تقارير وإضاءات

حوار مع الشيخ عوض القرني (فك الله أسره)

حوار مع الشيخ عوض القرني (فك الله أسره)

حاوره: يحيى العبدلي، سالمة الموشي

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
نرحّب بفضيلة الشيخ الدكتور عوض القرني في موقع إيلاف ونسعد بإجراء هذا الحوار معه:

ما هي أبرز مفاهيم الصحوة الإسلامية اليوم ؟

الصحوة الإسلامية تعني تجديد الدين مع المحافظة على أصالته، أي أننا نعود إلى الدين في تناول القضايا المعاصرة والمستجدات والنوازل من قضايا المجتمعات وقضايا الحضارة وقضايا الإنسان، دون أن نَبقى أسرى لصور تقليدية اجتهادية غير معصومة تاريخية معينة؛ فنحن ننطلق من الدين والدين مرجعيتنا، ونستلهم الدين، لكننا نتعامل مع المستجدات بنظر جديد في إطار الدين، والصحوة الإسلامية هي التعبير العملي في صورة فكرية وصورة سلوكية وصيغ حضارية مختلفة في جميع جوانب الحياة المختلفة عن هذا المعنى التجديدي للدين، و الصحوة تعني أن الناس عادوا إلى أصالتهم وإلى دينهم وتناولوا قضايا الرقيِّ والتطور والتنمية والحضارة، وفق خصوصياتهم وعقائدهم وقيمهم وأخلاقهم ومصالحهم، والصحوة تعني أنها عادت بالأمة إلى جذورها بعد اغتراب أو جمود.. هذه هي الصحوة باختصار شديد .

– كيف يرى الشيخ القرني ما يدور من جدل حول التيار الجهادي في العالم الإسلامي؟

التيار الجهادي هي محاولة من محاولات إحياء شعيرة من شعائر الإسلام الكبرى، وهذه المحاولة صاحبها كثير من الصواب في عديد من البلدان، وصاحبها كثير من الأخطاء – وأحياناً الفظيعة – في عديد من البلدان فمثلاً في البلدان الإسلامية التي ابتليت بالاحتلال الأجنبي مثل ما هو في فلسطين أو مثل ما هو في العراق أو مثل ما في أفغانستان أيام الاحتلال السابق واللاحق أو مثل ما هو في كشمير، الاحتلال الهندي الذي صادر حق الشعب الكشميري في تقرير مصيره كما أقرّته القرارات الدولية، أوفي جنوب الفلبين أو في كثير من القضايا فهي دفاع مشروع عن النفس وعن المجتمع وعن النساء والعجزة والمساجد ودور العبادة والمصالح، وبالتالي فهي حق مشروع كفلته جميع الأديان وجميع الشرائع، وأيضاً تحت هذه اللافتة كان هناك العديد من الممارسات الخاطئة في العديد من البلدان الإسلامية التي حملت السلاح لتصفية الحسابات في داخل المجتمع المسلم ذاته، وأدّت إلى إهدار الدماء، وأدّت إلى الغلوّ وإلى التكفير.. هذا جانب، الجانب الثاني بالنسبة لموضوع التيار الجهادي في العالم الإسلامي.. أقول إن الأخطاء والممارسات التي وقعت من بعض فصائل هذا التيار من أسبابها أولاً الظلم العالمي الذي يمارَس على العالم الإسلامي في جميع قضاياه والكيل بمكيالين، ومحاولة إنهاء وجود الأمة وفرض الهيمنة عليها واستلاب مصالحها ومصادرة حقها في أن تعيش حرة كريمة وفق ما تراه لنفسها، وكذلك من أسباب بروز هذا التيار القمع والاستبداد والظلم والتخلّف الذي تمارسه الأنظمة التسلّطية في كثير من بقاع العالم الإسلامي، وكذلك من أسباب بروز هذا التيّار: تقاعس الدعاة والعلماء عن القيام بدورهم أو الحيلولة دونهم ودون القيام بدورهم في تنوير الأمة بإسلامها الوسطي المعتدل الحقيقي، الذي هو رحمة للعالمين. ومن الأسباب الغلو في التديّن والتشدّد في الفهم. ومن الأسباب الغلوّ العلماني ضد الإسلام ودعاته .. وغير هذا كثير.

هذه بعض الرؤى حول قضية الجهاد وأمور الجهاد وما يدور حول الجهاد، ويجب أن نكون موضوعيين وأن نفرق بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، وأيضاً أن نكون موضوعيين في معرفة الأسباب؛ وذكر الأسباب ليس لتبرير الأخطاء لكنه لمعرفة العوامل التي أدت إلى وجود هذه الأخطاء، ومن ثم البحث عن المعالجات الحقيقية لها.

– ما هو مفهوم التسامح الديني عند الشيخ القرني .

التسامح الديني هو أن تطبق أحكام الدين تطبيقاً حقيقياً، والدين هو أرقى صور التسامح على الإطلاق لأنه صدر من رب العالمين رحمة لجميع العالمين، ورحمة الله وسعت كل شي ولذلك الدين الإسلامي لم يمنع بأن يبقى اليهودي على يهوديته والنصراني على نصرانيته في ظل مجتمع مسلم لهم حقوق وعليهم واجبات ومنع ظلم غير المسلمين، حتى في ساحات القتال هناك أخلاق وأحكام يجب أن يلتزم بها المسلمون لم تصل إلى عشر معشارها القوانين والدساتير الدولية المعاصرة في قضايا الحروب وعالم الحروب، فأنا أفترض وأقول إن أرقى وأعلى صور التسامح الحقيقية هي أن يطبق الإسلام تطبيقاً صحيحاً كاملاً.. وحتى نعرف الإسلام الحقيقي يجب أن نعود في ذلك إلى الراسخين في العلم الشرعي إلى علماء الشريعة إلى المتخصصين في علم الشريعة، أما من يتوقع أن التسامح الديني هو أن نتخلى عن ديننا وأن ننسلخ عن التمسك بشريعتنا وعقيدتنا أو أن ننصب يهودياً أو نصرانياً أو ماسونياً أو شيوعياً أو علمانياً مفتياً في الشريعة، فأظن أن عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم يعلمون أن هذه مغالطة، وأنها محاولة للحرث في البحر واستنبات البذور في الهواء، ولن تجدي شيئاً ولن تصل إلى نتيجة.

– ذكرت ذات مرة أنه إذا كان المشروع الإسلامي حقيقياً فإنه يستحيل أن يفشل. ما هي أبرز مقوّمات أن يكون المشروع الإسلامي حقيقياً؟

أولاً هذه القضية – قضية أنه يستحيل أن يفشل – أنا لم أتحدث بها من عند نفسي، أنا نقلتها من القرآن الكريم المعصوم الذي جاء من الله تعالى، يقول الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ويقول الله سبحانه وتعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي} ويقول سبحانه وتعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} ويقول سبحانه وتعالى:{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، إذاً هذه حقيقة شرعية قطعية مسلّمة لا يماري فيها مؤمن، أما متى يكون المشروع الإسلامي حقيقياً فهناك العديد من المقومات..

أوّل هذه المقومات: أن تكون مرجعيته هي الكتاب والسنة، وضرورات العقل، ومقتضيات الفطرة التي فطر الله عليها الناس والتي جاء الوحي مؤكداً لها أن تكون، هذه المرجعية.

الأمر الثاني: أن يعيش الإنسان عصره وفق سنن الله سبحانه وتعالى، بمعنى لا يحاول أن يصادم سنن الله سبحانه وتعالى.

إذاً الشرط الأول: أن يلتزم بالشرع.
الشرط الثاني: أن يلتزم بمقتضيات العقل.
الشرط الثالث: أن لا يصادم ضرورات الفطرة.
الشرط الرابع: أن يسير في الحياة على وفق سنن الله سبحانه وتعالى التي فطر عليها الكون والحياة والمجتمعات.
الشرط الخامس: أن يتحرك الإنسان على قدر استطاعته، يعني لا يحاول أن يستبق الزمن أو يحرق المراحل، وأن يأتي بأمر قبل أوانه.
والشرط الأخير: أن يضبط حركته في الحياة بفقه المصالح والمفاسد على وفق مقاصد الشريعة الإسلامية، إذا كان المشروع منضبطاً بهذه الضوابط فجمع بين الثبات والتطور، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين الواقعية والمثالية، وبين التوازن والشمول، إذا جمع بين هذه المعاني المتعددة فهو مشروع إسلامي حقيقي.

– ما هي مشكلة التيارات الإسلامية اليوم مع حكوماتهم؟

مشاكل التيارات الإسلامية متعددة، منها مشاكل ناشئة من داخل التيارات، إما بسبب أفكار خاطئة أو ضعف في حمل رسالة الإسلام أو اختلاف في ما لا يجوز الاختلاف فيه، أو منع للاختلاف في ما يسوغ الاختلاف فيه، هناك مشاكل عديدة داخل التيارات. وهناك مشاكل مفروضة على التيارات من خارجها، مثلاً الأنظمة التي تحكم مجتمعات مسلمة وتسمح فيها قانوناً بقيام أحزاب شيوعية وأحزاب علمانية وتمنع قيام أحزاب إسلامية، الأنظمة التي تمنع بناء المساجد والحجاب وترتيل القرآن في المساجد، وتأذن بدور الدعارة وبارات الخمور وما هو أسوأ من ذلك أحياناً، الأنظمة التي تستجيب لضغوطات الخارج وترفض الاستجابة لتوسلات شعوبها، الأنظمة التي ينخر الفساد فيها، فتبدد المليارات يمنة ويسرة، وتضن على شعوبها بالملايين القليلة التي تكفل بها ضروراتها، الأنظمة التي جيوشها محدودة وهزائمها أمام أعدائها متتالية، وأجهزتها الأمنية تضرب في عرض البلاد وطولها ولا تسمح لأحد أن ينبس ببنت شفة ولا أن يعبّر عن رأيه.

هذه مشكلات حقيقية لا يجوز لنا أن نتعامى عنها وأن نتجاهلها، وكذلك هناك مشكلات مفروضة على الحكومات وعلى الشعوب وعلى الحركات من خارج العالم الإسلامي، من قوى الهيمنة والاستكبار والسيطرة العالمية التي نراها وهي تصادر حقوق الشعوب وتقول كما قال فرعون {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ}. وأيضاً هذه القوى مع الأسف لها وكلاء في بلاد المسلمين ينطقون باسمها وينفّذون مشاريعها ويبشّرون بعصرها ويجمّلون ويزيّنون قبحها، لكنني أعلم أن كل هذا صورة من صور الابتلاء وأن ذلك كله سينتهي لأنه زبد، والزبد يذهب جفاء.
– هناك تيار دعوي وتيار جهادي وأخر تكفيري وأخر وسطي.. وهكذا نجد أننا أمام أكثر من تيار. الشيخ القرني كيف يجد العلاقة بين هذه التيارات؟
وأين يجد نفسه من خلالها؟ وما هو خيار الأمة اليوم في ظل كل هذه المتغيرات. أما التيار الدعوي فيجب أن يكون جميع المسلمين دعاة إلى الله سبحانه وتعالى لأن الله سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}، فكل متبع لمحمد صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون داعياً إلى الله سبحانه وتعالى، ومن يرفض الدعوة فهو يرفض اتباع محمد صلى الله عليه وسلم بنص القرآن، بل هذه رسالة الأمة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «بلِّغوا عني ولو آيةً».

التيار الجهادي تحدثت عنه قبل قليل وبيّنت ما هو الصحيح وما هو الخطـأ من وجهة نظري، أما التيار التكفيري، فأيضاً هذه القضية فيها إلباسات وإشكالات؛ فإن كان المراد بالتيار التكفيري الذي يكفر المسلمين ومن يكفر أصحاب المعاصي والذنوب ومن يكفر من ليس بكافر بنص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا غلو مرفوض في الدين لا يجوز لنا أن نقبل به تحت أي ذريعة من الذرائع، وإن كان أن البعض يريد أن يقول كما يطرح بعض الحداثيين أنه ليس في الحياة كفر على الإطلاق، وأن الجميع سواسية، والمذهب الإنساني كما يسمونه، فهذا تكذيب للأنبياء ورد للرسالات وإلغاء للقرآن والسنة، نعم في الدنيا مؤمن وكافر، أما التيار الوسطي فالأمة المسلمة يجب أن تكون أمة وسطاً كما وصفها الله سبحانه وتعالى.

والتيار الوسطي له سمات في داخل الأمة، وللأمة أيضاً الوسط سمات بين الأمم يعرفها المتخصصون، وبالتالي فالأمة يجب أن يكون خيارها هو خيار الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بشروطها وضوابطها، وأن يكون الجهاد هو وسيلتها في ميادينه الحقيقية وبضوابطه وأحكامه الشرعية، وأن تكون الوسطية هي سمتها ومنهجها الذي ترفعه بين الأمم، وأن يكون التكفير حين تمارسه الأمة بدليله الشرعي وضوابطه الشرعية ومن العلماء الراسخين الثقات، حينئذ يكون هذا هو خيار الأمة في ضل المتغيرات التي تعيشها.

(المصدر: مجلة كلمة حق)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق