حجيّة مفهوم المخالفة

حجيّة مفهوم المخالفة

إعداد قاسم عبد الواحد

الحمد لله, والصَّلاة والسّلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه, ومن والاه. أمَّا بعد:

فقد سبق أن تكلّمنا في بحثنا السابق عن المفهوم بنوعَيه؛ الموافقة, والمخالفة, وذكرنا أنواع كلٍّ من المفهومين؛ بعد أن بيَّنا المقصود بهما عند الأصوليّين, وذكرنا أن مفهوم الموافقة حجّة عند الأصوليين؛ وأنّه لم يخالف في حجّيته إلا الظَّاهريّة؛ وشبهتهم في ذلك؛ زعمهم أنّه من قبيل القياس؛ إذ القياس عندهم باطل.

والآن نتحدّث عن حجيّة مفهوم المخالفة, فنقول وبالله التوفيق: وقع خلاف بين أرباب علم الأصول في حجية مفهوم المخالفة؛ وذلك بعد اتّفاقهم ووفاقهم على حجيّة مفهوم الموافقة؛ فاختلفوا في حجية مفهوم المخالفة على قولين:

القول الأوّل: ذهب جمهور الأصوليِّين إلى أنّ مفهوم الصفة, والشّرط, والعدد, والغاية, والتّقسيم حجة؛ وأنّ مفهوم اللقب لا تقوم به حجّة[1].

الأدلة على حجيّة تلك الأنواع الخمسة:

الدليل الأوَّل: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله تصلّي عليه، وقد نهاك ربّك أن تصلّي عليه؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إنّما خيّرني الله فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة}[2] ، وسأزيده على السبعين» قال: إنه منافق، قال: فصلّى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله: {ولا تصلّ على أحد منهم مات أبدا، ولا تقم على قبره}[3].

وجه الدلالة من الحديث: أنّ في قوله صلى الله عليه وسلم: «لأزيدن على السبعين» بعد نزول قوله تعالى {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ}, استدلالاً بمفهوم المخالفة؛ لأنّه عليه الصلاة والسَّلام فهم من النص على السّبعين, أنّ ما زاد عليها, قد يكون حكمه مختلفا عن المقتصر على هذا العدد، فوعد بالزيادة على السبعين، لكنه نهي نهيا صريحا عن الاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم[4].

الدليل الثاني: ما أخرجه مسلم في صحيحه, من حديث  يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب: {ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»[5].

 وجه الدلالة: أنّ يعلى بن أميَّة, وعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – فهما من الآية انتفاء العمل بالقصر بعد ذهاب الخوف, وحلول الأمن؛ فأخبرهم النَّبيّ عليه الصلاة والسّلام أن الآية محكمة ولو في حال الأمن؛ إذا وجدت موجبات القصر؛ لأنّه صدقة, تصدّق الله بها على العباد, فدلّ ذلك على أنّ المفهوم حجة؛ إلا إذا عارضه دليل صحيح صريح.

 الدَّليل الثالث: ما أخرجه مسلم في صحيحه, من حديث عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود» قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان»[6].

 وجه الدلالة: أن عبد الله بن الصامت، وأبا ذرٍّ – رضي الله عنهما – فهما من وصف الكلب بالأسود؛ انتفاء ذلك الحكم في الأحمر, والأصفر؛ وهذا إعمال منهم – رضي الله عنهم – بالمفهوم.

 الدليل الرّابع: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنّ رجلا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو ورس»[7].

 وجه الدلالة: أنه لولا أن تخصيص الممنوع بالذكر يدل على إباحة ما عداه لما كان قول الرسول صلى الله عليه وسلم جوابا لسؤالهم؛ لأنهم سألوا عما يجوز لبسه أو يجب، فأجاب بذكر ما لا يجوز لبسه، فدل على أن ما عداه يجوز لبسه[8].

 الدليل الخامس: أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد له من فائدة، فإذا لم نعلم فائدته غير انتفاء الحكم عما عداه جعلنا التخصيص دالا على ذلك[9].

 والأدلة على أن مفهوم اللقب لا تقوم به حجّة ما يلي:

 الدليل الأول: عرفنا أن مفهوم اللقب:  هو ما يفهم من تخصيص الاسم المجرد بالحكم من نفي الحكم عما عداه, وسواء أكان الاسم لإنسان أو حيوان، اسم علم أم اسم جنس[100]؛ فنفي الحكم عمّا سوى ذلك الاسم المجرّد؛ يفضي إلى سدّ باب القياس[11].

 الدليل الثاني: ولأن الاسم لا يشعر بالتعليل، ولهذا لا يدل ذكره على نفي الحكم عن غيره.

 الدليل الثالث: ولأن الاحتكام في ذلك إلى لغة العرب، واللغة لا تدل على أن ذكر الاسم والنص على حكمه دليل على نفي الحكم عن غيره[12].

 القول الثاني في المسألة: وذهب الحنفية, وبعض المتكلّمين, إلى أنه لا تقوم بمفهوم المخالفة حجّة مطلقا[13].

 الأدلة:

 الدليل الأوّل: أنه يحسن الاستفهام، فلو قال قائل: «من ضربك عامدا فاضربه» حسن أن تقول: «فإن ضربني خاطئا هل أضربه؟», ولو دلّ على النفي: لما حسن الاستفهام فيه كالمنطوق[14].

الدليل الثاني: ولأنّ العرب تعلق الحكم على الصفة مع مساواة المسكوت عنه، كقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم}[15]، {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم}[16]، {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}[17] فالمسكوت -أيضا- محتمل للمساواة وعدمها، فلا سبيل إلى دعوى النفي بالتحكم[18].

الدليل الثالث: أن تعليقه الحكم على اللقب والاسم العلم لا يدل على التخصيص، ومنع ذلك بهت واختراع على اللغات، إذ يلزم من أن يكون قوله: “زيد عالم” كفر؛ لأنه نفي للعلم عن الله وملائكته, ويلزم من قوله تعالى: {محمد رسول الله}[19]  نفي الرسالة عن غيره، وذلك كفر[20].

ونوقش هذا: بأن هذا خارج محل النزاع؛ إذ لا خلاف بيننا في عدم حجيّة مفهوم اللقب.

الدليل الرابع: أنه كما أن للعرب طريقا إلى الخبر عن مخبر واحد واثنين مع السكوت عن الباقي: فلها طرق في الخبر عن الموصوف بصفة، فتقول: “رأيت الظريف، وقام الطويل” فلو قال، بعد: “والقصير” لم يكن مناقضة[21].

الدليل الخامس: أن تخصيص المذكور بالذكر, قد يكون لفائدة سوى تخصيص الحكم به؛ ومن الفوائد التي تستفاد من تخصيص شيء بالذكر ما يلي:

الفائدة الأولى: توسعة مجاري الاجتهاد؛ لينال المجتهد فضيلته.

الفائدة الثانية: الاحتياط على المذكور بالذكر، كي لا يفضي اجتهاد بعض الناس إلى إخراجه من عموم اللفظ بالتخصيص.

الفائدة الثالثة: تأكيد الحكم في المسكوت؛ لكون المعنى فيه أقوى كالتنبيه[22].

الترجيح: يظهر – والله تعالى أعلم – رجحان ما عليه جمهور أهل العلم في هذه المسألة؛ وهو القول بحجيّة مفهوم المخالفة؛ إلا مفهوم اللقب؛ وذلك لقوة الأدلة التي استدلّوا بها, وصراحتها, وصحتها؛ إذ فيها إعمال واعتبار الصحابة – رضوان الله عليهم – لهذه المفاهيم.

فإن قيل: إنّ في القرآن الكريم, والأحاديث الصحيحة, كثيرًا من مفاهيم المخالفة المتفق على عدم حجّيتها؛ فما تقولون في ذلك:

قلنا والعلم عند الله: الجواب عن ذلك من وجهين:

الوجه الأول: إمَّا أن تكون تلك المفاهيم المتفق على عدم حجيتها من قبيل مفهوم اللقب؛ وهذا غير حجة عندنا جميعا.

الوجه الثاني: وإما أن تكون تلك المفاهيم لم تتوفّر فيها شروط وضوابط الاحتجاج بمفهوم المخالفة.

وسنذكر في بحثنا القادم – بإذن الله تعالى – شروط وضوابط الاحتجاج بمفهوم المخالفة؛ لأنّ القائلين بحجيته قيّدوا الاحتجاج به بشروط وضوابط.

وإلى ذلكم الحين, نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المراجع

[1]  روضة الناظر وجنة المناظر 2/130-137, أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ص: 382 بنوع من التصرّف.

[2]  سورة التوبة: 80.

[3]  سورة التوبة: 84.

انظر: صحيح البخاري 6/67 برقم 4670.

[4]  أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ص: 382 بنوع من التصرّف.

[5]  صحيح مسلم 1/478 برقم 686.

[6]  صحيح مسلم 1/365 برقم 510.

[7]  صحيح البخاري 2/137 برقم 1543, صحيح مسلم 2/834 برقم 1177.

[8]  أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ص: 383.

[9]  المصدر السّابق.

[10]  المصدر السَّابق 381.

[11]  روضة الناظر وجنة المناظر 2/137 بنوع من التصرف.

[12]  أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ص: 385.

[13]  روضة الناظر وجنة المناظر 2/115.

[14]  المصدر السابق.

[15]  سورة النساء: 23.

[16]  سورة النساء: 102.

[17]  سورة البقرة: 229.

[18]  روضة الناظر وجنة المناظر 2/115.

[19]  سورة الفتح: 29.

[20]  روضة الناظر وجنة المناظر 2/116.

[21]  المصدر السابق.

[22]  انظر هذه الفوائد في المصدر السابق.

(المصدر: الملتقى الفقهي)