تقارير وإضاءات

الإرهاب الأمريكي من «ماي لاي» إلى «قندوز»

إعداد محمد شخبة

تمر الذكرى الخمسين لإحدى الجرائم الإرهابية التي ارتكبها جنود الجيش الأمريكي في فيتنام، وهي مجزرة قرية ماي لاي، في ظل جريمة جديدة ارتكبها الجيش الأمريكي، هذه المرة في قندوز الأفغانية، حيث قتلت الطائرات الأمريكية أكثر من مائة طفل في مدرسة لتعليم القرآن الكريم. البروفيسور روبرت هوديرن، أستاذ الصحافة بجامعة ريتشموند، وأحد من قاموا بتغطية الحرب في فيتنام، كتب في ذكرى المذبحة الأولى متسائلاً: «متى يعاقب الجنود الأمريكيون على جرائمهم؟».

صبيحة السادس عشر من مارس/آذار 1968م، كانت ساثي كواي، التي كانت تبلغ من العمر 43 عامًا، تقطن في قريتها الصغيرة على ساحل بحر الصين الجنوبي، في منطقة عرفت وقتئذ باسم «فيتنام الجنوبية»، عندما رأت الجنود الأمريكيين لأول مرة.

عندما أتى الجنود الأمريكيون لأول مرة، ابتسموا في وجوهنا، ووزعوا الحلوى على الأطفال، وغادروا، لم نكن نعرف لغتهم، لكنهم ابتسموا لنا وقالوا كلمة «أوكيه»، فتعلمنا كلمة «أوكيه»، ولما أتوا في المرة الثانية، سقيناهم الماء، فغادروا دون أن يقولوا شيئًا، وفي المرة الثالثة، قتلوا جميع من في القرية، كان اسم هذه القرية «ماي لاي».


الذكريات المظلمة لجريمة مروعة

إذا تذكر الأمريكيون اسم هذه القرية بأي حال، فلعلهم يتذكرون أن أمرًا سوداويًا ومشينًا قد حدث فيها، لعلهم لا يتذكرون التفاصيل بدقة، وقد يكون جل ما تسعفهم به الذاكرة هي تلك الصور صفراء اللون لأجساد الفيتناميين المكومة في حفرة، أو اسم ضابط برتبة ملازم يُدعى كالي. ولكن في الذكرى الخمسين لما حدث في تلك القرية، يجدر بنا أن نستدعي تلك التفاصيل المخزية، على أمل ألا تتكرر تلك المأساة في أماكن مشابهة.

حتى الآن، لا يزال السؤال حول الأوامر التي تلقتها الفرقة 23 مشاة، ومن الذي أعطى تلك الأوامر تحديدًا، دون إجابة. لكن الإجابة الواضحة هي أنه على مدار أربع ساعات في صباح ذلك اليوم، عصف شباب أمريكيون بأهل تلك القرية قتلًا واغتصابًا. وعندما توقف هؤلاء الشباب لتناول وجبة الغذاء، كانوا قد ذبحوا 504 فيتناميين من كبار السن والنساء والأطفال، لم يُقتل شاب واحد في سن القتال، ولم يعثر إلا على سلاح واحد يملكه الفيتناميون، في بعض الأحيان، كان الجنود يطلقون النار على الفيتناميين كل على حدة، وفي أحيان أخرى، كانوا يدفعونهم إلى الخنادق في جماعات، ثم يمطرونهم برصاص الرشاشات الآلية.

وأحيانًا، كان الأمريكيون يتعاملون مع قتل الفيتناميين كلعبة مسلية، فأحد الجنود ألقى بشيخ جريح في إحدى الآبار، ثم ألقى عليه قنبلة يدوية، بينما طعن زميل له شيخًا آخر بحربة بندقيته حتى أرداه قتيلًا، وشهد جنود آخرون في المحكمة العسكرية بأن زميلًا لهم، مسلح بقاذفة قنابل، كان محبطًا لعدم قدرته على المشاركة في القتل بسلاحه هذا، فما كان منه إلا أن جمع بعض النساء والأطفال معًا، ثم تراجع وقذفهم بعدة قنابل متتالية، بينما أجهز جنود آخرون على الجرحى بالمسدسات. كان يمكن للضباط، وفقًا لمعايير الجيوش المنضبطة عسكريًا، السيطرة على جنودهم وإيقاف العنف ضد العزل، إلا أنهم شاركوا جنودهم سفك الدماء.


فجّر دماغها

وفقًا لشهادات الجنود، أطلق النقيب إرنست مدينا النار على امرأة جريحة وأرداها قتيلة، وأمسك الملازم ويليام كالي امرأة أخرى من شعرها ثم فجر دماغها بطلقة من مسدسه، ثم تبع ذلك بإطلاق النار على رضيعها الذي كانت تحمله، وإجمالًا، قتل كالي أو أمر بقتل ما يزيد على 100 مدني وحده.

وجدير بالذكر أن تلك المذبحة لم تكن لتخرج إلى العلن إلا بفضل أحد الجنود الذي كان صحفيًا نابهًا يُدعى رونالد رايدنهاور، والذي كان يخدم في ذلك الوقت في نفس الفرقة لكنه لم يحضر تلك المذبحة، وعندما سمع بها، التقى بالجنود الذين كانوا هناك وكتب ما سمعه منهم، وأرسل شهاداتهم في خطاب إلى 30 عضوًا في الكونجرس الأمريكي وإلى وزارة الدفاع الأمريكية.

وعندما بدأت القصة في الانتشار، بفضل المحقق الصحفي الشاب سايمور هيرش، وهو جندي آخر حضر المذبحة في ماي لاي، ونشر الصور الملونة التي تمثل أفضل توثيق للفظائع التي حدثت في تلك القرية.

لقد غطيت الحرب في فيتنام كمصور صحفي لمدة عامين، وعندما سمعت عن قصة ماي لاي، أتذكر أني صعقت، لقد رأيت قرىً تُحرق، وفيتناميين يُخرجون من ديارهم، إلا أني لم أر شيئًا يشبه ما حدث في ماي لاي.

وفي خضم هذه الدعاية السلبية، عين الجيش الأمريكي أحد كبار قادته ذوي السمعة الطيبة، الفريق ويليام بيرز، لتولي التحقيقات حول هذه الحادثة، ولمدة أربعة أشهر، استمع بيرز ومعاونوه لشهادات 400 شاهد أدلوها تحت القسم، وكتبت شهاداتهم في نحو 20 ألف صفحة.

منذ عشرة أعوام مضت، اكتشفت سيلينا دونلوب، أحد المنتجين الكبار في لندن، أن تلك الشهادات قد سجلت صوتيًا على شرائط، وأنتجت إذاعة بي بي سي البريطانية وثائقيًا من جزأين حول مذبحة ماي لاي مستعينة بتلك الشرائط، وكانت تلك المرة الأولى التي يُسمع فيها أصوات الجنود الذين شاركوا في تلك المذبحة وهم يصفون ما فعلوا وما رأوا، ولا يمكن لأي كاتب أن يصيغ تلك الفظائع التي ارتكبت في حق سكان ماي لاي بأفضل مما وصفها هؤلاء الجنود.


أبطال في قلب المذبحة

حرب فيتنام, طيار أمريكي, ماي لاي, مجازر, حروب الولايات المتحدة الأمريكية
الطيار الأمريكي هيو ج طومسون خلال تخطيط عسكري أثناء حرب فيتنام – 1969. ( مصدر الصورة : manhhai/flickr / CC BY 2.0 )

لم يتصرف بشهامة من الجنود الأمريكيين في ذلك اليوم سوى ثلاثة أشخاص، ضابط الصف هيو تومبسون، الذي كان يحلق بمروحية استطلاع صغيرة مع طاقم مكون من شخصين، جلين أندروتي، ولورنس كولبرن، قبل أن يروا المذبحة من أعلى، وشاهدوا الجنود يهاجمون جماعة من كبار السن والنساء والأطفال، فهبط تومبسون بمروحيته بين الجنود والمدنيين، وأمر طاقمه بإطلاق النار على الأمريكيين إذا فتحوا نيرانهم على المدنيين، واستدعى مروحيات أخرى لإجلاء المدنيين، وبسبب هذا التصرف، ظل تومبسون منبوذًا بين الضباط الآخرين لعدة سنوات تلت.

أما جرائم الاغتصاب في ماي لاي فكانت نادرًا ما تذكر، ولم يعرف عدد جرائم الاغتصاب التي تمت في ذلك اليوم على وجه الدقة، لقد اغتصب الأمريكيون العشرات من السيدات والفتيات، تصل أعمار بعضهن إلى 12 عامًا، ثم قتلوا وشوهوا الكثيرات منهن. وشهد أحد الجنود، ويدعى دينيس بانينج، من ريموند كاليفورنيا، بأن أحد الرقباء سحب فتاة صغيرة، وجرها إلى حجرة صغيرة دون باب، واغتصبها على مرأى من الجنود، كما تناوب ثلاثة جنود آخرين على اغتصاب فتاة أخرى، وكان الجنود في بعض الأحيان يقتلون الفتيات فور الانتهاء من اغتصابهن.


فشل القيادة

وفي النهاية، يطل علينا السؤال المُلح، كيف يتصرف الأمريكيون بهذه الطريقة؟ التي لا تختلف كثيرًا عن تصرفات الجنود النازيين في الحرب العالمية الثانية.

أحد التبريرات الشائعة وقتئذ كانت بأن تلك الوحدة قد تعرضت لهجوم شديد، وكان جنودها يعانون من صدمة نفسية ما، لكن في الواقع، كانت تلك الوحدة في فيتنام لمدة ثلاثة أشهر فقط قبل المذبحة، ولم تشارك في قتال حقيقي بالأسلحة النارية، ولم يقتل منها قبل المذبحة سوى خمسة جنود، قُتلوا جميعًا بالألغام أو برصاص القناصة، بينما كان الجيش الأمريكي يخسر ما بين 15 و20 جندياً كل يوم.

بينما يعتذر آخرون بأن هؤلاء الرجال كانوا جنودًا متدني الكفاءة، وحديثي التجنيد، ومن حثالة الجنود، لكن ذلك أيضًا غير صحيح، فوفقًا لتحقيقات الجيش كان هؤلاء الجنود مثل جميع الجنود الآخرين الذين لم يشاركوا في أي من هذه السلوكيات على كل المستويات؛ التعليم والذكاء والقدرة الجسدية.

وفي النهاية، خلص الجنرال بيرز، القائم على التحقيق، بأن المذبحة كانت ناتجة عن فشل القيادة، بداية من اللواء المسؤول عن الوحدة حتى باقي مستويات القيادة الأخرى، واستنتج أن 28 ضابطًا ومجندًا ارتكبوا جرائم حرب – بالقتل أو الاغتصاب – أو تواطؤ للتستر على تلك الجرائم، ومع ذلك لم توجه التهم إلا لـ 14 ضابطًا، ولم يُدن إلا الضابط كالي، وألغى الرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون، عقوبة المؤبد التي حكم عليه بها، لتجنب الضغط الشعبي الذي اعتبر أن كالي مجرد كبش فداء، وحكم على كالي بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف، قضى المدة الأكبر منها في منزله تحت الإقامة الجبرية. ولم يسمح نيكسون لبيرز أن يطلق عليها وصف مذبحة، وإنما سماها «مأساة ذات أبعاد ضخمة».

إن أحد الجوانب الأكثر إظلامًا في فكرة الاستثنائية الأمريكية هو الاعتقاد بأن الأمريكيين أكثر أخلاقية من غيرهم بطريقة ما، وأن الجنود الأمريكيين لن يذبحوا مدنيًا بريئًا، ويحتاج الأمريكيون لفهم أن الجنود -حتى الأمريكيين منهم – ارتكبوا جرائم شنيعة في كل الحروب في التاريخ البشري، وعلى أمريكا أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية تجاه تلك الجرائم، خاصة عندما ترسل أبناءها وبناتها للقتال في دول أخرى.

 

(المصدر: موقع إضاءات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق