كتب وبحوث

حكم الصلح مع اليهود

إعداد : الشيخ د. عوض القرني

مقدمة :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين ، وبعد فإن الصراع المعاصر بين المسلمين واليهود من أعظم ما مرت به الأمة المسلمة من المحن في تاريخها الطويل حيث جاء هذا الصراع والأمة المسلمة تعيش ضعفاً وتفرقا لم يسبـق لهما مثيل في تاريخها ، واليهود ينعمون بقوة وهيمنة عالمية لم يسبق لهم أن نعموا بمثلها والمقام ليس مقام تفصيل لأسبـاب ومظاهر ضعف المسلمين ولا مقام بيان وإيضاح لأسباب وصورة قوة اليهود وإنما أحببت أن أشير إلى ذلك حتى يوضـع هذا الصلح في سياقه الطبيعي من الأحداث وأحب أن أشير في هذه المقدمة المقتضية إلى أمرين :

الأول منهما :أن الحديث عن حكم الصلح مع اليهود لا يراد النيل من أحد أو التقليل من شأن رأي آخر . لكن الدافع الرئيس لذلك هو أداء أمانة التبليغ عن الله ورسوله وبيان الحق الذي أخذ الله على أهل العلم بيانه والتحرج من كتمانه في قضية تعتبر أهم قضايا الأمة المعاصرة .

ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القائل بقول من الأقوال مهما كان فضله وعلمه لا يلزم الآخرين الأخذ بقوله ما لم تقم عليه الدلائل الواضحة من كتاب الله وسنة رسوله إذ إليهما المرجع عند الاختلاف: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء : 59 ] قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 35/212 ( ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة وإيضاح المحجة لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد فإن هذا فعل أهل الجهل والأهواء ) .

الأمرالثاني: أن الظروف المعاصرة إسلامياً وعالمياً قد تبدلت وتغيرت تبدلاً كبيراً عن الظروف التي اجتهد الفقهاء فيها لبيان أحكام الحوادث والنوازل لذلك يجد الباحث من الصعوبة بمكان البحث في هذا الأمر ولولا أهمية الأمر وحاجة الناس وغلب الظن أن الباحث فيه سيسهم بإذن الله تعالى في بيان حكم الله في هذه النازلة بل في هذه الفاقرة لما كان الحديث ولا المشاركة. وقبل الحديث عن حكم الصلح لابد من ذكر أسبابه التي أدت إليه ليتجلى الأمر ويكون أكثر وضوحاً إن شاء الله.

اً : أسباب الصلح مع اليهود

لقد استمر الصراع بين اليهود والعرب قرابة خمسين عاماً ولم يكن أحد من المسلمين يجرؤ على التفكير في الصلح مع اليهود فضلاً عن إبرامه والتوقيع عليه والتسابق إليه وقد صدرت الفتاوى من كثير من العلماء والمجامع العلمية والهيئات الشرعيـة بتحريم هذا الصلح وحتى العلمانيين والمستغربين من أبناء العرب والمسلمين كان لا يخطر على بالهم هذا الصلح ولا يتوقعـون أن الأمة ستقبل به في يوم من الأيام فلماذا تغير بين عشية وضحاها هناك ولا شك أسباب أدت إلى هذا التغير المفاجــئ والتسارع إلى تقبيل بني صهيون وانتظار النجاة على أيديهم من جميع المشكلات حتى أصبح العرب يتسابقون للتصالح مع اليهود مهما كان الثمن ويأبون التصالح فيما بينهم في أتفه الأمور بل إن كثيراً من حكومات المسلمين تشتعل الـحــرب الداخلية والأهلية في بلدانها وليس لديها أي استعداد للتفاهم مع شعوبها مع أنها لا تمانع من التفاهم مع اليهود على أخطر القضايا وعلى كثير مما يريدون فما هي يا ترى هذه الأسباب ؟ هي ولا شك كثيرة ومن أهمها :

1- إخراج الإسلام من الصراع مع اليهود والاعتماد على العقائد الوثنية من شيوعية وقومية وعلمانية

فكان اليهود يقاتلون جميعاً وراء عقيدة واحدة وإن كانت محرفة ، وكان العرب يقاتلون تحت رايات عديدة وثنية فتشتت شملهم وتمزق جمعهم بل إن دين الله حورب مع الأسف في كثير من ديار الإسلام أكثر مما حاربه اليهود في أرض فلسطين بل إن كثيراً من تلك الدول تقف بقوة ضد تحكيم شريعة الإسلام في ديارها وتطبيقها في مجتمعاتها فكانت النتيجة انتصار اليهود واستسلام العرب تحت لافتة الصلح المزعوم .

2- تفرق العرب فتشتت شملهم:

فالعرب اكثر من عشرين دولة والمسلمون من غير العرب أيضاً حوالي هذا العدد من الدول وكثير من دول العرب والمسلمين يكيد لإخوانه اكثر مما يكيدون لإسرائيل حتى إن الحروب التي اشتعلت بين تلك الدول تفوق الحروب التي قامت بينهم وبين إسرائيل كثيراً. وما من دولة إلا وهي تخشى الدولة الأخرى وأصبح دخول الفرنسي إلى دول المغرب العربي والأمريكي أو الإنجليزي إلى دول المشرق العربي أيسر من دخول عربي من بلد آخر هذا بين العرب فكيف إذا جاء الحديث عن غيرهم من المسلمين فالأمر أشد وأنكى ولا حول ولا قوة إلا بالله. بينما اليهود في العالم كله يد واحدة بل النصارى كلهم من ورائهـم.

3- تنامي الصحوة الإسلامية في المنطقة وعودة كثير من شعوبها إلى دينها مما أصبح يشكل خطراً حقيقياً على المشروع التغريبي الجاهلي في المنطقة برمته

وفي مقدمته الدولة اليهودية التي أنشأها الإنجليز وأول من اعترف بها الروس وتولت رعايتها أمريكا مما حدا بسدنة المشروع التغريبي في المنطقة من العرب واليهود إلى تناسي عداواتهم والسعي لإنهاء خصوما تهم والتحالف ضد العدو المشترك الجديد (الإسلام ودعاته) والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر.

4- حرب الخليج وما أدت إليه من مستجدات في المنطقة

هذه الحرب التي أشعلها أحد رموز التغريب والوثنية في بلاد المسلمين (صدام) فكان من أبرز نتائجها تدمير القوة العسكرية العراقية واستنزاف القوة الاقتصادية الخليجية وزيادة تمزق العرب والمسلمين والحضور العسكري المباشر للغرب في المنطقة. وهذا الوضع المأساوي أفرز خللاً رهيباً في توازن القوة بين العرب وإسرائيل فكان هذا الاستسلام باسم الصلح.

5- سقوط الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى وانفراد أمريكا بالسيطرة

حيث كان تناقض المصالح بين القوتين في المنطقة يمكن اللاعبين الصغار من الاستفادة من هذا التناقض فلما سقطت القوة التي كان يأوي إليها كثير من العرب تفردت القوة الداعمة لإسرائيل بالسيطرة فضغطت على العرب من أجل إبرام هذا الصلح وكانوا أضعف من أن يقاوموا لما ذكرنا من أسباب أخرى.

6- الانتفاضة الفلسطينية وما أثمرته من إرهاق لليهود وعجز لجيشهم وهزها لقيادة عرفات وإسقاطها لمنظمته العلمانية

إذ أنه بعد أن يئس الشعب الفلسطيني من الجيوش العربية والمنظمات الثورية وبعد أن جرب جميع الأفكار والأيديولوجيات عاد لدينه فالتف شبابه حول الشيوخ والعلماء والدعاة وكانت عدتهم في البداية الحجارة والعصي وعجز اليهود خلال بضع سنوات عن القضاء على هذه الانتفاضة مع تباهيهم بأنهم الذين كانوا ينزلون الهزائم الساحقة بالجيوش العربية الجرارة في ساعات وكذلك فقد ياسر عرفات ومنظمته العلمانية الكثير من بريقهم لدى الشعب الفلسطيني وأصبح الأمر كما قال بيريز لو لم يتم هذا الاتفاق لما أصبح معنا في الساحة إلا الإسلاميون المتطرفون الذين لازالوا يؤمنون بالجهاد والشهادة والجنة وهم أناس لا نستطيع أن نتعامل معهم أبداً.

7 – حاجة اليهود للتمدد الاقتصادي في المنطقة

والسعي لإيجاد بدائل مالية للدعم الأمريكي الذي يتوقع عجزه في العقود القادمة عن الوفاء بمتطلبات بقاء إسرائيل في مجالات كثيرة منه الطاقة والغذاء والمياه وتصريف المنتجات الصناعية وغيرهـا.

حكم الصلح مع اليهود

ثانياً : علاقة الكفار بالمسلمين : هل الأصل في العلاقة بين المسلمين والكفار هو السلام والصلح أم الحرب والقتال والعداوة ؟ ننظر في ذلك من خلال ثلاثة أمور:

1.إخبار الله سبحانه وتعالى

 2- أمر الله تعالى

 3- الواقع التاريخي والمشاهد عن هذه العلاقة.

1- إخبار الله سبحانه وتعالى عن طبيعة العلاقة بين المسلمين والكفار: لقد اخبر الله سبحانه وتعالى أن الصراع والعداوة بين حزب الحق وحزب الباطل باقية ما بقي أحد من الحزبين قال تعالى : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ) [المائدة : 82] وقال تعالى ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) بل إنه سبحانه أخبر أن المدافعة بين الحق والباطل سنة كونية لازمة للحياة فقال سبحانه( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ) وقال صلى الله عليه وسلم (الجهاد ماض في أمتي إلى يوم القيامة). وعلى هذا فالصراع والعداوة بين الحق والباطل عداوة قدرية حتمية كونية لازمة لا يمكن إبطالها واستبدالها بالسلام والوئام والصلح ومن هذه لنصوص الكثيرة ما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم من قتال اليهود والدجال في آخر الزمان وما اخبرنا به من الملاحم عبر العصور.

2- أمر الله سبحانه وتعالى لنا بكيفية التعامل مع الكفار: إن النصوص الكثيرة في القرآن والسنة الآمرة بقتال الكفار حتى يسلموا أو يخضعوا لأحكام الإسلام لتؤكد لنا ما ورد في أخبار الوحي عن طبيعة هذه العلاقة ولذلك جعل الجهاد ذروة سنام الدين وجعل فيه من الأجر ما ليس في كثير من العبادات ولم يجعل لهذا القتال غاية يقف عندها إلا إسلام الكفار أو دفعهم للجزية وخضوعهم لأحكام الإسلام قال تعالى{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وقال تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} وقال تعالى { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة وأعلموا أن الله مع المتقين} والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة .وعلى هذا تعتبر المناداة بالصلح الدائم مع الكفار معصية لأوامر الله والتفريط فيها. قال ابن حزم في المحلى 7 / 461 ( والجهاد فرض على المسلمين فإذا قام به من يدفع العدو ويغزوهم في عقر دارهم ويحمي ثغور المسلمين سقط فرضه عن الباقين وإلا فلا ، قال الله تعالى { انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) وقال ابن حجر : وهو يتحدث عن أحوال الجهاد في فتح الباري 6 / 45 ( الحال الثاني بعده صلى الله عليه وسلم فهو فرض كفاية إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو. ويتأدى فرض كفاية بفعله في السنة مرة …. والتحقيق أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه).

3- الواقع التاريخي والمشاهد لحقيقة هذه العلاقة: إن المتأمل في طبيعة العلاقة بين أهل الحق وأهل الباطل عبر عصور التاريخ يجدها دماء وأشلاء وضحايا وشهداء ابتداءً بنوح وقومه وانتهاءً بمحمد صلى الله عليه وسلم وقومه ومروراً بقوم هود وقوم صالح وقوم إبراهيم ولوط وموسى وفرعون ، وكم قتل بنو إسرائيل من الأنبياء وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منذ فجر دعوته وهو في صراع مستمر ودائم مع المشركين الوثنيين واليهود والنصارى ثم أتباعه بعده مع المجوس والنصارى والتتار على مر السنين وكر الدهور والأعوام حتى في العصر الحديث على الرغم من إنشاء هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ودعاوى الحضارة والمدنية وحماية حقوق الإنسان رغم كل ذلك ثبت أن هذه المنظمات لم تزد عن كونها أساليب عصرية جديدة لإبادة المسلمين واقتلاع الإسلام ولعل في البوسنة والهرسك والشيشان وبورما وفلسطين وغيرها من الديار أبلغ الأدلة لكل ذي قلب وسمع وبصر. وعلى هذا يمكننا أن نستنتج هذه القاعدة من الأمور الثلاثة السابقة فنقول ( الأصل في العلاقة بين المسلمين والكفار غير الذميين الصراع لا الوئام والقنال لا السلام)

بعد هذا سنتحدث عن أقسام الصلح المتصورة مع الكفار بإيجاز وحكم كل قسم منها ثم نفصل الحديث عن الصلح القائم وحكمه .

أقسام الصلح

1- الصلح الدائم: المراد به : هو إنهاء القتال والعداوة بين المسلمين وغيرهم من الكفار وإحلال علاقة السلام والوئام والتعاون مكان علاقة الحرب والصراع والعداوة للأبد وهذا القسم يتصور له عدة صور منهـا :

أ- الصورة الأولى :أن يهاجم المسلمون ديار الكفار ويضيقون عليهم فيطلب الكفار من المسلمين الصلح ويسلمون لهم البلاد على أن يوقف المسلمون القتال كفتح بيت المقدس ودمشق في زمن عمر ويدفعون للمسلمين الجزية ويخضعون لسلطان الإسلام في الجملة ولا ينالون من المسلمين ولا يبغونهم غائلة وهذا جائز بنص القرآن ما استقام الكفار على شروطه ولم ينقضوا شيئاً من بنوده والتي منها دفع الجزية والنصح للمسلمين وعدم السعي لتحويل المسلمين عن دينهم والسماح للدعوة بالانتشار بينهم قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة 2 / 475 ( الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد وأهل العهد ثلاثة أصناف أهل ذمة أهل هدنة أهل أمان ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلهم في الأصل وكذلك لفظ الصلح . . . . لكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء أهل الذمة . عبارة عمن يؤدي الجزية وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسولـه )

ب- الصورة الثانية: أن يهاجم المسلمون ديار الكفار ويغزونهم في ديارهم ثم يطلب الكفار من المسلمين الصلح الدائم على أن يبقى الكفار في أرضهم وعلى كفرهم والسلمون في أرضهم وعلى إسلامهم ولا يلتزم الكفار شيئاً من الأحكام التي في الصورة السابقة 0 وهذا الصلح باطل لا يجوز لأمور منها أنه عطل فريضة الجهاد التي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنها باقية إلى يوم القيامة ومنها أنه خالف أمر الله الذي أوجب القتال حتى يسلم الكفار أو يدفعوا الجزية وه ما لم يتحقق في هذه الصورة ومنها أنه عطل فريضة الدعوة التي أوجبها الله على الرسول والأمة من بعده ومنها أنه أقر الكفر وأهله على باطلهم وسلطانهم في الأرض قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية 8/511-512 ( إن النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول براءة وآية الجزية كان الكفار من المشركين وأهل الكتاب تارة بقتالهم وتارة يعاهدهم فلا يقاتلهم ولا يسلمون فلما أنزل الله براءة وأمره فيها بنبذ العهد إلى الكفار وأمره أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون صار حينئذ مأموراً بأن يدعو الناس إلى قتال من لا بد من قتالهم أو إسلامهم وإذا قاتلهم قاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية لم يكن له حينئذ أن يعاهدهم بلا جزية كما كان يعاهد الكفار من المشركين وأهل الكتاب كما عاهد أهل الحديبية )وقاال القرافي في الذخيرة 3/385 ( وهو – أي الجهاد – من فروض الكفايات لا يجوز تركه إلا لعذر ولا يكف عنهم إلا أن يدخلوا في ديننا أو يؤدوا الجزية في بلدنا … ويؤيد ما قلناه إن الكفر من المنكرات وإنكار أقل المنكرات من فروض الكفاية فالكفر أولى بذلك وقال عبد الوهاب : القيام بفرض الجهاد حراسة الثغور وعمارتها بالمنعة ولا تجوز المهادنة إلا لضرورة تدعو إليها وقال عبد الملك يجب على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو في كل سنة مرة تخرج معه أو مع نائبه يدعوهم إلى الإسلام ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم ويقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية).

ج: الصورة الثالثة: أن يهاجم الكفار ديار المسلمين ويقتطعوا جزءاً منها ويقتلوا أو يسبوا أو يشردوا ويحولوا الأرض من دار إسلام إلى دار كفر ويستوطنونها كما فعل اليهود في فلسطين ثم يطلبون من المسلمين الصلح والسلام الدائم على أن يقروا على حالهم وفي الأرض التي استولوا عليها . وهذا الصلح الدائم لا شك أنه حرام وباطل للأسباب التي ذكرت في الصورة الثانية بل هي هنا أولى و أيضا لأسباب أخرى منها إقراره أي الصلح-لولاية الكفار على المسلمين وهو محرم بالإجماع ولذلك حرم الشرع زواج المسلمة من الكافر لما للزوج على زوجته من ولاية وكذلك حرم تملك الكافر للرقيق المسلم بل نزع من الكافر ولاية تزويج قريبته المسلمة فكيف يتصور صحة عقد صلح يؤدي إلى دخول المسلمين تحت ولاية الكفار المطلقة .وكذلك من أسباب بطلان هذا الصلح إقراره ولاية الكفار وسلطانهم على أرض وديار كانت بأيدي المسلمين . ذلك أن الإجماع قائم على أن الكفار إذا استولوا على بلد إسلامي وجب على المسلمين إخراجهم منه عند القدرة وهذا الواجب يبتدئ بأهل البلد ثم الأقرب فالأقرب حتى يشمل جميع المسلمين فإن لم يفعلوا أثموا جميعاً .

قال الماوردي في الحاوي 14 / 144 ( القسم الثالث أن يدخل العدو بلاد الإسلام ويطأها فيتعين فرض قتاله على أهل البلاد التي وطئها ودخلها فإن لم يكن بأهلها قدرة دفعه تعين فرض القتال على كافة المسلمين حتى ينكشف العدو عنهم إلى بلاده وإن كانت بهم قدرة على دفعه لم يسقط بهم فرض الكفاية عن كافة المسلمين ما كان العدو باقياً في دارهم ) ونقل القرطبي في تفسيره 8/151 الإجماع على وجوب جهاد الدفع .

وقال ابن تيمية في الاختيارات 309 ( أما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين ولاشيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ولا يشترط له شرط بل يدفع حسب الإمكان 0 0 ولو ضاق المال عن إطعام الجياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع000)

وعلى هذا فالقول بجواز الصلح الدائم مع الكفار مطلقاً قول مردود قال في الحاوي 14 / 296 ( الهدنة أن يوادع أهل الحرب في دارهم على ترك القتال مدة أكثرها عشر سنين )

وقال ابن قدامـة في المغني 13 / 154 ( لا تجوز المهادنة مطلقاً من غير تقدير مدة لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية .  ولا يجوز عقد الهدنة إلا مدة مقدرة معلومة ) ونقل ابن القيم الاتفاق على بطلان الصلح المؤبد في أحكام أهل الذمة 2/477 وقال ابن حجر في فتح الباري 6/299 ( الموادعة المتاركة والمراد بها متاركة أهل الحرب مدة معينة لمصلحة ).

2- الصلح المؤقت ينقسم الصلح المؤقت إلى قسمين

القسم الأول :

صلح تحدد مدته في عقده: أي يذكر في عقد الصلح أن مدته عشر سنين أو خمس سنين أو أكثر من ذلك أو أقل ، وهذا الصلح جائز عند جمهور علماء الأمـة بشروط سنذكرها بعد قليل إن شاء الله ، وقد اختلف العلماء في أقصى مدة يمكن لهذا القسم من الصلح إذا توافرت شروطه فمن أهل العلم من قال أن هذا الصلح لا يجوز أن تزيد مدته على عشر سنين لأن الصلح مع الكفار أمر طارئ على خلاف الأصل ولحاجة أو ضرورة فلا يتوسع فيه أكثر مما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو عشر سنين في صلح الحديبية قال في الحاوي 14/296 ( الهدنة أن يوادع أهل الحرب في دارهم على ترك القتال مدة أكثرها عشر سنين ) وقال في المغني 13/155 ( و لا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة مقدرة معلومة وظاهر كلام أحمد أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي لأن قوله تعالى : { فقاتلوا المشركين حيث وجدتموهم } عام خص منه مدة العشر لمصالحة النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم الحديبية عشراً فما زاد يبقى على مقتضى العموم ) 0 وقال القرطبي في تفسيره 8/41 (قال الشافعي لاتجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين فإن هودن المشركين أكثر من ذلك فهي منتقضة لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية ). ومن أهل العلم من قال إنه يجوز حتى في أكثر من عشر سنين إذا كان في ذلك مصلحة وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وقال بها بعض أصحابه منهم أبو الخطاب.

القسم الثاني

صلح مؤقت مطلق : أي لا تحدد له مدة معلومة بل يقال فيه متى شئنا نقضنا هذا الصلح بعد يوم أو بعد عام أو بعد ذلك أو أن يقال في عقد الصلح متى شاء أي من الفرقين نقض الصلح على أن يعلم الآخر وينبذ إليه ولا يغدر به.وهذا القسم من أقسام الصلح المؤقت هو الذي سماه بعض الفقهاء الصلح المطلق فوهم بعض الناس وظنه الصلح الدائم المؤبد وفرق كبير بين الأمرين وممن سماه الصلح المطلق ابن القيم في أحكام أهل الذمة وقد رد على هؤلاء الواهمين فقال في 2/77 ( وأصحاب هذا القول كأنهم ظنوا أنها إذا كانت – أي الهدنة – مطلقة تكون لازمة مؤبدة كالذمة فلا تجوز بالاتفاق ) وهذا النوع من الصلح لأهل العلم فيه قولان فمنهم من منعه وهم الجمهور ومنهم من أجازه وهو ما رجحه ابن القيم في أحكام أهل الذمة مع اتفاقهم جميعاً على عدم صحة الصلح الدائم المؤبد وأنه باطل إلا إذا دخل الكفار به في حكم المسلمين وذمتهم . قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة 2/477 ( والقول الثاني وهو الصواب أنه يجوز عقدها مطلقة وإذا كانت مطلقة لم يمكن أن تكون لازمة التأبيد بل متى شاء نقضها …فإنه عقد عقداً إلى مدة طويلة فقد تكون مصلحة المسلمين في محاربتهم قبل تلك المدة )وقد ناقش هذا القول ابن قدامة في المغني 13/154 فقال : (لا تجوز المهادنة مطلقاً من غير تقدير مدة لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية ولا يجوز أن يشترط نقضها لمن شاء منهما لأنه يفضي إلى ضد المقصود منها وإن شرط الإمام لنفسه ذلك دونهم لم يجز أيضاً لأنه ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط ذلك في البيع والنكاح وقال القاضي والشافعي : يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل خيبر على أن يقرهم ما أقرهم الله تعالى ولا يصح هذا فإنه عقد لازم فلا يجوز اشتراط نقضه كسائر العقود اللازمة ولم يكن بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل خيبر هدنة فإنه فتحها عنوة وإنما ساقهم وقال لهم ذلك وهذا يدل على جواز المساقات وليس بهدنة اتفاقاً وقد وافقوا – القائلون بالجواز – الجماعة في أنه لو شرط في عقد الهدنة أني أقركم ما أقركم الله لم يصح فكيف يصح منهم الاحتجاج به مع إجماعهم مع غيرهم على أنه لا يجوز اشتراطه ) وقال القرطبي في تفسيره 8/40 (إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين ولا تجوز الزيادة ). والذي يترجح والله أعلم عدم صحة الصلح المطلق المؤقت غير الدائم لأن أدلة من قال به إما في غير موطن النزاع أو منسوخة بخلاف أدلة من منعه 0 والخطب فيه يسير والحمد لله 0 أما الصلح الدائم فلا خلاف في حرمته وبطلانه وعدم صحته0

شروط صحة الصلح بين المسلمين والكفار

1- أن يكون هذا الصلح مؤقتاً غير مؤبد دائم ، وهذا الشرط بإجماع علماء الأمة كما تبين فيما مضى وإنما الخلاف هل هذا الصلح المؤقت يجوز أن يكون مطلقاً كما قال بعض أهل العلم أو لابد أن يكون محددا كما هو رأي الجمهور 0 قال القرافي المالكي في الذخيرة 3/449 عند ذكره لشروط الهدنة ( الشرط الرابع أن لا يزاد على المدة التي تدعو إليها الحاجة في اجتهاد الإمام وقال أبو عمران يستحب أن لا تزيد على أربعة أشهر إلا مع العجز لقوله تعالى : { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } فإن استشعر خيانة فله نبذ العهد قبل المدة)

2- أن يكون في هذا الصلح مصلحة متحققة للمسلمين فإن لم يكن فيه مصلحة لهم أو كان فيه مضرة عليهم فهو صلح باطل قال في المغني 13/154 ( ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف فيهادنهم أي الإمـام حتى يقوى المسلمون ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين إما أن يكون بهم ضعف عن قتالهم وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم أو في أدائهم الجزية والتزامهم أحكام الملة أو غير ذلك من المصالح ( وقال في الحاوي 14/296 ) فلا يجوز أن يتولى عقدها إلا الإمام أو من يستنيبه فيها عند الحاجة إليها وظهور المصلحة فيها قال القرافي في الذخيرة 3/449 ( الباب العاشر في المهادنة والنظر في شروطها وأحكامها النظر الأول : في الشروط وهي أربعة :

الأول : الحاجة إليها فإن كان لغير حاجة ومصلحة لا يجوز لوجوب القتال إلى غاية إعطاء الجزية وإن كان لمصلحة نحو العجز عن القتال مطلقاً أو في الوقت الحاضر فيجوز بعوض أو بغير عوض على وفق الرأي السديد للمسلمين )

وقال السرخسي في المبسوط 10/86 ( وإن لم تكن الموادعة خيراً للمسلمين فلا ينبغي أن نوادعهم لأن قتال المشركين فرض وترك ما هو فرض من غير عذر لا يجوز فإن رأي الموادعة خيراً فوادعهم ثم نظر فوجد موادعتهم شراً للمسلمين نبذ إليهم الموادعة وقاتلهم )

3- أن يعقد هذا الصلح مع الكفار ويبرمه الإمام الشرعي أومن ينيبه الإمام لهذا الأمر فإن تولاه غيره فعقده باطل . قال في المغني 13/157 ( ولا يجوز عقد الهدنة ولا الذمة إلا من الإمام أو نائبه … فإن هادنهم غير الإمام أو نائبه لم يصح ) وقال الماوردي في الحاوي 14/296 ( لا يجوز أن يتولى عقدها إلا الإمام أو من يستنيبه فيها) وقال في الذخيرة 3/449 ( الشرط الثاني ألا يتولاه – أي الصلح _- إلا الإمام ) وقال في المبسوط 10/86 ( وإذا طلب قوم من أهل الحرب الموادعة سنين بغير شيء نظر الإمام في ذلك فإن رأي خيرا للمسلمين لشدة شوكتهم أو لغير ذلك فعله )

4- ألا يكون هذا الصلح مؤدياً إلى أن يكون للكفار على المسلمين ولاية وسلطان فإن أدى إلى ذلك فهو باطل لأن أي عقد يؤدي إلى ولاية الكافر على المسلم فهو عقد باطل بالإجماع كما ذكر سابقاً ومن صوره حرمة استمرار نكاح الكافر للمسلمة أو ابتداء نكاحه لها لما للزوج على زوجته من ولاية وبطلان استرقاق الكافر للمسلم وعدم تمكين الكافر من تزويج قريبته إذ لا ولاية له عليها . أنظر أحكام أهل الذمة 2/442 وقال في الذخيرة 3/449 ( الشرط الثالث _ أي من شروط الصلح- خلوه من شرط فاسد كترك مسلم في أيديهم )

5- ألا يؤدي هذا الصلح إلى تحويل شيءٍِ من دار الإسلام إلى دار للكفر مع إقرار المسلمين بذلك وتنازلهم عن هذه الدار للكفار قال في الحاوي 14/296 ( الهدنة أن يوادع أهل الحرب في دارهم على ترك القتال ) وقال في 14/144 ( القسم الثالث: أن يدخل العدو بلاد الإسلام ويطأها فيتعين قتاله على أهل البلاد التي وطئها ودخلها فإن لم يكن بأهلها قدرة على دفعه تعين فرض القتال على كافة المسلمين حتى ينكشف العدو عنهم إلى بلادهم ) وقال في المغني 13/6-8 ( والجهاد من فروض الكفايات في قول عامة أهل العلم وحكي عن سعيد ابن المسيب أنه من فروض الأعيان … ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم إما أن يكونوا جنداً لهم دواوين من أجل ذلك أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم.

ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع:

أحدها :إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام …

الثاني : إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم

الثالث: إذا أستنفر الإمام قوماً لزمهم النفير معه )

وهذا الأمر بالذات هو الذي دفع كثيراً من علماء المسلمين إلى الفتوى بتحريم التنازل عن أي شيء من فلسطين وحرمة الصلح مع اليهود ومن تلك الفتاوى فتوى علماء فلسطين في 20/10/1353هـ الموافق 26/1/1935م وفتوى علماء الأزهر في 29/11/1947م وكان منهم محمد مأمون الشناوي شيخ الأزهر ومحمد حسنين مخلوف مفتي مصر وعبد المجيد سليم مفتي مصر الأسبق وغيرهم. وفتوى لجنة الفتوى في الأزهـــــر فـــــي 1/1956م وكان منهم محمد حسنين مخلوف محمد شلتوت وعبد اللطيف السبكي ومنها فتوى شيخ الأزهر في 25/5/1375هـ ومنها فتوى علماء المؤتمر الدولي الإسلامي في باكستان وعلماء الباكستان سنة 1388هـ 1968م ومنها الفتوى الصادرة في 1409هـ الموافق 1989م عن ستين عالماً من أبرز علماء المسلمين في ثمانية عشرة بلداً إسلامياً.

بعض ما استدل به المخالفون والرد على استدلالهم

من أهم ما استدل به المخالفون لما أسلفنا من أحكام الصلح مع الكفار الأمور التالية:

1 – صلح النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود خيبر وقوله صلى الله عليه وسلم لهم ( نقركم ما أقركم الله ) أي نبقيكم في خيبر ما شئنا وهذا الاستدلال مردود من وجـوه هي:

أ – أن خيبر أخذت عنوة بالسيف ولم تفتح صلحاً وأصبحت أرضها غنيمة وأهلها سبايا وكان منهم صفية رضي الله عنها وهذا الأمر لا خلاف فيه أبداً.

ب – أنه صلى الله عليه وسلم أبقي اليهود في الأرض بعد أن ملكها المسلمون بالفتح ليزرعوها للمسلمين بجزء من ثمارها وهو ما يسمى في كتب السنة والفقه بالمزارعة لكون اليهود أعلم بالزراعة ولانشغال المسلمين بالجهاد.

ج – أن قوله صلى الله عليه وسلم ( نقركم ما أقركم الله ) يعني أُجراء في الأرض لزراعتها وليس المراد به ملاكاً للأرض نصالحكم على ذلك.

د – على فرض صحة دعوى الاستدلال بهذا الدليل فهو صلح مع الكفار على أرضٍ بأيديهم أصلاً وليس على أرض كانت بأيدي المسلمين وأخذها الكفار منهم.

2 – صلح الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة أول ما نزلها.

وهذا الدليل لا يصح الاستدلال به على صحة الصلح الدائم المتفق على بطلانه أو المطلق المختلف فيه للأمور التالية:

أ- أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وفيها المسلمون والمشركون واليهود والمنافقون والشوكة والمنعة للمسلمين فأقام دولة إسلامية وجميع هذه الطوائف رعاياها بحكم الواقع فكتب صلى الله عليه وسلم وثيقة تحدد العلاقات بين جميع هذه الطوائف بالعدل والإنصاف وجعل المرجع فيها والتحاكم عند الاختلاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فدخل اليهود بذلك تحت سلطان المسلمين وأصبحوا أهل ذمة وذلك قبل أن تفرض الجزية.

ب – أن هذا الصلح والعهد قد نسخ في أخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم بسورة براءة وما نزل فيها من نبذ العهود إلى أهلها انظر ذلك في منهاج السنة لأبن تيمية 8/511 وتفسير الطبري 10/42 .

3 – استدلوا أيضاً بحوادث وادع فيها النبي صلى الله عليه وسلم قبائل من العرب في أزمنة مختلفة ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بالأمور التالية:

أ – أن هذه الموادعات كانت محددة مقدرة ولم تكن مطلقة ولا دائمة مثل صلح الحديبية .

ب – أن هذه الموادعات كانت إقراراً للكفار في أرضهم وليس على إقرارهم على ديار أخذوها من المسلمين ,

ج – أن هذه المصالحات والمواد عات قد نسخت بآيات سورة براءة التي نبذت إليهم عهودهم والتي أوجبت قتال الكفار كافة حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ويدخلوا في الذمة . انظر ذلك في تفسير الطبري 10/24 وتفسير القرطبي 8/205 .

د – أن هذه العهود كانت مطلقة مؤقتة غير دائمة مؤبدة عند من يقول بجوازها .

4 – واستدلوا بقوله تعالى { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم }

ويرد هذا الاستدلال بالأمور التالية :

أ – أن من السلف من قال أن هذه الآية منسوخة إما بسورة براءة وإما بقول الله تعالى { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم } وممن قال بأنها منسوخة ابن عباس وقتادة وعكرمة .انظر ذلك في تفسير الطبري 10/24 وتفسير القرطبي 8/39 .

ب – أن المراد قبول الجزية إذا أذعن الكفار لذلك وهذا قول مجاهد , انظر في تفسير القرطبي 8/39 .

ج – أن المراد بها المهادنة المؤقتة بشروطها السالفة للإجماع والنصوص الأخرى المقيدة لها وهو قول مالك والشافعي وابن جريج وابن العربي وابن المنذر .انظر في تفسير القرطبي 8/39 ،205 .

د – لم يقل أحد من المفسرين ولا الفقهاء من السلف والخلف فيما أعلم أن المراد بها الصلح الدائم المؤبد . وعلى هذا فلا دليل لمن استدل بها على جواز الصلح الدائم مع اليهود .

حكم الصلح القائم الآن مع اليهود في فلسطين

بعد هذا الاستعراض السريع لأحكام الصلح مع الكفار عموماً وإيراد أقوال أهل العلم ومناقشاتهم لمسائله نحاول أن نعرف على ضوء ذلك حكم الصلح القائم الآن مع اليهود في أرض فلسطين السليبة من خلال النقاط التالية :

1- هذا الصلح الذي أبرم مع اليهود صلح دائم مؤبد لا مؤقت ولا مطلق فهو صلح دائم يُقرُ به الكفار في أرض المسلمين وليس هناك أحد ممن وقع الصلح معهم اشترط أن يكون هذا الصلح مؤقتاً وعلى هذا فهو صلح باطل بالإجماع .

2- هذا الصلح تنازل بموجبه الموقعون عليه عن جزء من أرض المسلمين في فلسطين وهي التي احتلت عام 1948م ولم يخالف في هذا الأمر أحد منهم أبداً . وكذلك أعلن اليهود أن القدس التي احتلت سنة 1967م هي عاصمتهم الأبدية وهم يكرسون ذلك على أرض الواقع بينما لم يعترض على ذلك أحد من العرب إلا فئة قليلة وبصوت خافت ضعيف ربما للمزايدة الإعلامية والمناورات السياسية .ولو جاز جدلاً التنازل عن أي أرض بأيدي المسلمين للكفار لما جاز ذلك ولا يصح في أرض فلسطين إذ لها في ديننا مكانة خاصة لا يفوقها فيها إلا أرض الحجاز ففلسطين هي الأرض المباركة مهد الرسالات وبلاد الملاحم وأرض المحشر وبلاد القداسات ومسرى الرسول وأولى القبلتين وثالث الحرمين .وصلح هذا شأنه في التنازل عن هذه الأرض صلح باطل .

أن الموقعين حتى الآن على هذا الصلح بالنيابة عن المسلمين ليس فيهم من تتوافر فيه الإمام الشرعي بل هم معلنون للعلمانية أو الاشتراكية أو اللبرالية . وصلح هذا حال من عقده صلح باطل في شرع الله كما مر معنا .

4- أن هذا الصلح تقر بموجبه ولاية اليهود المطلقة على جزء من مسلمي فلسطين وولايتهم في بعض الجوانب على بقية مسلمي فلسطين وقد مر معنا أن كل عقد يلزم منه ولاية للكفار علي المسلمين فهو عقد باطل وهذا هو شأن هذا الصلح قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة 1/242 (ولما كانت التولية شقيقة الولاية كانت توليتهم نوعاً من توليهم وقد حكم الله تعالى بأن من تولاهم فإنه منهم ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم والولاية تنافي البراءة فلا تجتمع البراءة و الولاية أبداً والولاية إعزاز فلا تجتمع هي وإذلال الكفار أبداً والولاية صلة فلا تجامع معاداة الكافر أبداً )

5- كل صلح لا تتحقق فيه مصلحة للمسلمين أو يترتب عليه ضرر لهم فهو صلح باطل كما مر معنا .

وهذا الصلح الذي عقد مع اليهود يترتب عليه من المفاسد الهائلة عقائدياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ما يجعل البصير يقطع ببطلانه وعدم صحته . ومن مفاسده الظاهرة إعلان الموقعين عليه من اليهود والعلمانيين العرب أن من أهم دوافعهم لهذا الصلح التفرغ لمواجهة دعاة الإسلام والصحوة الإسلامية تحت ستار محاربة الإرهاب والأصولية والتطرف وكفى بهذه المفسدة التي ستمزق مجتمعات المسلمين وتشعل الحروب فيها لا قدر الله بدلاً من محاربة اليهود . ومن مفاسد هذا الصلح أنه أعطى لليهود شرعية دولية – كما يقال – كانوا يفتقدونها في أرض المسلمين ومقدساتهم . أما الآن فيستمددون اقتصادياً وسياسياً ويناصرهم العالم كله ضد أي محاولة جهادية مستقبلية لاسترداد الأقصى وما حوله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق