكبر للمرأة والطفل في الكرامة والتربية والرعاية والعناية؟ تساؤلات عديدة وكثيرة ومتنوعة مفادها ونتيجتها المنطقية بمجملها: القول: متى، وكيف يمكن تأسيس منظمات وجمعيات إسلامية في الغرب وفي داخل البلاد العربية والإسلامية تكون معنيَّة بتنظيم وتقنين وإعلان التشريعات والمبادئ والقيم الإسلامية المعنية بحقوق المرأة وكرامتها لإنقاذها من الانتهاكات؟ بل أكثر من هذا؛ نظراً لأهمية تصدير مفاهيم هذه الحقوق والتسويق لها والنداء بالصوت العالي بغرض تحرير المرأة الغربية من صور الاستغلال والاحتقار والإهانة التي لحقت بها من قِيم الحضارة الغربية المادية، ومن انحراف البوصلة بعيداً عن حقوق المرأة الحقيقية وكرامتها.

ومن مفاهيم حقوق المرأة التي تستوجب التصدير للغرب ثقافة وجوب قوامة الرجل ومسؤوليته المالية بالنفقة والرعاية، حمايةً للمرأة وتحقيقاً لكرامتها بنتاً وزوجةً وأمّاً وجدَّة وأختاً.

ومما يُعزِّز ويؤكد ما كتبه هوفمان حول حضارة الغرب وما فيها من انتهاك لحقوق المرأة ما كَتَبَته الباحثة والمؤرخة الألمانية ميريام جيبهارت Miriam Gebhardt عن بعض التاريخ الأسود المعاصر للغرب في تعاطيه مع المرأة وحقوقها، وذلك بقولها: «بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية اغتصب (الحلفاء) حوالي مليوني امرأة ألمانية، وتناثرت جثث كثير منهنَّ في الشوارع! ولم يتردد جنود الحلفاء المنتصرين لحظة واحدة في إعدام أي امرأة كانت ترفض الخضوع لمطالبهم. وقبلت ألمانيا حتى منتصف الخمسينيات [من القرن العشرين] بتسجيل (37) ألف طفل باسماء أمهاتهم! كما أن الروسَ اغتصبوا (15) ألف امرأة! والأمريكانَ (190) ألفاً! والبريطانيين (45) ألفاً! والفرنسيين (50) ألفاً! والبلجيكيين (10) آلاف امرأة! وما فعله الصرب والكروات في نساء البوسنة والهرسك من حالات الاغتصاب الجماعي في تسعينيات القرن العشرين على مرأى ومسمع من كل العالم الذي يسمى متحضراً ديمقراطياً!»[17].

والتساؤلات التي تطرحها قضية المزايدات الغربية حول حقوق المرأة والطفل كما يرى هوفمان واضحة من خلال كتاباته، كما أن كتابات الآخرين مما يُعزِّز كذلك رؤية هوفمان حول الانتهاك الصارخ لحقوق المرأة والطفل والأسرة، ومثال واحد صارخ من أمريكا عن مزاعم هذه الحقوق يكشفه برنامج تلفزيوني تتقزز منه الإنسانية وتشمئز منه الفطرة الإنسانية السليمة، وهو بعنوان (أنت لست الأب) وهو من أشهر البرامج في التلفزيون الأمريكي ويُعرض على قناة NBC منذ عام 1991م. وهو مُكوَّنٌ من 19 موسماً، ووصل عام 2020م إلى  3500 حلقة. وفي كُلِّ حلقةٍ يتم عرض ثلاث أو خمس حالاتٍ من الأزواج على الأقل. وفيه يتم جمع الأزواج وزوجاتهم مصحوبين أحياناً بنتائج علم الوراثة المعاصر مع أولادهم أمام الجميع؛ لِيثْبُت في معظم الحالات أن الأولاد غير شرعيين ولا ينتسبون لآبائهم. ومن ذلك أنه يتم في كل برنامج أن تقوم امرأة من محترفات الفاحشة بدعوة عددٍ من الرِجال إلى البرنامج، ممن أقامت معهم الفاحشة بعلاقةٍ جنسيَّةٍ محرمة، هكذا أمام الناس، ودون أدنى ذرةٍ من حياء أو خجل؛ وذلك ليخضعوا لفحص الحَمض الوراثي DNA. والغرض منه أن تعرف هي من هو والد طِفلها أو طِفلتها[18].

فأين حقوق المرأة وكرامتها؟ بل أين حقوق الطفل؟ وأين حقوق الرجل الإنسان والأسرة التي يتشدق بها الغرب؟ أليس حق الأبوَّة مفقوداً بهذا الواقع، وهو أساس كلِّ الحقوق في الحياة الإنسانية! والسخرية أن مرتكبي هذه الجرائم والجنايات بحق الإنسان هم من يُحاضِرون بدروسهم وإعلامهم على المسلمين اليوم بحقوق الإنسان! وحقوق المرأة! وحقوق الطفل، بل يدَّعون زوراً وبهتاناً أن الإسلام ظَلَم المرأة ولم يُعطِ الزوجة حقوقها! أليست هذه هي المزايدة حقاً؟ ومن هنا يجب التأكيد على أن مبدأ تشريع حقوق المرأة في الإسلام يؤكد على تحقيق العدالة لها، وهو أهم حق في مساواة التكامل، فالكرامة الإنسانية في الإسلام حقٌّ للرجل والمرأة على حدٍّ سواء، ومساواة التكامل في الوظائف والواجبات بينهما حقٌّ آخر كذلك.

ويرى هوفمان – كما هو غيره – أن الأحكام الإسلامية المتعلقة بالمرأة تَعُدُّ الاختلاف في ترتيب المساواة منطقياً ومُبرَّراً، إذ الاختلاف البيولوجي بين الجنسين وعدم المساواة الجسدية أمرٌ يَحسِمُ مفاهيم مساواة التماثل ليكشف حقيقة الثقافة الغربية وإهانتها للمرأة، بل إن هذا الاختلاف هو ما يفرض تشريع القوامة في الإسلام تكريماً للمرأة. فالقوامة تعني المسؤولية الأسرية والكفالة والحماية وحقوقاً أكثر للمرأة على الرجل مما تحتاجه المرأة في أي مجتمع كان. ويتجاهل ميثاق حقوق الإنسان الغربي هذه المفاهيم وذاك الاختلاف الفطري البيولوجي، وذلك عن قصد لمصلحة مساواة خيالية يتم الدفاع عنها بمكابرة ثم بمزايدة!

كما أن مما تعنيه قوامة الرجل على المرأة في الإسلام هو تقدير الاختلاف الفطري حول إمكانيات الرجال البدنية أو المالية، التي هي غالباً عند الرجال أكبر منها لدى النساء، مما يَصُّب في حق المرأة ووجوب النفقة عليها ورعايتها وحمايتها بكرامة حقوقية مُثْلَى. ويرى هوفمان وغيره من المؤمنين والمنصفين أن تشريعات الإسلام تُلبي كل حقوق المرأة الأساسية؛ بل كرامتها فوق ذلك، إن هم أرادوا فهم ذلك أو العمل به.

ومما يراه هوفمان: أن تعدد الزوجات يُعَدُّ حقاً للمرأة على المجتمع (مثلاً)؛ ففي هذا تلبية لحقوق المرأة ذاتها في الزواج النظيف، وحقوقها في الإنجاب المشروع، وما في هذا من حماية لحقوق الطفل بالأسرة والأبوَّة. وهذا التعدد المشروع هو حق وتكريم للمرأة أكثر من كونه حقاً للرجل. وهو حق تفرضه أحياناً الديموغرافيا السكانية؛ بسبب زيادة أعداد النساء على الرجال ليُقدِّم الإسلام الحل النظيف للمرأة وأطفالها! ولتنتهي المزايدة أو لتنكشف حول هذا الجانب، فإن حالات التعدد في الإسلام أقل بكثير من حالات الخيانة الزوجية مع العشيقات في الغرب، كما يقول هوفمان ويقرِّره وهو الخبير بالغرب، وذلك في مواضع كثيرة من كتبه ومقالاته[19].

ولهذا يعتقد كل مسلم أن القرآن سبق في تشخيص حقيقة الغرب النصراني المتعصب ومزايداته ومن سار في ركابه {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} [النساء: 89]. {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27].

ثالثاً:الديمقراطية

الديمقراطية الغربية تُعدُّ من أنجح التجارب البشرية المعاصرة في تحقيق شيء كثير من العدالة في الغرب، خاصةً ما بعد الحرب العالمية (الأوروبية) الثانية، حينما حققت لدول أوروبا وأمريكا الاستقرار السياسي وحق الانتخاب وحقوق الإنسان داخل المنظومة الغربية. ويقيناً أنها – على الرغم من نقائصها – أفادتهم كثيراً في حياتهم السياسية، لكن تساؤلات عدة تطرحها بعض الأحداث السياسية، وكثير من الحوادث العسكرية العدوانية داخل الغرب نفسه وخارجه، وذلك عن مدى الالتزام بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان خارج حدود هذه الدول تحديداً، ومنها: ماذا يعني الصمت عن الاستبداد السياسي للحكومات في معظم دول العالم الإسلامي أو دعمُه؛ رغم المآسي الإنسانية كما في العراق وسوريا وأفغانستان وفلسطين على سبيل المثال؟ وماذا تعني حقوق الإنسان الغربي القائمة على نهب ثروات ومقدرات الشعوب الأخرى وإفقارها وسلب حقوقها كما في دول إفريقيا كمثال؟ والقائمة من التساؤلات تطول وتزداد في وضوح المزايدات.

وعلى المستوى الداخلي: ماذا تعني قيم الديمقراطية إذا كان يصحبها أعلى نسبة مساجين في العالم، ومن أعلى دول العالم في حالات المخدرات والخمور، وعدد اللقطاء من الأطفال غير الشرعيين تغص بهم دور الحضانة، كما هو الحال في أمريكا؟

فالديمقراطية السياسية الغربية على الرغم من نجاحها السياسي إلا أن إخفاقاتها الأخلاقية تُعدُّ مما يُهدِّد بقاءَهـا مع أن عمرها الزمني قصير جداً، والحكم في الغالب يكون على المآلات والنهايات.

وحول الاستفادة من هذه الديمقراطية، يكفي أنها ليست ملكية فكرية غربية، بل إنها في شِقِّها الإداري دون الأيديولوجي ممكنة التطبيق في المجتمعات الإسلامية، إذ (في رأيي) لا يتعارض جانبها الإداري مع تشريعات الإسلام في تحقيق العدالة؛ بل إن عدم احتكار الديمقراطية في الغرب أَنْجَحَهَا إلى حدود كبيرة أو إلى مدى معيَّن في بلاد أخرى مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا وباكستان باختلاف في مستوى النزاهة والشفافية في التطبيقات بين الدول، فلا مجال للمزايدة في شيء يمكن امتلاكه أو العمل به من الجميع.

ثم إن النظم الديمقراطية وقوانينها وحرياتها في الغرب تسقط بشكل مُريع كما هو مشاهد في الواقع عند أي خلل أمني أو اضطراب اجتماعي، أو مظاهرات أو حروب وصراعات داخل الدول الغربية ذاتها؛ فيكف تعاطت – مثلاً – بعض الولايات الأمريكية مع أحداث شغب المظاهرات المناهضة للعنصرية عام 2020م؟ فالولاية التي يحكمها حاكم ديمقراطي – حسب التقارير والأخبار – يريد إسقاط ترامب الجمهوري من خلال تساهل حاكم الولاية أو نوعية تعاطيه مع أحداث الشغب والمظاهرات، حتى لو احترقت مدن الولاية بالكامل نكاية بالحزب الحاكم المنافس (الجمهوري)[20]! فهل الديمقراطية الغربية وصلت إلى هذا المستوى من عدم الحس الوطني؟ وربما يتكرر التساؤل حول ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية من خدشِ أو كسرٍ لهذه الديمقراطية حين اقتحام مبنى الكونغرس بتاريخ 6 يناير 2021م من بعض المتظاهرين الجمهوريين بعد إعلان فوز الديمقراطيين، وهو ما يعكس شيئاً من حقيقة الديمقراطية أو هشاشتها في محضنها الأول[21].

والأكثر من ذلك عن هذه المغالطات والمزايدات الغربية المكشوفة مع الإسلام؛ هو سوء فهم حقيقة العدالة في تشريعات الإسلام وأصول الحكم، وهو الاتهام الباطل القائل بعدم القدرة الجوهرية للإسلام وتشريعاته المثبتة تاريخياً عبر عصور الدول الإسلامية المتعاقبة حول احترام حقوق الإنسان وكرامته، وحول تطبيق معظم قيم العدالة بصورة فعلية في الحكم السياسي والعدلي والجنائي والقضائي. فالعدل في الإسلام وتشريعاته منافسٌ بشموله وكماله لما لدى الغرب والشرق، بل منافس لجميع أنواع العدالة البشرية في الأرض، كما أن حقائق التاريخ الإسلامي دامغةٌ في جوانب التطبيق عبر عموم العصور الإسلامية، وفيها كان وضع الحكم عدلياً إلى حدٍّ كبير باستثناءات يسيرة. وتمَّ هذا بالفعل في وقت كان الغرب في عصوره الوسطى (الظلامية) يعيش الـمَلَكيات والإقطاع والظلم بكل أشكاله وصوره، وفي زمن كان الاستبداد الديني فيه مُسيطراً بكل فئاته وطوائفه على الشعوب الغربية. وقد تمتع المسلمون ومن كان تحت حكمهم آنذاك من الأقليات الدينية والعرقية بنظام عدلي وقضائي فريد من نوعه، كما دوَّن ذلك منصفو الغرب ذاته[22].

وحول القيم الشورية في الإسلام أكَّد هوفمان أن الله سبحانه وتعالى حينما يطلب من المسلمين العفو والإصلاح عند فض خلافاتهم الصغيرة والكبيرة فإن العدل الإلهي غير غائب في مشروعية وجوب تحقيق العدالة {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ صلى الله عليه وسلم ٨٣^صلى الله عليه وسلم ) وَالَّذِينَ إذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ صلى الله عليه وسلم ٩٣^صلى الله عليه وسلم ) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِـمِينَ} [الشورى: ٨٣ – ٠٤][23].

وحسب هوفمان، فإن هذه الآيات وأمثالَها يمكن الاستنباط منها مبدأً تشريعياً عامّاً يتضمن الحق في الديمقراطية والمشاركة السياسية، ومشروعية رد العدوان والظلم. ثم ألم يكن الخلفاء الراشدون الثلاثة الأوائل قد تم انتخابهم، دون أن يكونوا من ذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فهل يمكن للمنصف استنتاج أن الدولة الإسلامية يمكن أن تكون جمهورية ديمقراطية؟ وليس بالضرورة اشتراكية أو مَلَكِية. والحق أن التعثر في المصطلحات لدى بعض المسلمين لن يكون عائقاً عن الاستفادة مما لدى الآخر؛ خاصةً أنه من الثابت أن الإسلام قد وضع أنموذجاً إسلامياً للحماية الشرعية القانونية للإنسان في الحكم، وحق الحياة السياسية، والحقوق الاجتماعية الأخرى بعدل وإنصاف[24].

ولا شك عند أي مؤمن بالإسلام أن مثل هذه الأنظمة والتشريعات (التي شرعها الله لعباده والتزموا بها تجاهه من حيث المبدأ) أكثر فعالية ورسوخاً من تلك القوانين التي يُحدِّدها عَقْدٌ اجتماعي أو سياسي، ليس قائماً في الأصل على رقابة الله وتقواه، وهي الضابط الأقوى للعدالة والسلم بين البشرية.

ولعل هذه النتائج السابقة تكشف شيئاً كثيراً من الحقيقة حول بعض المزايدات الغربية، وقديماً قال المثل: «الحق أكبر من الشمس التي لا يمكن حجبها بغربال».

[1] باحث في الدراسات التاريخية ودراسات العمل الخيري والقطاع الثالث.

 للكاتب دراسة بحثية في كتب هوفمان ورؤاه وما فيها من مقارنات بعنوان: (المفكر الألماني مراد «ويلفرد» هوفمان – رؤيته في احتضار الغرب وصعود الإسلام)، وتُعدُّ هذه الورقة من نتائج الدراسة.

[2] وهي الكتب التالية: (الرحلة إلى الإسلام – يوميات دبلوماسي ألماني «يوميات ألماني مسلم» حسب الترجمتين، الإسلام كبديل، الإسلام عام  2000م، رحلة إلى مكة، الإسلام في الألفية الثالثة ديانة في صعود، الإسلام – كما يراه ألماني مسلم، خواء الذات والأدمغة المستعمرة، في تطور الشريعة الإسلامية، نظام الحكم الإسلامي في العصر الحديث، مستقبل الإسلام في الغرب والشرق).

[3] مراد هوفمان، نظام الحكم الإسلامي في العصر الحديث، ص95 – 96، وللمزيد من النصوص انظر عن اقتباسات كثيرة حول نقد الحداثة لهوفمان في الفصل الأول (المجموعة الخامسة).

[4] انظر: إبراهيم الحيدري، ما هي الحداثة؟ موقع إيلاف، بتاريخ 2 يونيو 2009م، الرابط التالي:

 https://elaph.com/Web/ElaphWriter/2009/5/444829.html

نقلاً عن:

(Habermas, Jurgen, Der Philosophische Diskurs der Moderne, Frankfurt, 1991)

[5] انظر: علي وطفة، بحث بعنوان: (مقاربات في مفهومي الحداثة وما بعد الحداثة)، مجلة فكر ونقد، عدد (34)، ص2، 16.

[6] انظر: عدنان علي رضا النحوي، تقويم نظرية الحداثة، ط1، دار النحوي للنشر والتوزيع – السعودية، 1992م، ص35.

[7] انظر: أحمد محمد زايد، مقال بعنوان: (ما الحداثة؟)، صيد الفوائد، الرابط التالي:

http://www.saaid.net/mktarat/almani/70.htm

[8] الإسلام في الألفية الثالثة – ديانة في صعود، ص286، 287.

[9] الإسلام في الألفية الثالثة – ديانة في صعود، ص287.

[10] انظر: زكي الميلاد، بحث بعنوان: (الاجتهاد وبناء المعاصرة في الفكر الإسلامي)، بتاريخ 14 يناير 2019م، الرابط التالي: https://bit.ly/3gfJGXk ، (الخطاب الإسلامي المعاصر، محاورات فكرية، إعداد وحوار: وحيد تاجا، حلب: فصلت للدراسات والنشر، 2000م، ص62).

[11] رواه أبي داوود في سننه، حديث رقم (4291)، ورواه الألباني في صحيح الجامع، حديث رقم (1874).

[12] المقصود بالمزايدة هنا: التباهي بامتلاك ما ليس عند الآخرين من الفضائل والمزايا زعماً وظناً وتخرصاً لا تحققاً. ويمكن الرجوع للبحث العلمي لمراد هوفمان حول هذه المزايدات الغربية.

[13] انظر: مراد هوفمان، بحث علمي بعنوان: (مصطلح حقوق الإنسان غير معروف في الديانات الإبراهيمية)، ترجمة مصطفى السليمان، موقع قنطرة، بتاريخ 12/03/2003م، الرابط التالي: https://ar.qantara.de/node/10427 ، تم النقل منه هنا بتصرف كبير وببعض الإضافات.

[14] انظر على سبيل المثال: المرجع السابق.

[15] هذه العبارات من هوفمان تحتاج إلى تأمل وقراءة في النص الأجنبي الأصلي لمعرفة المقصود بها، حيث النظام الإسلامي بعمومه وشموله يغطي جميع حقوق الإنسان، وكرامته، وانظر عن هذه الرؤية السابقة لهوفمان، المرجع السابق.

[16] انظر: مراد هوفمان، مستقبل الإسلام في الغرب والشرق، ص151 – 152، والإحصاءات الواردة تُعدُّ قديمة!

[17] انظر: ميريام جيبهارت، عندما جاء الجنود: اغتصاب النساء الألمانيات في نهاية الحرب العالمية الثانية (Als die Soldaten kamen: Die Vergewaltigung deutscher Frauen am Ende des Zweiten Weltkriegs)، ط1، ميونيخ: (DVA) Deutsche Verlags-Anstalt، 2015م، ص21.

وتذكر بعض الإحصائيات أن الصرب اغتصبوا بين (12.000) إلى (50.000) امرأة بوسنية. وكان هذا الاغتصاب ممنهجاً بغرض الإساءة والانتهاك لحقوق المسلمين والمسلمات. انظر: موقع (الأمم المتحدة حقوق الإنسان)، الرابط التالي:

 https://www.ohchr.org/EN/NewsEvents/Pages/DisplayNews.aspx?LangID=E&NewsID=26171

[18] انظر: صحيفة المدينة الإخبارية، مقال بعنوان: (اقرأ عن السقوط الأخلاقي في الغرب)، بتاريخ 20 أغسطس 2020م، الرابط التالي: https://bit.ly/3hs5n7J .

[19] انظر: مراد هوفمان، رحلة إلى مكة، ص135.

[20] انظر نموذجاً توثيقياً عن هذا الحدث: صحيفة الشرق الأوسط، بعنوان: (ترامب يدعو حكام الولايات إلى موقف أكثر صرامة حيال الاحتجاجات)، بتاريخ 1 يونيو 2020م، الرابط التالي: https://bit.ly/3btRsh5

[21] انظر تفاصيل عن اقتحام الكونغرس:  مقال (تعليق جلسة الكونغرس بعد اقتحام متظاهرين مؤيدين لترامب لمقره)، موقع DW الألماني، بتاريخ 6 يناير 2021م، على الرابط التالي: https://bit.ly/3hTlMVH

[22] انظر على سبيل المثال الباحثة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها (شمس الإسلام تسطع على الغرب).

[23] انظر: مراد هوفمان، مستقبل الإسلام في الغرب والشرق، ص148.

[24] انظر: مراد هوفمان، بعنوان: (مصطلح حقوق الإنسان غير معروف في الديانات الإبراهيمية)، ترجمة مصطفى السليمان، موقع قنطرة، بتاريخ 12/03/2003م، الرابط التالي: https://ar.qantara.de/node/10427

المصدر: مجلة البيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق