كتب وبحوث

تدوين القرآن الكريم في مقابل تدوين الكتاب المقدَّس: أيهما أجدر بالموثوقيَّة؟ 5 من 7

تدوين القرآن الكريم في مقابل تدوين الكتاب المقدَّس: أيهما أجدر بالموثوقيَّة؟ 5 من 7

إعداد د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أدلَّة جديدة على عدم موثوقيَّة الأناجيل

تتبَّع الدُّكتورة سارة حامد العبَّادي، عضو هيئة التَّدريس لدى جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة المنوَّرة، في دراستها التَّحريف والتَّناقض في الأناجيل الأربعة (2003م)، نفس المنهج النَّقدي الَّذي يطبّقه الباحث محمَّد السَّعدي في بحثه دراسة في الأناجيل الأربعة والتَّوراة (1985م)، من خلال استعراض أهمّ مواطن الضَّعف في الأناجيل القانونيَّة الأربعة بما يصعّب إمكانيَّة التَّسليم بأنَّها وحيٌّ منزَّل من عند الله. تتعامل الباحثة مع الأناجيل القانونيَّة باعتبارها المصدر الأساسي للعقيدة المسيحيَّة، والأداة الأكثر استخدامًا في حملات التَّبشير الَّتي تغزو العالم، الَّتي تجدها هجمة استعماريَّة سياسيَّة الأهداف تستغلُّ الدّين في استنزاف ثروات الشُّعوب والسَّيطرة عليها وإخضاعها لسُلطان الغرب الصَّليبي، منتقدةً ما تراه من تقاعُس ملحوظ لرجال الدَّعوة الإسلاميَّة عن نشْر الدّين ودرء شبهات المفترين على الإسلام. أمَّا عن هدف هذه الدّراسة، فكما توضحه الباحثة، هو “المساهمة في الدَّعوة إلى الله، وردّ كيد هؤلاء المبشّرين إلى نحورهم، والبيان بأنَّ الأساس والمستند الَّذي تقوم عليه أركان مسيحيّتهم ضعيفٌ؛ لذلك فإنَّ البنيان فوقه ينهار” (ص8). وتثير الباحثة مسائل مشابهة لما يثيره السَّعدي (1985م) فيما يتعلَّق بموثوقيَّة الأناجيل المعترَف بها، وعلى رأسها صحَّة نسبة تلك الأناجيل إلى كَتَبتها، والتَّناقضات والاختلافات بينها، والتَّخلُّص من عدد كبير من الأناجيل في أعقاب مجمع نيقية المسكوني لعام 325م تخالف عقيدة ألوهيَّة المسيح، وانقطاع سند الأناجيل عن كَتَبتها. خلصت الباحثة إلى ثلاث نتائج من دراستها المفصَّلة، هي “عدم صحَّة الأناجيل موضوعًا، وعدم صحَّة الأناجيل تاريخًا، وعدم حجّيَّة الأناجيل على صحَّة العقائد المسيحيَّة” (ص13-14). وفيما يلي تفصيل لما يترتَّب على تلك النّتائج.

الدَّليل على عدم صحَّة الأناجيل موضوعًا

أثبتت الباحثة تعرُّض الأناجيل القانونيَّة الأربعة إلى تحريف من خلال التَّبديل والزّيادة والنُّقصان، مشيرة إلى وجود تناقُض بين فقرات الإنجيل الواحد، وبين محتويات الأناجيل وبعضها، وتسوق على ذلك مثالًا، هو ادّعاء يسوع في إنجيل متَّى أنَّه كان ملتزمًا بالعهد القديم بقوله “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ” (إصحاح 17: آية 5)، ثمَّ تجده في موضع آخر في الإنجيل ذاته يحرّم الطَّلاق والقسم والقصاص، برغم إباحة ذلك في العهد القديم. تستشهد الباحثة بما أورده المؤرّخ المسيحي حبيب سعيد في كتابه أديان العالم (1977م، ص277) عن التَّناقض في الأناجيل، مقلّلًا من تأثير ذلك ومنتقدًا استخدامه في الإساءة إلى الأناجيل بقوله “يجب التَّسليم في غير مواربة أنَّ هناك بعض الفارق أو التَّناقض أو الاختلاف في قليل من الرُّوايات، وقد لوحظت هذه الحالات منذ القرن الثَّاني، واتَّخذها الهراطقة مادَّة للنَّقد والتَّجريح”، مبرّرًا وجود تلك التَّناقضات بقوله “لم يدَّعِ أحدٌ العصمة اللفظيَّة الحرفيَّة لرواية الإنجيل، فلقد كان الكُتَّاب خاضعين للعوامل العقليَّة والنَّفسيَّة الَّتي يخضع لها الكُتَّاب عادةً في كلّ إنجيل”.

 إثبات عدم صحَّة الأناجيل تاريخيًّا

تشير الباحثة إلى أنَّ تتبُّع تواريخ تدوين الأناجيل الأربعة أثبت عدم وجود تاريخ مُحدَّد لتدوين أيّ منها، بالإضافة إلى وجود اختلاف حول هويَّة الكاتب. فقد فُقدت النُّسخة الأصليَّة لإنجيل متَّى، ولم يثبت قول حول لغة التَّدوين الأصليَّة، كما يوجد اختلاف حول تاريخ التَّدوين؛ فهناك رأي يقول إنَّه دُوّن عام 39 ميلاديًّا، ورأي يقول عام 64 ميلاديًّا، وثالث يقول ما بين عاميّ 70 و80 ميلاديًّا، أي أنَّه الثَّاني في ترتيب التَّدوين بعد إنجيل مرقس وأنَّه اقتبس عنه آيات، وليس العكس. أمَّا عن تاريخ تدوين إنجيل مرقس، فهناك من يدَّعي أنَّه أقدم الأناجيل وسابق على إنجيل متَّى بأن دُوّن عام 61 ميلاديًّا، وهناك رأي آخر يفترض أنَّه دُوّن عام 68 ميلاديًّا، أي بعد إنجيل متَّى، لو أنَّ الأخير دُوّن عام 64 ميلاديًّا. يُضاف إلى ذلك إنَّ كاتب إنجيل مرقس مجهول، ويرجّح البعض أنَّ معلّمه بطرس الرَّسول هو الكاتب الأصلي. ويرتبط الجدال ذاته حول تاريخ التَّدوين بإنجيل لوقا، ويتراوح تاريخ التَّدوين بين عاميّ 60 و90 ميلاديًّا، ولم يتَّفق المؤرّخون إلَّا على أنَّ اليونانيَّة هي لغة كتابته الأصليَّة. وهناك شبه إجماع على أنَّ إنجيل يوحنَّا هو الأخير من حديث التَّدوين، ويُرجَّح أنَّه دوّن نهاية القرن الأوَّل الميلادي، ولكن يوجد خلافٌ حول هويَّة الكاتب، إذا ما كان يوحنَّا الحواري، أو يوحنَّا اللاهوتي، أم شخص آخر من طلَّاب مدرسة الإسكندريَّة. من الجدير بالتَّذكير أنَّ إنجيل يوحنَّا هو الَّذي الوحيد الَّذي خلَع صفة الألوهيَّة على يسوع المسيح، ويُقال أنَّ الكاتب تعمَّد ذلك “تلبيةً لطلب الأساقفة الَّذين اعتنقوا هذه العقيدة المنحرفة”، كما ترى الباحثة (ص293).

عدم إثبات الأناجيل حجَّيَّة العقيدة المسيحيَّة

تستند الباحثة إلى ما أورده الشَّيخ محمَّد أبو زهرة في كتابه محاضرات في النَّصرانيَّة (1987م) عن شروط حجيَّة الكتاب الدّيني، في إثبات انعدام حجيَّة المسيحيَّة في ضوء الأناجيل القانونيَّة. أمَّا عن تلك الشُّروط، فهي ثبوت صحَّة رسالة النَّبي الَّذي يُنسب إليه الكتاب، وخلو الكتاب من التَّناقضات، وإقرار النَّبي صاحب الكتاب بأنَّه وحيٌّ من الله، وعدم تعرُّض ذلك الكتاب للتَّحريف والتبديل والإخفاء. وفي حال عدم توفُّر تلك الشُّروط الأربعة، ما ينطبق على الأناجيل القانونيَّة، يرى أبو زهرة أنَّ بذلك “يتهدَّم الدّين من أساسه ويؤتي من قواعده” (ص92)، نقلًا عن الباحثة (ص298). وتستدلُّ على عدم توفُّر شروط الصَّحة في كُتُب أهل الكتاب بما أورده الإمام ابن تيمية في كتابه الجواب الصَّحيح، بما ذكره عمَّا أسرَّ له به بعض من هداهم الإسلام من المسيحيين، ممَّن أقرُّوا بتحريف كُتُبهم، مشيرًا إلى عدم وجود دليل على أنَّ المسيحيين تسلَّموا كُتُبهم جيلًا بعد جيل من الحواريين، دون تعديل أو تبديل.

4.ردٌّ موجز على فرية وجود “قرآن أصلي” مخفيّ عن المسلمين

يدَّعي الكاتب الأمريكي تشارلز بروكاو شفرة جبل الهيكل (2011م) وجود نصّ أصليّ للقرآن الكريم يحتوي على ما لم يتضمَّنه “مصحف عثمان” المتداول بين المسلمين منذ القرن الأوَّل الهجري، وهي فرية لحق به في رمي القرآن الكريم بها الكاتب المصري إبراهيم عيسى في روايته المسيئة لسيرة الصَّحابة والطَّاعنة في أصل عقيدة الجهاد والفتح الإسلامي للبلدان رحلة الدَّم: القتلة الأوائل (2016م). وفي خطوة لم تعد جديدة في ظلّ التَّشكيك المتواصل في ثوابت الإسلام، وبعد الهجوم الشَّرس الَّذي تعرَّضت السُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة من إنكار ومحاولات للدَّحض والإساءة، نشَر الباحث المغربي محمَّد المُسيَّح عام 2017م كتابًا تحت عنوان مخطوطات القرآن: مدخل لدراسات المخطوطات القديمة، يتناول فيه تدوين القرآن الكريم في زمن صحابة نبيّنا مُحمَّد (ﷺ)، في محاولة لرمي القرآن الكريم بما يُؤخذ على الكتاب المقدَّس من عدم موثوقيَّة في التَّدوين وعدم صحَّة في المحتوى وعدم ثبوت انتسابه إلى أنبياء بني إسرائيل المفترَض أنَّه تنزَّل عليهم وحيًا. يتحدَّى الباحث، الَّذي يقدّم نفسه باعتباره عالمًا في المخطوطات، ما يعرفه المسلمون، عن أنَّ القرآن نُزّل تواترًا على النَّبيّ (ﷺ)، مصداقًا لقوله تعالى “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا” (سورة الإسراء: الآية 106)؛ وأنَّه جاء بمثابة معجزة لغويَّة تحدَّى بها الله تعالى العرب بقوله “وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ” (سورة البقرة: آيتان 23-24)؛ وأنَّ الله تعالى تكفَّل بحفظ كتابه من أيادي العبث والتَّحريف، كما يخبرنا عزَّ وجلَّ “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (سورة الحجر: الآية 9).

فرية ضياع أجزاء من القرآن الكريم

يدَّعي الباحث أنَّ القرآن الكريم قد ضاعت بعض أجزائه، “باعتراف بعض الصَّحابة والمقرَّبين أنفسهم”، مدَّعيًا غياب المهارات اللازمة لتدوين القرآن، من موادّ للكتابة، ومعرفة باللغة العربيَّة تتجاوز الحفظ والاعتماد على الذَّاكرة (ص25). أمَّا عن الحديث الَّذي يستشهد به الباحث على ضياع بعضٍ من القرآن الكريم، فهو عن ابن عُمرَ يقول فيه “لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلَّهُ؟ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهْرَ مِنْهُ”. لا إنكار لصحَّة هذا الحديث، ولكن المقصود هو الآيات المنسوخة نصًّا الَّتي حُذفت وأُنزلت غيرها في وجود النَّبيّ (ﷺ)، بحسب ما يشير ابن حجر العسقلاني في كتابه فتْح الباري (جزء 11، ص253) “وَقَدْ أخرج ابنُ الضريس من حَدِيث ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَيَقُولُ إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ (ﷺ)”. يسوق المُسيَّح حديثًا من صحيح البخاري (5042)، عن أمّ المؤمنين عائشة، أنَّ النَّبيَّ(ﷺ) “سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ لقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِن سُورَةِ كَذَا وَكَذَا”، ويقصد بذلك أنَّ النَّبيَّ (ﷺ) كان ينسى الآيات؛ والرَّدُّ على هذا الافتراء هو أنَّ المقصود بذلك ما نُسخ وأُسقط من القرآن، وليس أنَّ النَّبيَّ نسيه.

شبهة اختلاف لغة القرآن عن سائر لهجات العرب

لا يكتفي الباحث بما سبق، بل يدَّعي كذلك أنَّ القرآن الكريم نزل “بلهجة عربيَّة لم تكن بعدُ خاضعة لقواعد اللغة العربيَّة الَّتي نعرفها” (ص29). يستشهد الباحث على هذا الزَّعم ببعض آيات يعتقد هو أنَّها تحتوي على أخطاء لغويَّة، مثل قوله تعالى “إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ” (سورة طه: الآية 63)، ويفترض أنَّ الصَّحيح هو أن يكون نصُّ الآية “إنْ هذين لساحرين”، برغم أنَّ الحرف “إنْ” هنا ليس ناصبًا، إنَّما هو للتَّوكيد؛ وبالتَّالي، “هَذَانِ” ليست اسم إنَّ، إنَّما هي اسم إشارة في محل رفْع المبتدأ في جملة تقديريَّة هي “إنْ هذا الرَّجلان لساحران”. أمَّا عن الافتراء الشَّائع بأن القرآن الكريم يحتوي على أخطاء لغويَّة، فهو يرجع في المقام الأوَّل إلى الجهل بقواعد العربيَّة وأساليبها البلاغيَّة، وعلى الزَّاعم أن يراجع اللغة وقواعدها قبل أن يرمي القرآن بفرية تدحض حجَّته هو وتزيد القرآن تشريفًا. سعيًا لإثبات أنَّ العرب لم يعرفوا أبجديَّة عربيَّة موحَّدة في تاريخهم، يدَّعي الباحث وجود ثلاثة أشكال للخطّ العربي، استُخدم كلٌّ بحسب المنطقة. يقسّم المُسيَّح شبه الجزيرة العربيَّة إلى 3 أقسام: القسم الشَّمالي، وهو يضمُّ سيناء مصر والشَّام وجنوب تركيا؛ والقسم الأوسط، وهو يضمَّ غالبية مساحة السَّعوديَّة وباقي دول الخليج؛ والقسم الجنوبي، وهو يضمُّ جنوب السَّعوديَّة واليمن. وفق هذا التَّقسيم، يُفترَض أنَّ القرآن بالخطّ الثَّمودي، وهو على النحو التَّالي:

يضيف الباحث أنَّ هذا الخط لا يشبه الخطّ الحجازي، الَّذي هو شبيه بالنُّقوش النَّبطيَّة الَّتي وُجدت في القسم الشَّمالي لجزيرة العرب، وليس الأوسط، وشكل أحرفها كما يلي:

يوضح الباحث أنَّ ما سُمّي بالخطأ، بحسب تعبيره، بالخطّ الحجازي هو تطوُّر للخطّ النَّبطي، ولم تكن أحرف الأبجديَّة العربيَّة، كما نعرفها اليوم، قد تشكَّلت بعد، حيث لم يكن هناك سوى 15 حرفًا من الـ 28 حرفًا المعروفة للعربيَّة في أحدث تطوُّر لها. أحدث التَّنقيط، الَّذي أدخله أبو الأسود الدُّؤلي على أحرف العربيَّة، بأمر من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، مزيدًا من التَّغييرات على اللغة ربَّما أفضت إلى تحريفات متكرّرة للنَّص القرآني، كما يدَّعي المُسيَّ. أدخل الدُّؤلي كذلك التَّشكيل لتمييز حالات الإعراب بحسب موضع الكلمة في الجملة، ويجد الباحث أنَّ في ذلك أيضًا مجالًا للتَّحريف والتَّبديل، برغم أنَّ التَّنقيط والتَّشكيل أُدخلا في القرن الأوَّل الهجري، وفي وجود حفظة القرآن من الصَّحابة، ممَّن كانوا سيتدخَّلون في حال كُتبت كلمة بالخطأ بعد إدخال التَّنقيط والتَّشكيل؛ أي أنَّ التَّنقيط والتَّشكيل أُدخلا بحسب النَّص المحفوظ ولتفادي الخلط واستبدال نصوص بغيرها، وليس أنَّ التَّعديل على شكل الأحرف أدَّى إلى التَّحريف، كما أراد الباحث أن يوهم القارئ.

فرية اختلاف قراءات القرآن الكريم

ومن بين الفريات الَّتي يأتي بها الباحث أنَّ غياب التَّنقيط والتَّشكيل في بداية تدوين القرآن الكريم هو الَّذي أدَّى إلى ما يُعرف اليوم بالقراءات العشرة، متجاهلًا أنَّ مسألة اختلاف القراءات أثير في زمن النَّبيَّ (ﷺ)، وأنَّه أقرَّ بصحَّة الاختلاف، موضحًا أنَّ القرآن نزَل على سبعة أحرف، قيل هي لهجات من لهجات جزيرة العرب حينها، وقيل كذلك هي اختلافات لغويَّة في التَّصريف وتكوين الجُمَل. ويروى عن أمير المؤمنين عُمر بن الخطَّاب، كما جاء في صحيح مسلم (818): “سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ علَى غيرِ ما أَقْرَؤُهَا، وَكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عليه، ثُمَّ أَمْهلْتُهُ حتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ برِدَائِهِ، فَجِئْتُ به رَسولَ اللهِ ﷺ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ علَى غيرِ ما أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ، فَقَرَأَ القِرَاءَةَ الَّتي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قالَ لِي: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ، فَقالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ منه”.  وقد ردَّ الإمام عبد العزيز بن باز، مفتي عام المملكة العربيَّة السعوديَّة ورئيس هيئة كبار العلماء في المملكة سابقًا، على ذلك بقوله إنَّ اختلاف قراءة الأحرف ليس “من تحريف أو تبديل ولا لبس في معانيها ولا تناقُض في مقاصدها ولا اضطراب، بل بعضها يصدق بعضًا ويبيّن مغزاه”، كما جاء في مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (5 /397). وقد قال رَسولُ اللهِ (ﷺ)، كما روى بن عبَّاس (رضي الله عنهما) وورد في صحيح البخاري (3219) وأخرجه البخاري (4199) ومُسلم (819)، “أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ علَى حَرْفٍ، فَلَمْ أزَلْ أسْتَزِيدُهُ حتَّى انْتَهَى إلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ”؛ أي أنَّ اختلاف القراءات كان منذ زمن النَّبيَّ (ﷺ)، وبوحي من جبريل (عليه السَّلام)، وفي ذلك تكذيب لما يدَّعيه المُسيَّح بقوله: “كانت المصاحف الأولى خالية من التَّنقيط والتَّشكيل والتَّهميز، الأمر الَّذي تسبَّب في ظهور القراءات المختلفة” (ص41).

فرية اختلاف محتوى مخطوطات القرآن الكريم

يُعنى المُسيَّح بدراسة المخطوطات القديمة للقرآن الكريم من باب “التَّأكُّد من تاريخيَّة القرآن ومعرفة البدايات الأولى لنشأة الخطّ العربي وتطوُّره، ومعرفة المراحل الَّتي مرَّ بها المصحف، من ناحية الشَّكل والمضمون” (ص71). يدَّعي الباحث وجود اختلافات في المخطوطات الأولى للقرآن الكريم دفعت أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان، في زمن الخلافة الرَّاشدة، ومن بعده الحجَّاج بن يوسف الثَّقفي، في زمن الخلافة الأمويَّة بتشجيع ممَّا فعله عثمان، إلى حرْق تلك المخطوطات، ممَّا شكَّل خسارة كبيرة للباحثين، زاعمًا وجود “اختلافات مهمَّة جعلت عثمان بن عفَّان يجرؤ على القيام بهذا الأمر”، وأنَّ ذلك “كان من بين الأسباب الَّتي عجَّلت بموته” (ص73). أمَّا عن مصدر تلك الفرية، فهو مقال “مشروع المصاحف الثَّاني في العصر الأموي” (2007م)، لعمر يوسف حمدان، الحاصل على الدُّكتوراه في اللغة العربيَّة وآدابها من جامعة توبنكن الألمانيَّة، كما يعرّف نفسه. غير أنَّ فتنة مقتل عثمان، أو الفتنة الكبرى، وقعت بسبب ادّعاء محاباة عثمان لأهله من بني أميَّة في المناصب وتغاضيه عن استيلائهم على أموال المسلمين، في مرحلة شهدت فيها دولة الإسلام الفتيَّة توسُّعًا غير مسبوق أثمر على ظهور الكثير من مصادر الدَّخل. وكما يروي ابن كثير في البداية والنّهاية أنَّ من أسباب الفتنة عزْل عمرو بن العاص عن ولاية مصر، وتولية عبد الله بن سعد بن أبي سرح عليها؛ وحينها فقدت دولة الخلافة السَّيطرة على الخوارج من المصريين، الَّذين استغلُّوا ذلك في تأليب النَّاس على الخليفة وتحريضهم على الخروج عن طاعته؛ أي ليس لحرْق المخطوطات القرآنيَّة المخالفة لإجماع حفظة القرآن الكريم دخْل في تأجيج تلك الفتنة.

رأي آخر بشأن تاريخ مخطوطات القرآن الأولى

في حلقة من برنامج “متواليات” الَّذي تذيعه قناة الغد الفضائيَّة بتاريخ 18 أكتوبر 2020م، يسرد المؤرّخ المصري يوسف زيدان قصَّة تدوين القرآن، مشيرًا إلى ما هو ثابت عن اكتمال التَّدوين في عهد عثمان بن عفَّان، ونسْخ عدَّة نُسخ من المصحف وإرسالها إلى الأمصار الإسلاميَّة، ومذكّرًا باحتفاظ عثمان بنسخة القرآن الكريم المفترَض أنَّها تمثّل نسخة ممَّا جرت تسميته “مصحف عثمان”، ومن المفترَض أنَّ عثمان هوجم بيته وهو يقرأ فيها وقُتل وهو يتلو قول الله تعالى “فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (سورة البقرة: الآية 137). تُعرف هذه النُّسخة باسم “مخطوطة طشقند”، حيث نُقلت إلى مدينة طشقند، وهي عاصمة أوزبكستان في وسط آسيا، وهي محفوظة اليوم في مكتبة مسجد تليا شيخ في منطقة هاست إمام (حضرتي إمام) في العاصمة الأوزبكيَّة.

مخطوطة طشقند للقرآن الكريم-من برنامج “متواليات”-18 أكتوبر 2020م

 يذكر زيدان أنَّه اطَّلع على تلك المخطوطة لفترة طويلة بإذن من المسؤولين في مكان حفظها حينها، وهو مكان يُسمَّى دائرة مسلمي أوزبكستان ووسط آسيا، لكنَّه “لم يطمئن في واقع الأمر إلى أنَّها هي نُسخة عثمان بن عفَّان”، مضيفًا أنَّه برغم وفائها بالمواصفات المعروفة عن رقائق التَّدوين حينها، فمن الصَّعب التَّسليم بأنَّها نُسخة “مصحف عثمان” الحقيقيَّة، وقد شاركه في ذلك الرَّأي بعض المتخصصين في علم المخطوطات (codicology). أمَّا عن سبب عدم الاطمئنان بشأن تلك النُّسخة اختلاف شكل أحرف الكتابة عن الشَّكل المعروف للكتابة العربيَّة في تلك الفترة، والمفترَض أنَّ المرجع في ذلك هو النُّقوش الَّتي اكتُشفت ويُعتقد أنَّها تعود إلى فترة ظهور الإسلام. يتطرَّق زيدان إلى اكتشاف مخطوطة يُعتقد أنَّها أقدم نسخة للقرآن الكريم عام 1972م في العاصمة اليمنيَّة، في الجامع الكبير أثناء ترميمه، سُمّيت باسم “مخطوطة صنعاء”، يعود تاريخها، على أرجح القول، إلى ما بين أواخر القرن الأوَّل وأواخر القرن الثَّاني الهجري. ولأنَّ تلك المخطوطة كُتبت بالخطّ الكوفي والحجازي، وغيرها من الخطوط غير المنقوطة، يعتقد زيدان في صحَّتها، ويؤيّد الرَّأي القائل أنَّها الأقدم والأوثق بين المخطوطات القرآنيَّة المتاحة حاليًا.

أثبتت الدّراسات اتّفاق مخطوطة صنعاء مع النَّصّ القياسي للقرآن، وانحصار الاختلافات في أشكال الكتابة لا تخلُّ بالمعنى، كما يشير بهنام صديقي ومحسن جودارزي في مقالهما “Sanā 1 and the origins of the Qurān-صنعاء 1 وأصول القرآن” (2012م). ومع ذلك، فهناك من المنصّرين المعاصرين والمشكّكين في ثوابت الإسلام، ومنهم محمَّد المُسيَّح صاحب الكتاب عن مخطوطات القرآن آنف الذّكر (2017م)، مَن يشير إلى تلك المخطوطة بوصفها دليل على تحريف القرآن الكريم، هو ما أفرد الدُّكتور سامي عامري، الباحث التُّونسي المتخصّص في مقارنة الأديان والمذاهب، حلقة للرَّدّ عليه من خلال قناته على موقع يوتيوب تحت عنوان “مخطوطة صنعاء، هل تطعن في عصمة القرآن من التَّحريف؟”، بتاريخ 17 يونيو 2019م. يذكر عامري أنَّه قد وصل إلى علمه أنَّ الدُّكتور محمد مصطفى الأعظمي، وهو باحث سعودي، هندي الأصل، تخصَّص في دراسة مقارنة الأديان توفي عام 2017م، لمَّا توجَّه إلى اليمن للاطّلاع على المخطوطات، لم يُسمح له إلَّا بالاطّلاع على رقائق مبعثرة غير كافية لتكوين رأي علمي دقيق، بينما تُركت المخطوطات بكاملها للباحثين الفرنسيين. أمَّا عن سبب الاحتجاج بتلك المخطوطات على عدم صحَّة القرآن وتحريفه، فهو وجود اختلافات بينها وبين المصحف الَّذي بين يدينا في تشكيلات الأحرف وفي وجود زيادات ونقصان في بعض الآيات.

يؤيّد عامري رأي أسماء هلالي، الباحثة التُّونسيَّة في مركز الاستشراق الألماني في ميونخ، في المخطوطة، الَّذي يكشف عنه عنوان مقالها “مصحف صنعاء مجرَّد كرَّاسة تعليميَّة” (2009م)، وهو أنَّ تلك الرَّقائق الَّتي عُثر عليها لا تعدو كونها رقع استخدمها حُفَّاظ القرآن الكريم في الدّراسة، وقد وافق ذلك الرَّأي عددٌ من الباحثين العرب والأوروبيين، من بينهم الدُّكتور عبد المجيد الشرفي، الباحث في الأدب والتَّاريخ الإسلامي. أمَّا عن السَّبب، هو أنَّ الكتابة غير احترافيَّة، ويُضاف إليه تكرار المسح وإعادة الكتابة، والخطأ في كتابة بعض الكلمات وعدم تصحيحها جهلًا بالصَّحيح، واستبدال كلمات بأخرى شبيهة. ومن القرائن الَّتي تثبت أنَّ مخطوطات صنعاء كانت للتَّدرُّب على كتابة القرآن وليس تدوينه وجود تنبيه بعد سورة الأنفال لعدم كتابة البسملة قبل سورة التَّوبة، وكأنَّما الكاتب يذكّر نفسه بعبارة “لا تقل باسم الله”.

لا يستبعد عامري وجود مصحف مخالف للمصحف الَّذي بين أيدينا اليوم في بعض الكلمات، ولكن لا يمكن استبدال المصحف الموحَّد بآخر مجهول الكاتب، ولا يمكن أن يُتَّخذ حُجَّة “على مصحف قامت عليه دولة الإسلام بسياسييها وعلمائها”، الَّذين جمعوا النُّسخ الأصليَّة لمخطوطات القرآن المكتوبة في زمن النَّبيّ (ﷺ) والمحفوظة في عهد أبي بكر، ومن بعده عهد عُمر، حتَّى عهد عثمان، وقارنوها بقراءة العرضة الأخيرة، وهي مراجعة أمين الوحي جبريل للنَّبي الكريم في آخر عام في حياته، وهي أوثق إصدار للقرآن الكريم وأصحُّ قراءة. يعني ذلك أنَّ “مصحف عثمان” هو بمثابة “مشروع علمي كامل متكامل” لأناس عاصروا صاحب الرّسالة واطَّلعوا على المخطوطات الأصليَّة، كما عرفوا الشَّهادة الشَّفهيَّة وطابقوها معها؛ على ذلك، لا يمكن الطَّعن في صحَّة هذا المصحف لصالح آخر مجهول في كلّ شيء.  أمَّا عن اختلاف ترتيب السُّور في مخطوطات صنعاء عنه في “مصحف عثمان”، فالرَّدُّ هو أنَّ ترتيب السُّور في “مصحف عثمان” اجتهادي، كما يرى جمهور العلماء.

المصدر: رسالة بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق