كتابات

تحريرات في مفهوم العبادة (2)

بقلم الشيخ د. سلطان العميري

من الأدلة الدالة على أنه لا يشترط في مفهوم العبادة اعتقاد معنى من معاني الربوبية في المعبود استقلالا أو تأثيرا في إرادة الله : الحكم بالكفر على من أقر بأن أصنامه لا تضر ولا تنفع , فقد ذكر الله تعالى عن قوم إبراهيم عليه السلام أنه أقروا بأن آلتهم لا تضرهم ولا تنفعهم بشيء , وأنهم إنما عبدوا تقليدا لآبائهم وحفاظا على ما ورثوه عنهم , ومع ذلك سمى الله تذللهم لها عبادة وسمى أصنامهم آلهة , كما في قوله تعالى : {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ** قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ** قال هل يسمعونكم إذ تدعون ** أو ينفعونكم أو يضرون ** قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}[الشعراء:70-74] .

فهذا الحوار يدل على أن قوم إبراهيم عليه السلام أقروا بأن أصنامهم لا تضر ولا تنفع , فإنهم لو كان يعتقدون فيه الضر والضر لقالوا لإبراهيم : بل وجدنا فيها ذلك , ولكنهم أضربوا عن هذا الجواب وانتقلوا إلى جواب آخر هو أنهم عبدوها لأنهم وجودوا آباءهم عليها , وتقرير هذا المعنى توارد عليه كثير من المفسرين , , يقول ابن جرير الطبري :” يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لهم: هل تسمع دعاءكم هؤلاء الآلهة إذ تدعونهم؟ … وقوله: {أو ينفعونكم أو يضرون} [الشعراء: 73] يقول: أو تنفعكم هذه الأصنام، فيرزقونكم شيئا على عبادتكموها، أو يضرونكم فيعاقبونكم على ترككم عبادتها بأن يسلبوكم أموالكم، أو يهلكوكم إذا هلكتم وأولادكم {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 74] . وفي الكلام متروك استغنى بدلالة ما ذُكر عما ترك، وذلك جوابهم إبراهيم عن مسألته إياهم: {هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون} [الشعراء: 73] فكان جوابهم إياه: لا ، ما يسمعوننا إذا دعوناهم، ولا ينفعوننا ولا يضرون، يدل على أنهم بذلك أجابوه. قولهم: {بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 74] وذلك رجوع عن مجحود، كقول القائل: ما كان كذا بل كذا وكذا ، ومعنى قولهم: {وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 74] وجدنا من قبلنا , ولا يضرون، يدل على أنهم بذلك أجابوه قولهم من آبائنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها، فنحن نفعل ذلك اقتداء بهم، واتباعا لمنهاجهم”.

ويقول مكي بن أبي طالب :” وقوله: {أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: {بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير”.

ويقول السمعاني :” قوله تعالى: {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} معناه: أنها لا تسمع أقوالنا، ولا تجلب إلينا نفعا، ولا تدفع عنا ضرا، لكن اقتدينا بآبائنا”, ويقول النسفي :” {قَالُواْ بَلْ} إضراب أي : لا تسمع ولا تنفع ولا تضر ولا نعبدها لشئ من ذلك ولكن {وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} فقلدناهم”.

ويؤيد ذلك أن إبراهيم عليه السلام لما كسرها وهم غائبون، وأُخبروا بأنه سُمِع يذكرها من قبلُ، لم يَستبعدوا قدرته على تكسيرها , فلو كانوا يعتقدون أنها تنفع وتضر لاستبعدوا أن يقدر إبراهيم على تكسيرها على الأقل .

ثم لمّا قال لهم: {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} عدلوا عن الجواب إلى أن: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ}.

ويشهد لذلك أيضًا أن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42]، فلم يجبه أبوه بشيء كأن يقول: بل يغني عني، بل {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46].

فإن قيل : إن الإضراب الذي وقع من قوم إبراهيم ليس إقرارا بأن آلتهتهم لا تضر ولا تنفع, وإنما هو انتقال من موضوع إلى موضوع , فلما لزمتهم الحجة ولم يجدوا جوابا حادوا عن محل السؤال وانتقلوا إلى موضوع آخر , فهم أضربوا عن النفي والإثبات جميعا.

قيل : سياق الكلام وطبيعة المحاججة تأبى ذلك , فإن السؤال ورد على القوم في سياق الإلزام لهم والإنكار عليهم , فلو وجدوا أدنى شبهة في أن آلتهم تنفه وتضر لما انتقلوا إلى الجواب بالتقليد “فقد وضح أن جوابهم هنا بناء على ما بنوه جواباً عليه لا يمكن غيره إلا بمخالفتهم المحسوس لو أنهم قالوا: إنها تسمع أو تنفع أو تضر، أو نسبتهم أنفسهم إلى ما عذر لعاقل في ارتكابه، ولا شبهة لو أفصحوا جواباً بأنها لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، ثم استمروا على عبادتهم إياها، فأضربوا عن ذلك إلى اعتمادهم على تعبد آبائهم، وجعلوا ذلك حجة على مرتكبهم على وهن هذا التعليق، ولهذا قيل لهم: (قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الأنبياء: 54)، إن جوابهم هنا ببل لازم لما قصده، ولا يمكن بسقوطها”.

 فإن قيل : إن أصل شرك قوم إبراهيم عليه السلام كان في التعلق بالكواكب واعتقاد النفع والنضر فيها كما نص على ذلك عدد من العلماء .

قيل : لا ننكر أن قوم إبراهيم كان لديهم شرك بالكواكب , ولكن ذلك لا ينفي أن لديهم أصنام أخرى عبدوها تقليدا لآبائهم , فظواهر القرآن تدل على أن إبراهيم عليه السلام حاجج قومه في الشرك الذي لديهم مرات متعددة وسألهم أسئلة مختلفة ومتنوعة في طبيعتها, ومع أن ابن تيمية جزم في بعض المواطن بأن أصل شرك قوم إبراهيم عليه السلام كان في عبادة الكواكب , إلا أنه بنه في بعض المواطن إلى أن شركهم كان بعضه من ذلك.

ثم إن الناس اختلفوا كثيرا في تحديد مفهوم الصابئة واعتقاداتهم , يقول ابن القيم :” وقد اختلف الناس فيهم اختلافا كثيرا ، وأشكل أمرهم على الأئمة لعدم الإحاطة بمذهبهم ودينهم”, فما يحدد من اعتقاداتهم إنما هو ظنون لا ترقى إلى درجة اليقين , فلا يصح أن نترك ما دل عليه القرآن يقينا من أن قوم إبراهيم أقروا بأن بعض أصنامهم لا تضر ولا تنفع ونعتمد على ما لا نملك فيه اليقين .

 ثم على التسليم بأنه يصح لنا الاعتقاد على الظن في تحديد قوم إبراهيم عليه السلام في الكواكب في مقابل قطعي القرآن , فمن المعلوم أن إبراهيم عليه السلام أرسل إلى الصائبة المشركين , وقد تحدث العلماء عن معتقدات الشركية , فذكر كثير منهم أنهم يعتقدون أنه لا بد لهم من وسائل تقربهم إلى الله تعالى , فاتخذوا الهياكل التي ترمز للكواكب لبلوغ ذلك الغرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق