علماء من عصرنا

مذكرات الشيخ رفاعي طه (23) من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية .. حقيقة الصفقة بين السادات وبين التيار الإسلامي ضد اليسار

مذكرات الشيخ رفاعي طه (23) من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية .. حقيقة الصفقة بين السادات وبين التيار الإسلامي ضد اليسار

سجلها عنه وحررها: أ. محمد إلهامي

 

إذا أردت أن ألخص نشأة الجماعة الإسلامية في سياق واحد، يجمع ما سبق أن فصَّلْتُ فيه، فسيكون كالآتي:

• كانت المجموعة الأولى التي تشكلت منها نواة الجماعة الإسلامية من شباب يجد في نفسه إنسانا معارضا لهذا النظام المصري، وهم: صلاح هاشم وأسامة حافظ وحمدي عبد الرحمن وأبو بكر عثمان وناجح إبراهيم. ومن أبرز ما يدل على ما كان عندنا من المعارضة الجذرية لهذا النظام أن واحدا منا كان اسمه جمال عبد الناصر من شبرا فغَيَّرَ اسمه إلى: عبد الله عبد السلام نفورا من اسم عبد الناصر.

• بحث هؤلاء الشباب عن طريق للعمل وتحقيق أحلامهم، فبدأ عملهم داخل جامعة أسيوط، التفوا في البداية حول دعاة التمسوا فيهم الإخلاص مثل الشيخ مصطفى درويش وعبد الله السماوي، ثم دعاة الإخوان المسلمين ممن كانوا يجوبون الجامعات مثل الشيخ الغزالي وكذلك الأستاذة زينب الغزالي رحمها الله، وغيرهما.

• ثم حاولت جماعة الإخوان المسلمين احتواءنا لكنها لم تنجح، وكان لنا عليها مطاعن دينية تتعلق بعدم التزامهم عقيدة السلف الصالح وأن فيهم متصوفين، ومطاعن سياسية تتعلق بتهدئتهم مع نظام السادات ومحاولتهم احتواء الشباب كنوع من رد الجميل له لإخراجهم من السجون. وهذه الخلافات اجتمع فيها أننا كنا شبابا متحمسين قصيري النظر شديدي الحماسة مع طريقتهم الإقصائية الحادة التي تضيق مساحة التعاون فإما الهيمنة وإما المفارقة.

• ثم نجحنا في الفوز بانتخابات اتحاد الطلاب، وكان قفزة واسعة في نشاطنا الدعوي بالجامعة، وفي ظل هذا النشاط الدعوي كانت هذه المجموعة تمثل قيادة للجامعة، ومن هنا استطاع هؤلاء الشباب أن يكونوا هم المهيمنين على الحالة الدعوية في جامعات الصعيد، مما دفع الأستاذ مصطفى مشهور فيما بعد أن يحاول مع قيادات الجماعة الإسلامية أن ينضووا مرة أخرى تحت لواء الإخوان، وذلك في صيف 1978 أو 1979، لا أتذكر بالضبط، لكنه لم ينجح في إقناع هذا الجيل، حتى مع موافقة عدد قليل على العمل مع الإخوان مثل المهندس أبو العلا ماضي ومحيي الدين عيسى.

في ظل هذه الظروف كانت قناعاتنا تسوق إلى إنشاء جماعة جديدة، جماعة تلتزم بالعقيدة الصحيحة والهدي الظاهر، تناوئ السلطة وتستثمر حماسة الشباب وطاقتهم في معارضتها، تتجاوز جماعة الإخوان التي كانت قناعتنا وقتها أنها غير قادرة على حمل همّ الأمة.

بمقاييس ذلك الزمن، وقياسا إلى أعمارنا وخبراتنا كانت هذه فكرة أشبه بالمجنون، تحتاج إلى ثقة عظيمة في النفس، كما تحتاج عزما عظيما، وجهدا غير عادي، ولو اطلع أحدٌ على ما في نفوسنا وقتها لعدَّنا مجموعة مخبولة، ثلة طلاب في جامعة من الصعيد تريد أن تكون بديلا عن جماعة بحجم الإخوان المسلمين!!

بدأت النواة بصلاح هاشم وحمدي عبد الرحمن ورفاعي طه وكرم زهدي وأسامة حافظ وناجح إبراهيم، لكن التكوّن الفكري بالشكل السابق كان متمثلا بشكل أكبر في أسامة حافظ وصلاح هاشم والفقير إلى الله، بينما كانت للشيخ كرم زهدي نزعة جهادية، فهو أميل إلى ألا تكون الجماعة قائمةً على فكرة بقدر ما أنها تقوم على التغيير، والتغيير السريع، أي أنها جماعة ثورية!

وخلاصة الأمر أننا شرعنا في إنشاء جماعة على التصور السلفي وعلى العمل الثوري الذي يستهدف تغيير النظام.

عقدنا العزم على أن يكون أعضاء الجماعة الإسلامية أصحاب عقيدة صحيحة، عقيدة السلف الصالح، فشرعنا في دراسة العقيدة الطحاوية وتدريسها لأعضائنا، ولا بأس من التعريج على كتابي “التوحيد” للشيخ محمد بن عبد الوهاب وشرحه “فتح المجيد”، وفي الفقه لا بأس بدراسة كتب الفقه الحنبلي وإن كنا نميل في هذه المرحلة إلى كتب الفقه المقارن بصفة عامة، كنا نحاول أن نخط لأنفسنا خطًّا محددا بعيدا عن التجاذبات الموجودة عند السلفيين، الذين لم نكن راضين عن خطهم، وكنا نسميهم “صوفية الحركة الإسلامية”، أمثال الشيخ الدبيسي وأسامة عبد العظيم وغيرهم، وكان هؤلاء الأقرب إلينا، وكانوا هم سلفية القاهرة قبل أن يظهر الشيخ محمد عبد المقصود والمجموعات التي صارت تُعرف بسلفية القاهرة، ففي السبعينات لم يكونوا قد ظهروا بعد. وكان أخونا سيد العربي يمثل تيارا أقرب إلى التيار التكفيري بمعنى أنه لا يعذر بالجهل ونحو هذه الأمور، وكنتُ في هذه الأفكار أقرب إلى الفكر الذي لا يجنح إلى التكفير، ومع هذا كنت قريبا من الشيخ سيد العربي ومن الشيخ ناجح في نفس الوقت، وحاولت بقدر الإمكان أن أقارب بينهم بحيث يستمر سيد العربي ضمن الجماعة الإسلامية، لكن لم أنجح في هذا، وخرج سيد العربي، لكن في ذلك الوقت لم يكن قد أصبح تيارا بعد، ورجع إلى شبرا وصارت له مجموعة داخل شبرا.

صار للجماعة الإسلامية تأسيس فكري قائم على العقيدة الطحاوية، لا يجنح إلى التكفير، وعملنا في مرحلة مبكرة جدا قبل أن ندخل إلى السجون، مجموعة رسائل صغيرة في مسألة “عدم العذر بالجهل”، وتصدينا لفكر التكفير الذي نشره شكري مصطفى، لأنها بدأت في أسيوط، وكنا نحذر الشباب من ذلك. وعلى المستوى الفقهي لم نكن نتبنى مذهبا فقهيا لكن كان المذهب الحنبلي أقرب إلى مدرسة أهل الحديث، التي كنا نستند إليها، فكنا ندرس كتب: المغني والكافي والعمدة، وجاء المغني في مرحلة متأخرة لاتساعه وطوله بينما كانت البداية بالعمدة والكافي. بالإضافة إلى كتب ابن القيم وابن تيمية، وهؤلاء الثلاثة: ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم كانوا بمثابة المرجعيات العلمية التي ندرس كتبهم ونتتلمذ عليها ونقدمها، ثم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

وفي هذا كله كنا مجتهدين بذاتنا، لم نقلد أحدا، وعندما شببنا عن الطوق وقررنا تكوين الجماعة الإسلامية بدأنا في بحث “الطائفة” في مرحلة مبكرة جدا، إلا أنه أخذ قيمته العلمية بعدما دخلنا السجن، وربما نأتي في سياق آخر للتعريف بهذه الكتب، لا سيما الكتب الثلاثة: “الطائفة” و”شحذ الهمة” و”الميثاق” التي كانت أهم إنتاج الجماعة الإسلامية وتمثل محاورها الفكرية فيما بعد، لكن لا نزال الآن في الشكل الهلامي للجماعة الإسلامية.

كذلك أقمنا لقاءًا سميناه “لقاء الاثنين”، وبدأنا نجيب على سؤال: لماذا الجماعة الإسلامية؟ وبم تتميز؟ ولماذا فارقت الاتجاهات الإسلامية الأخرى؟ فشرعنا في بيان هذا نرد على رؤية الإخوان المسلمين، ورؤية أنصار السنة المحمدية، ورؤية الجمعية الشرعية، ورؤية بقية الأطياف الإسلامية بحيث نبرر ونفسر لماذا وجدنا أنه من الضرورة إنشاء الجماعة الإسلامية.

تركزت خلاصة الفكرة الثورية للجماعة الإسلامية في القيام على دعوة مكثفة مناهضة للنظام تعمل على تثوير الشعب المصري وكسر حاجز الخوف الذي ينتصب بين الناس وبين السلطة، ومن ثم فلا بد أن تدعو خطاباتنا ولقاءاتنا وكل محاضراتنا لتسفيه النظام المصري وكسر هيبته واختراق رهبته وتجريء الشعب عليه.

ولا شك أن مرحلة السادات كان فيها قدر كبير من الحرية لكافة التيارات، قياسا بما سبقها وبما تلاها من الحقبة العسكرية المصرية، فقد كان نشاطنا هذا كله علنيا، ومع هذا فلا ننسى أن هذا القدر الكبير من الحرية الممنوح للجميع كان السادات يريد أن يحرم التيار الإسلامي منه، لكن هذه المعادلة كانت صعبة وغير ممكنة التنفيذ بشكل كامل.

وهنا أنتهز الفرصة للرد على شائعة مشتهرة تقول بأن السادات سمح للجماعة الإسلامية أو للتيار الإسلامي بصفة عامة أن يضرب التيار اليساري داخل الجامعات، وأنه كان متواطئا معها، أو أن الجماعات الإسلامية كانت متعاونة أو متحالفة أو عميلة للسادات بشكل أو آخر.

إنني أقرر هذا بيقين أن هذه المقولة خاطئة 100%، بل إن السادات منح الشرعية والاعتراف الرسمي لثلاثة تيارات رئيسية: تيار الوسط الذي كان يمثله حزب مصر، والحزب الوطني الذي هو حزب السلطة، والليبراليين الذين كان يمثلهم في وقتها حزب الأحرار، ثم منح الشرعية لحزب الوفد وحزب العمل الذي كان أقرب إلى اليسار، وتمخض عن التيار اليساري جريدة الأهالي، فكان في مصر ثلاث تيارات تمنح الشرعية والاعتراف الرسمي، بينما لم يكن للتيار الإسلامي أي حزب رسمي!

لم يكن السادات متعاونا قط مع التيار الإسلامي، بل كان يعمل على تقويضه، وأكبر دليل على هذا سعيه الحثيث لاجتثاث الإسلاميين من اتحادات الطلاب، وكانت هي المؤسسة الوحيدة التي يهيمن عليها الإسلاميون لأنها تنتج من انتخابات الطلاب لا باعتراف من السلطة، واتحاد الطلاب هو مؤسسة صغيرة جدا إذا قورنت بالعمل السياسي الممنوح للتيارات غير الإسلامية، لقد كان السادات حريصا على إبقاء التيار الإسلامي خارج دائرة الشرعية ليكون نشاطه تحت التهديد الدائم، ولقد كان يستهزئ كثيرا –كما في اللقاء الشهير- بالأستاذ عمر التلمساني رحمه الله، ويناديه: يا عمر.. يا عمر، مجردا من أي ألقاب، وقد كان أكبر منه بحوالي خمسة عشر عاما!

يمكن للقارئ أن يرجع إلى التسجيل، ليستمع إلى الأستاذ التلمساني وهو يقول له: لو فعل ذلك غيرك لشكوته إليك، أما والأمر منك فإني أشكوك إلى الله، فيرد السادات: “اسحب شكواك يا عمر فإني أخافه”، في لهجة استهزائية واضحة. أضف إلى هذا هجوم السادات على شعائر الإسلام، وقد وصف الحجاب بالخيمة، وهجومه على الشيخ أحمد المحلاوي وقوله عنه: مرمي في السجن زي الكلب، وقد شن ضده حملة كبرى.

لقد كان السادات من خصوم التيار الإسلامي، وكان مناهضا له ساعيا في تقويضه، وفتح للتيارات الأخرى بما في ذلك اليسار الذي امتلك جريدة التجمع، وقد كانت صحيفة قوية في هذه المرحلة، وكان لكل تيار كيان إلا الإسلاميون، وغاية ما تحصل الإسلاميون عليه من كرم الحريات هذا مجلة الدعوة التي صدرت للإخوان المسلمين، وحصل الأستاذ حسين عاشور على تصريح لاستئناف صدور مجلة الاعتصام، وأصدر أيضا مجلة المختار، وقد صودرت هذه المجلات في غضبة السادات المشهورة عام 1981م.

والشاهد من هذا أن الحركة الإسلامية استفادت من الهامش الذي فتحه السادات للجميع، وكانت أقل هذا الجميع استفادة من هذا الكرم الساداتي، إن صح أن تسمى الحقوق كرما كأنها من جملة المنح والعطايا التي يهبها الحاكم للناس.

ولست أوافق حتى على القول بأن السادات فتح المساحة للجميع وهو يعرف أن التيار الإسلامي سيقوم بدوره في هزيمة التيار اليساري، ذلك أن قرار مواجهة اليساريين كان قرارا ذاتيا بدأه الإسلاميون من تلقاء أنفسهم وبطبيعة أفكارهم التي تناهض الكفر والانحلال اليساري، ولم يكن في ذلك مدفوعا من أحد إطلاقا. ومن الأدلة على ذلك أن التيار الإسلامي لم يسلم من السلطة وهو يواجه اليساريين بل تعقبته السلطة، فلقد كان يُساق الطلاب الإسلاميون إلى مجالس التأديب وتوقع عليهم العقوبات داخل الجامعات إثر ما يكون بينهم وبين اليساريين من المعارك والاشتباكات، فلم تكن السلطة تمنحنا ولا حتى غض الطرف عن هذه المعركة التي يُقال إنها في صالحها!!

إن كافة ما وقع بيننا وبين اليساريين من مواجهات واشتباكات وما حققناه من مكاسب إنما انتزعناه عنوة رغم أنف اليسار ورغم أنف السلطة معا، وأمورٌ مثل التي ذكرتها سالفا كالحجاب والكتاب الإسلامي والمعرض الإسلامي وتنظيم المدرجات لمنع الاختلاط بين الشباب والفتيات، والهدي الظاهر وغير هذا من محاولات صبغ الجامعة بالصبغة الإسلامية، كل ذلك إنما دفعنا ثمنه من أعمارنا ومستقبلنا وتحملنا ضريبة الفصل من الجامعة، وضريبة دخول المعتقلات والسجون في مرحلة مبكرة من أعمارنا إذ كنا في ريعان الشباب.

لم يكن نمو التيار الإسلامي في عهد السادات مقصودا منه، بل انفجر رغما عنه، ولقد حاول هو كثيرا أن يحتوي هذا التيار ويقلم أظافره ويقضي عليه، واستعمل في ذلك ذهب المعز وسيفه، ولكنه فشل في ذلك، ولقد حاول نظام السادات مرارا اختراق الجماعة الإسلامية، والقبض على رموزها، وحاول تحييدها، ومما وقع لي شخصيا أنه كان يُلقى القبض علي في الامتحانات بقصد تعطيل مساري الدراسي، وظللت على هذا الحال أربع سنوات في السنة الأخيرة من الكلية، فقد كان ينبغي أن أتخرج في سنة 1978 ولكني ظللت محروما من هذا التخرج حتى سنة 1982، ثم دخلت السجن ولا زلت لم أمتحن مادتين من مواد السنة النهائية. كان هذا شيئا من محاولات النظام تقويض الجماعة الإسلامية ورموزها وتشويههم، فكيف يُقال: أطلق السادات الحرية للتيار الإسلامي للقضاء على اليساريين؟ أو كيف يقال إن التيار الإسلامي كان متواطئا ومتعاونا مع السادات؟!

نعم، يمكن القول إن الجماعة الإسلامية لم تتعرض في عهد السادات لمثل الجحيم الذي تعرضت له في عهد مبارك، ولكن قياسا بما كان موجود من هامش الحرية، فقد تعرضت الجماعة الاسلامية تعرضت لأكثر أنواع التضييق في ذلك الوقت.

وحين أقول “الجماعة الإسلامية” فأنا أعنيها من بين كل التيارات الإسلامية، ولكن لا يعني هذا أن بقية الإسلاميين كانوا ينعمون بحرية كالتي ينعم بها الآخرون، بل حتى الإخوان المسلمين، بالرغم من موقفهم المهادن للنظام كان مضيقا عليهم، وما إن ارتفع صوتهم حتى شرعت السلطة في تقويضهم كذلك، وأشهر ما في هذا ما جرى بين السادات والأستاذ التلمساني، وما جرى بين السادات وعبد المنعم أبو الفتوح وصياح السادات في وجهه: قف مكانك.. قف مكانك! الإسلام علمكم ذلك الأدب؟!

لقد ضاق السادات ذرعا بالتيار الإسلامي، ولم يكن مستعدا أن يقبل بهذا النمو الذي كان رغما عنه، مع أن الإسلاميين في هذا الوقت لم يكونوا يملكون شيئا غير الكلمة، ولقد كان يعلم أننا لا نملك شيئا غير هذه الكلمة.

(المصدر: مجلة كلمة حق)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق