تقارير وإضاءات

التعليم الإلزامي للعربية بباكستان.. جهود حالمة وواقع ثقيل

التعليم الإلزامي للعربية بباكستان.. جهود حالمة وواقع ثقيل

جهد آخر يتكلل بالنجاح، وتنتعش معه آمال عريضة في باكستان بأن تصبح اللغة العربية مادة إلزامية على قدم المساواة مع الإنجليزية والأردية، في جميع المدارس الحكومية في أرجاء البلاد التي يدين أهلها بالإسلام.

ففي مطلع فبراير/شباط الحالي أقرّ مجلس الشيوخ في إسلام آباد بالأغلبية مشروع قانون تقدّم به السيناتور جاويد عباسي لجعل اللغة العربية إلزامية في مدارس العاصمة إسلام آباد، على أن تُدرّس أساسيات اللغة من الصف الأول إلى الخامس، ويُدرّس النحو من الصف السادس إلى نهاية المرحلة الثانوية، ولم يعارض هذا القانون إلا عضو واحد هو السيناتور رضا رباني من حزب الشعب، والرئيس السابق لمجلس الشيوخ.

هذه المبادرة خطوة أولى تبنّاها المجلس قبل أن تعرض على البرلمان (الجمعية الوطنية) ثم على رئيس الجمهورية، حتى تصبح نافذة بعد 6 أشهر، وتأتي استكمالًا لعدد كبير من المبادرات المنفصلة التي أطلقت بهدف جعل اللغة العربية رسمية في التعليم الباكستاني.

وينص مشروع القانون على أنه يركز على اللغة العربية انطلاقًا من كونها لغة القرآن الكريم والحديث الشريف، ولغة البلاد التي يتوجه إليها جلّ الخريجين والعاملين الباكستانيين بحثًا عن فرص أفضل للعيش.

تأييد شعبي وتردد رسمي

وبخلاف الحكومات المتتالية التي تتعامل مع هذه القضية ببرود، فإن الشعب الباكستاني لديه رغبة عارمة في تعليم أبنائه اللغة العربية، كما أن أعضاء مجلس الشيوخ المنتخبين الذين صوّتوا بالأغلبية الساحقة لمصلحة القرار يمثلون هذه الرغبة الشعبية، حسب ما يرى الدكتور كفايت الله همداني، رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة الوطنية للغات الحديثة.

أما الحكومات فتفكر في الأمر من ناحية اقتصادية بحتة، فترى أن نجاح تطبيق هذا القانون على نطاقه الضيق حاليًا، في مدينة إسلام آباد، سيظل مرهونًا بالميزانيات التي تقرّها الحكومة وهي ميزانيات فقيرة بطبيعة الحال.

ويؤكد رئيس قسم اللغة العربية في جامعة العلامة إقبال، الدكتور سميع الله زبيري، أن مبادرات نشر اللغة العربية وتعليمها ليست بالشيء الجديد، فهناك أكثر من 10 ملايين باكستاني يتكلمون اللغة العربية في باكستان، وقد درّب القسم الذي يرأسه زبيري أكثر من مئة ألف خريج لتدريس اللغة العربية منذ تأسيس الكلية، لكنّ هؤلاء الخريجين كانوا يتركون لمصير وظيفي مجهول، فاللغة العربية كانت مادة اختيارية مقتصرة على بعض المدارس.

ويقول زبيري إن المناهج المعتمدة لتعليم العربية في باكستان قد عفا عليها الزمن، وإن كان مجلس الشيوخ قد قام بمهمته ورمى كرة التنفيذ في ملعب الحكومة فوزارة التعليم الآن هي سيدة اللعبة، وهي التي ستقرر كيف ستُدرّس اللغة، وما لم يكن هناك تعاون جادّ من وزارات التربية والتعليم في العالم العربي والمؤسسات العريقة كالأزهر، بإمداد باكستان بمناهج معاصرة ودورات تدريبية للأساتذة الباكستانيين على طرائق التدريس الحديثة، فإن مثل هذا القانون الذي انتظره الباكستانيون طويلًا سيظل حبرًا على ورق.

ويأسف في المقابل من أن جميع الجهود في هذا السياق هي جهود فردية مفككة، وليس هناك دعم يذكر من الدول العربية للكليات والأقسام والجمعيات التي تسهم في نشر اللغة العربية في باكستان.

أما الشارع الباكستاني فيُجمع على أن هذا القانون الذي زرع في جوانحهم أملًا كبيرًا، ما زال يكتنفه الغموض إذ يُعتَقد على نطاق واسع أن طرحه جاء أساسًا لقطع الطريق على لجنة تطوير المناهج التي تنوي حذف جميع النصوص الإسلامية من المنهج الموحد الذي يُعمل على إعداده لأول مرة في تاريخ البلاد.

وقصد معدّ مشروع القانون إلى عدم السماح للجنة بالمساس بالنصوص القرآنية والأحاديث الشريفة الموجودة في المناهج الحالية على الأقل.

ويؤكد أستاذ الأدب في جامعة البنجاب في لاهور، الدكتور عبد القدير، أن القرار لا يزال مجرد نوايا طيبة، وعناوين عريضة جدًا تفتقر إلى الآلية الواضحة للتنفيذ، كما أنه يتّسم بمحدودية التأثير لأنه يقتصر على مدينة واحدة هي العاصمة الفدرالية إسلام آباد.

كما أنه على مدى عقود طويلة ظلّ القائمون على المدارس الدينية الملحقة بالمساجد سدنة لتعليم اللغة العربية في باكستان، ثم باتت هذه المدارس تنضوي تحت جمعية “وفاق المدارس العربية”.

الدكتور عبد القدير يعدّ القانون مجرد نوايا طيبة وعناوين عريضة يكتنفها الغموض بالنسبة لآلية التنفيذ (الجزيرة)

المدارس الدينية تدعم

ويقول الناطق باسم “وفاق” الشيخ عبد القدوس محمدي -في تصريحه للجزيرة نت- إن عدد هذه المدارس والجامعات الإسلامية يبلغ أكثر من 22 ألف مدرسة.

وينفي الشيخ عبد القدوس محمدي الانطباع السائد بأن هذه الجهات الدينية تحاول احتكار تدريس اللغة العربية لنفسها، أو أنها تخشى أن تفقد حاضنتها الشعبية لمصلحة التعليم الرسمي، مؤكدا أن الجمعية مستعدة أن تدعم وزارة التعليم بالعدد الذي تحتاج إليه من الأساتذة المدرّبين، وتضمن لها الحصول على نتائج باهرة نظرًا للمحبة والشغف الذي يكنّه الشعب الباكستاني لتعلم لغة القرآن، وكي يتحول هذا القانون الجديد إلى واقع ملموس يمكن تعميمه لاحقًا على بقية مدن البلاد، ويستفيد منه الطلاب ويؤمن فرص عمل للعدد الهائل من خريجي كليات اللغة العربية المتناثرة في أرجاء باكستان.

وعبّر محمدي عن أسفه الشديد من أنه على مدى سنواته الطويلة التي قضاها في إدارة هذه المؤسسة المشرفة على تعليم اللغة العربية، لم تتلق المؤسسة أي مبادرات عربية حقيقية لإقامة دورات تدريبية أو تحديث للمناهج أو استضافات لأعضاء هيئة التدريس، بخلاف الدول الإقليمية الأخرى التي تبذل الغالي والنفيس لدعم لغاتها وثقافاتها، كالثقافة الصينية والفارسية التي تتنامى بشكل سريع.

كما أن هذه المؤسسة التي وصفها يومًا عدوّها اللدود -الجنرال برويز مشرف- بأنها الجمعية الخيرية الأكبر على وجه البسيطة، ظلّت تواجه تهم الإرهاب وتجفيف مصادرها ومنابعها عقدين من الزمان بلا أي سند حقيقي، وقد اتخذت مبادرات ذاتية كثيرة لتعليم العربية وتفسير القرآن وترجمته وتقديمه إلى شرائح المجتمع كافة.

وختم محمدي بقوله إن خير انتشار العربية في باكستان يعمّ العالم العربي أيضًا حيث يقيم أكثر من 5 ملايين باكستاني من العمال المهرة، وإن نجاح تطبيق مثل هذا القانون لن يتم إلا بتضافر جميع هذه الجهود.

(المصدر: الجزيرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق