كتابات

رهبان الدم.. العنف والسلم في الفكر البوذي

بقلم : إبراهيم محمد صديق

الأزمة الأركانية الروهنغية – التي انفجرت في وجه العالم عام 2012 م بعد عقود من الظلم الصامت والانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان – لها أبعاد مختلفة تناولها المختصون دراسة وتحليلا، ولئن كانت الأزمة – وأنا أصر على وصفها بالأزمة تفاؤلا بانقضائها – تحمل طابعا إنسانيا وسياسيا خطيرا إلا أنها أيضا تحمل طابعا فكريا عميقا، بل البعد الفكري دائما هو السبب الرئيسي لأي صراع في العالم!

فبدون وجود أبعاد فكرية لا يمكن للشخص أن يتحرك بعدائية وعنف تجاه الآخر – غالبا – وهذا مشهود في كل الصراعات القديمة، وإلا فكيف يستسيغ الإنسان أن يقتل ابن أبيه وأمه إلا لدوافع فكرية؟! وكيف يقبل مجتمعٌ إبادة مجتمع آخر إلا إن كانت هذه الإبادة تنطلق من بُعد فكري كاعتقاد أفضلية العرق أو الدين أو المكانة؟! وللإبادة البوذية للمسلمين الروهنغيين أبعاد فكرية عديدة – لم تُبحث وتُحلل تحليلا عميقا حتى الآن – وسنفصل فيها في المقالات القادمة بإذن الله، ويهمنا اليوم أن نسلط الضوء على بُعدٍ واحد وهو: السلم البوذي المُسَطَّر في الفكر البوذي وفي إنجيلهم كيف تحول إلى عنف وسفك للدماء؟ ولماذا هذا الانفصال بين التعاليم والواقع؟

قبل أن نسترسل في بيان هذا الأمر المعقد في الفكر البوذي يهمنا أن نبين انقسام البوذية إلى فرق وقبل هذا انقسامها إلى قسمين عامين، وهذه التقسيمات وبيانها مهمة جدا في فهم التطرف البوذي ضد المسلمين الروهنغيا؛ لأننا بهذا التقسيم سنفهم نصف الحقيقة وراء ما يحدث!

انقسمت البوذية باعتبارين: الاعتبار الأول من ناحية الأخذ بتعاليم الدين، ولا دخل لهذا بالفرق البوذية إذ أن كل بوذي هو داخل في أحد القسمين، فهذا تقسيم عام للبوذيين أنفسهم بغض النظر عن الفرقة التي ينتمون إليها إذ أن كل فرقة لابد وأن تحتوي على القسمين معا وهما:

1/ المدنيون وهم الذين يسكنون المنازل ويزاولون أعمالهم الاعتيادية كباقي الناس، وهؤلاء يكفيهم أخذ ماشاؤوا من الوصايا وربما يأخذون وصية واحدة ويتركون الباقي، كما أنه ليس عليهم عقوبة شرعية في حال ترك هذه الوصايا، و يجب على المدنيين تلقي هذه الوصايا من الرهبان أنفسهم.

2/ الدينيون وهم الرهبان الذين ينقطعون للتبتل والعبادة، وهؤلاء يجب عليهم الأخذ بكل التعاليم ويقيدون أنفسهم بأنواع من الأطعمة والألبسة ويحرمون غيرها.

أما باعتبار عقائدها فقد انقسمت البوذية إلى فرقتين كبيرتين تتفقان على بعض العقائد وتختلفان في كثير منها وهما:

1/ مهايانا: وتعني البلاغ الكبير، وتتميز بآراء في الكون وأفكار عن الحياة مؤسسة على نظريات فلسفية وقياسات عقلية، فهذه الفرقة لا تتقيد بالنصوص المقدسة لدى البوذيين بل لها فلسفتها الخاصة في الاعتقادات والتشريعات، وتنتشر هذه الفرقة في شمال الهند والتبت ومنغوليا والصين واليابان وكوريا وفيتنام.

2/ هنايانا: وتعني العربة الصغيرة، ومن أبرز مايميز هذه الفرقة – وأرجو منك أخي القارئ الكريم أن تركز على هذه النقطة – أهم ما يميزها هو: أن هذا المذهب ظل يحافظ على تعاليم بوذا ووصاياه والنصوص البوذية القديمة المكتوبة باللغة البالية، ومن أبرزها الدعوة إلى الأخلاق وعدم سفك الدماء ووجوب احترام الحياة بشكل عام، والنهي عن الظلم مهما كان، وهذا يتجلى بوضوح في الوصايا العشر، يقول محمد أبو زهرة في كتابه الأديان القديمة: (والجزء الخصب في البوذية هو مذهبها في الأخلاق وإصلاح المجتمع).

إن عرفت هذه النقطة انتقل معي إلى النقطة الأخرى المهمة في هذه الفرقة وهي: هذه الفرقة تنتشر في جنوب الهند وسيلان وتايلند وكمبوديا وميانمار!.

نعم الفرقة التي تنتشر في ميانمار الآن هي الفرقة التي تتمسك بنصوص بوذا وتعاليمه ولا تؤلها ولا تردها فلماذا اليوم هؤلاء البوذيون في ميانمار يعيشون حالة من اضطهاد المسلمين وسفك دمائهم بل وتطهيرهم بصور بشعة، حتى أن الأمم المتحدة قد وصفت الشعب الروهنجي بأنه الشعب الأكثر اضطهادا في العالم؟ ما السر وراء هذا العدوان؟ وكيف يوفقون بينه بين تعاليم بوذا الأخلاقية؟ الجواب عن هذا يحتاج إلى تأنٍّ ودراسة ولم أجد أحدا أشار إليه إلا أن الباحث أبو زيد مكي يرى أن للتقسيم البوذي العام دورا، وهو ماقررناه سابقا من أن البوذيين مدنيون ودينيون، والمدنيون لهم أن لا يأخذوا بالوصايا، لكن يبقى السؤال المحيّر: لماذا يشارك الرهبان في هذه التصفية الدينية الممنهجة للمسلمين؟ وما سر تحريضهم للبوذيين العامة لارتكاب المجازر؟ وقد وصل الأمر إلى أن مجلة نيوورك تايمز قد وضعت على غلافها صورة (ويراثو) ووصفته بإرهابي القرن وهو راهب بوذي يرأس (منظمة 969 البوذية) وتساهم بشكل مباشر في قتل المسلمين؟ حقيقة أن الرهبان قد لبسوا لبوس الدم لم تعد خافية، وحقيقة أن المحرك الأول للبوذيين في ميانمار للاعتداء على الأقلية الروهنغية هو الراهب لم تعد حقيقة يجهلها العالم

! بل هذه الحقيقة لم تعد حقيقة ينكرها الرهبان كما في السابق وإنما يعلنون عنها بكل تبجح، فهذا الراهب البوذي (ويراثو) يصرح في مقابلة له مع قناة الجزيرة في فلم الإبادة المبيتة بأن الحرب على المسلمين هو لإخراجهم من أراكان حتى لا يستولي المسلمون على ميانمار كلها!

إذن لهذا العداء البوذي أبعاد فكرية عديدة من أهمها تحريض الرهبان على هذا العنف، فلم هذا التحريض وما أسباب هذا الانسلاخ من العقيدة والتعاليم؟ نعرفها بإذن الله في المقال القادم. وأنعم الله على الأمة الإسلامية بالأمن والرخاء.

*المصدر : وكالة أنباء أراكان ANA

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق