كتاباتكتابات مختارة

دكتور التعليم التطبيقي … أنت طالق!

بقلم د. محمد العوضي

أول مرة أقف فيها على تعبير الطلاق العقلي كان أثناء قراءتنا الجماعية للكتاب الفذ «قصة الإيمان بين العلم والفلسفة والقرآن» للعالم اللبناني نديم الجسر على يد أستاذنا الدكتور عبدالقادر العاني رحمه الله عضو الموسوعة الفقهية الكويتية في منزله، وذلك في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي.
وهذا التعبير المجازي لطلاق العقل يشمل كل الذين ينكرون ثبوت حقائق الأشياء خارج الذهن، ابتداءً بالفلاسفة السفسطائيين اليونان واستمراراً مع عموم غلاة الشُّكاك إلى يومنا هذا.
أما الطلاق الاجتماعي، فإن أحد أهم أسباب وقوعه يرجع إلى فقدان (الثقة) بين الزوجين، ومتى ما اهتز هذا الركن وأصبح الشك زائراً دائماً ومُرحَّباً به، فإن الطلاق سيحسم العلاقة ويقضي على الميثاق الغليظ بينهما.
وينسحب الأمر على العلاقات – في حال فقدان الثقة – بين الشركاء في أي عمل أو حقل من حقول التعاون في الحياة، فيؤول مصيرها إلى الفتور أو الفشل أو القطيعة أو الانسحاب أو القصف المتبادل أو انهيار الكيان بأكمله.
إن ما حصل من تجاذب بيني وبين الفاضل الأخ الدكتور سليمان السويط رئيس رابطة هيئة التدريس في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب وزميلي في كلية التربية الأساسية هو أمر طبيعي يحصل بين الزملاء.
بيد أن طريقة القصف في تعبيره عن ردة فعله تجاه مقالي «سقوط دكتور التعليم التطبيقي» أملت على ردي في مقالي التالي «رئيس رابطة التعليم التطبيقي ومضاجعة الأوهام» أن يأخذ طابع المعارك الأدبية المعروفة في القرن الماضي من المساجلات المبثوثة في الصحف والمجلات أو الكتب المستقلة كالمعارك الأدبية في مصر لأنور الجندي، وسلسلة المعارك الأدبية للعقاد وطه حسين التي جمعها سامح كريم أو معارك زكي مبارك الأدبية مع معاصريه لمحمد جاد البنا، وعلى السفود وتحت راية القرآن للرافعي وأباطيل وأسمار لمحمد شاكر وجناية أحمد أمين على الأدب لزكي مبارك والذي أهداني إياه المرحوم الدكتور عبدالله محارب. ولعل أقسى ما قرأت في هذا السياق كتاب «المسامير» لعبدالله النديم، وكأنه كتبه بالسكين وليس بالقلم، وقد استعرته أياماً من مكتبة صديقنا الشيخ محمد بن ناصر العجمي ورددته فوراً بعد قراءته، وغير ذلك كتب المعارك الفكرية مما لها حيز في مكتبتي.
وعلى هذا، فإن الخلاف (الحاد) كان في مسألة واحدة، وإن كانت كارثية، أنا على علم بتفاصيلها وهي تمثل انهياراً قيمياً ومهنياً مروعاً في التعليم العالي، ليس لأنها عامة، ولكن لأنها مطوية لاعتبارات عديدة، فكيف إذا حاول البعض أن يضرب بينها وبين كشفها بسور من الحماية؟! وما عسى أن يكون موقفي عندما تكون الحماية ممن يفترض فيه التثبت والتريث والاستفسار قبل دفاعه التعميمي العاطفي الهادر عن هذه الآفة الأكاديمية بالذات، وهذا ما تلبس به الزميل رئيس رابطة التعليم التطبيقي.
من هنا، فإنني أعلنها صريحة وأقول اسمح لي يا دكتور سليمان: أنت طالق!
والطلاق هناك ينصبّ على فقدان الثقة، وذلك بأن أرفع لك شكوى أو مقترحاً أو ملاحظة قصور لأجل الإصلاح في هذه المؤسسة التعليمية العريقة.
لكن طلاق الثقة هذا يتمحور في موضوعه الخاص والخلاف القائم المحدود، أما الأُخوَّة العامة وعلاقات الزمالة المهنية، فيظل الدكتور – وكما عرفه الناس بأخلاقه – أخاً عزيزاً.
وما أكثر الخلافات التي تأخذ صورة العواصف القلمية الموقتة، ودونك ذلك التضاد الذي احتد بين عباس محمود العقاد بعباراته الجارحة وبين الدكتور عمر فروخ اللبناني، ثم بعد مضي زمن طويل تم اللقاء الذي جمعهما في مجمع اللغة العربية بالقاهرة فكيف كان التصرف بينهما؟
قصة ولا أروع منها تستحق المطالعة مسرودة في كتاب «وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره».
كما أنني أحب أن أشير إلى فذلكة تتكرر كلما أبدى الإنسان رأياً نقدياً في الشأن العام يخص قطاعاً من قطاعات الدولة، فإن هؤلاء تحمرّ عيونهم وتنتفخ أوداجهم غيظاً. فبدلاً من التركيز على الموضوع محل (الخلل) الذي سلطنا عليه الضوء، يتحولون إلى أوصياء أنقياء وموجهين شرفاء ويفرقعون بوجهك بالونات اختبار ومحاكمات بأثر رجعي كقولهم أين صوتك وقلمك وإصلاحاتك من تلاعب وتقصير في حقوق ومحسوبيات (يعلمها القاصي والداني)، لماذا كنت صامتاً ضد إداراة بعينها؟
هؤلاء القوم الأوصياء يريدون أن يفرضوا عليك الطريقة والتوقيت ونوع التحرك في إبداء رأيك ونقدك عن القصور والتجاوز في المؤسسة التي تنتمي إليها؟
لا يا مولانا، إنت وهو وهي وهم…
فإن الإدارة بمستوياتها تعلم ويعلم رؤساء رابطة التعليم ااتطبيقي السابقون، بل والنواب وحتى الصحافة، كيف كنا نتواصل وننتقد ونقترح ونقوم بعمل تشبيك إيجابي بين أطراف فاعلة.
هداكم الله، ذكّرتموني أيها الأوصياء بمقولة القذافي «من أنتم»!
عموماً، هذه أمور تقديرية تختلف من طرف إلى آخر، بل من وقت إلى آخر ومن شخص إلى آخر في التعاطي مع عموم المشاكل المركبة في شؤون الحياة.
القصد أننا نختلف في درجة تقييمنا وتقديرنا وتحركاتنا في التأثير والتنبيه حتى في الكتلة الإصلاحية الواحدة، لهذا جاء التصويت ليرفع الخلافات ويحسمها وإن كان المقصود إصلاح تجاوز بعينه.
وإذا كانت القضايا التي يظنون «وهماً» منهم أننا بعيدون وساكتون عنها وفي الوقت ذاته يعترفون بأن «القاصي والداني» يعرفها، فالرسالة وصلت وصارت رأياً عاماً وليس خاصاً، ويكون أحياناً وراء بعضها أجندات سياسية ومحركات خارجية ما يضيرها لو لم أعلن موقفي منها.
لكن هؤلاء أنفسهم الذين ورمت أنوفهم من مقالتنا، ينكرون علينا التصدي لقضية يتم «التكتم» عليها من «القاصي والداني» وكفيناهم مؤونة المواجهة وإحراجات الدكاترة زملاء المهنة المستهترين بالجميع بسبب تطنيشهم التدريس لأشهر!
اعترضوا وما اعتراضهم إلا تشويش على جوهر المشكلة وتهوينها، فجاء رأيهم أقرب إلى «صرير باب أو طنين ذباب» على حد تعبير العلامة الآلوسي في كتابه روح المعاني.
وإذا كانت ثقتي فقدت برئيس رابطة تدريس التعليم التطبيقي ما دفعني إلى إعلان طلاقي في زواية واحدة، فإني أقول لمن انتشى ورقص طرباً لتغريداته الدكتور بدر الخضري، أما أنت فلا يسعني إلا أن أقول لك سوى أنك طالق… طالق… طالق!
أتدري لماذا ؟ تابعني في المقال القادم لتعرف السبب.

[email protected]

(المصدر: مجلة الراي الالكترونية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق