كتاباتكتابات مختارة

«شيوخ ودعاة السلطة» و«التوظيف السياسي النجس»(3)

«شيوخ ودعاة السلطة» و«التوظيف السياسي النجس»(3)

بقلم محمد المرشدي

وعلى الرغم من أن فكرة الدولة القُطْرِيَّة الحديثة كانت قد نشأت كَمُنتجٍ بشري يرفض هَيْمَنَة الكنيسة والحكم باسم الرَّب، ويُؤَسِّس لِعَلْمَانِية الدولة و سيادتها المُطْلَقة على السُلْطَة الدِينية (الكَنَسِيَّة) التي كانت شائعة في أوروبا قبل ظهور مفهوم الدولة القُطْرِيَّة، إلاَّ أن الحُكَّام الأوائل للدِوَلة القُطْرِيَّة الوليدة في أوروبا واجهوا مشكلة كبيرة في تَطْويع الشعوب التي توارثت عقائدها الإثْنِيَّة لمئات السنين، واضطروا في نهاية أمرهم للاستعانة بِرِجال الدين (رغم عدائهم السافِر لهم) لا سيما في المواقف الحَرِجَة التي تحتاج لِحَشْدٍ شعبي، و لهذا حَرِصَت كل الأنظمة الحاكمة في كل الدول الغربية على اختلاف مشاربها الإثْنِيَّة والثقافية والاقتصادية على استخدام رجال الدين كأحد أهم أدواتهم في الحُكْم، وليس كقوة مؤثرة، أو كشريك في نظام الحُكم .

واتَّبَع الحُكَّام في بلادنا الإسلامية -وهم يؤسسون للدولة القُطْرِيَّة الحديثة- سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهم من حُكَّام الغرب المسيحي شِبْرًا بِشِبْر وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، فتم إخضاع كل المؤسسات الرسمية الدينية في كل بلاد المسلمين -قَسْرَاً- لِسُلْطة الدولة كما فعل سادتهم و أولياء أمورهم الغربيين مع الكنيسة في بلادهم، ولم يكتفوا بالسيطرة التامة على مراكز الفتوى والريادة الدينية كالأزهر والحرمين والتعليم الشرعي والجامعات والمعاهد و المدارس الإسلامية، بل تعدوا ذلك للسيطرة التامة على كل الأوقاف في شتى البلاد الإسلامية لِحَصْرِ جهات الصَرْفِ على كُلِّ ما هو إسلامي في يد أنظمة الحُكْمِ فقط، وأصبح المُفْتين والعلماء وشيوخ المساجد مُجَرَّد مُوَظفين رسميين تتحكم الدولة في تَعْيينِهم و عَزْلِهم و مَعَاشِهم، وبذلك خضع الخطاب الديني الرسمي في بلاد المسلمين بِالكُلِّيَّة لأنظمة الحُكم وتوجهاتها، حتى ظهرت منهم أجيال تدين بالولاء الكامل للحكومات من دون الله حتى و لو خالفت شرع الله!!

كان هذا على مستوى الهيئات و المؤسسات الرَسْمِيَّة، أمَّا بالنِسبة للعلماء والدعاة غير الرسميين، فقد كان بينهم و بين أنظمة الحُكْم ثمة إتفاقٍ مُذْعِنٍ غير مكتوب بعدم التناول للشأن العام، ولا لِنظام الحُكْم ولا لشخص الحاكم أو أسرته مهما كانت التجاوزات، ومهما كانت الأحداث!!، وكل مَنْ يَخْرُج ولو قيد أُنْمُلَة عن هذا الاتفاق الصامت “الجائر” فجزاؤه ليس فقط الخروج من دائرة الدعوة أو مِن القُطْرِ، بل ربما الخروج من الحياة بالكلية، فلا سبيل لتجاوز هذا السقف في الدولة القُطرية الحديثة أبداً، إذ أنَّ تمدد مساحة الدين داخل الدولة القُطرية يهدد وجودها، فالدولة القُطْرِيَّة الحديثة تقوم في الأساس على استبعاد الدين تماماً من منظومة الحُكْم الفاعِلَة .. وهذه هي “قواعد لعبة الحُكم” في ظِلِّ الحضارة الغربية المُهَيْمِنَةَ على عصرنا الحالي، والتي لا يُمْكِنْ لأحدٍ مجاوزتها، لا مِنَ الحُكَّام ولا مِنَ المَحْكُومين، ” فلا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين، اللهم إلاَّ في فترات ضعف نظام الحُكْمِ التي قد تسمح بتمدد حقل الدعوة إلى الله قليلاً وارتفاع سقفها حتى حين!! والعكس صحيح بلا شك، فكلما قَوِيَ نظام الحُكْم، كلما ضاقت وتقلصت مساحات النفوذ الشرعي، واتسعت دائرة الكُفْر والمُحَرَّمَات وشاعت بين الرعية، وكلما أصبح تناول هذه المُحَرَّمات بالرفض في الخطاب الدعوي (سواءً في ذلك الرسمي وغير الرسمي) ليس فقط من الممنوعات بل ومن المستحيلات في كثير من البلدان والأزمان، حتى رأينا العلماء والدعاة يسكتون عن شيوع الرذيلة، ومحاربة الدين والمتدينين، والنَيْلِ مِنَ المُقَدَّسات والرموز الإسلامية، وشيوع الظُلْم والتعذيب، وانتشار الفساد ومطاردة المُصْلِحين!!

ولعل هذا ما يُفَسِّر لنا ليس فقط السلوك المُخْزِي لشيخ الأزهر (رئيس أكبر مؤسسة دينية في مصر) عندما وجدناه داعماً أو بالأحرى شريكاً في الانقلاب الدموي الذي راح ضحيته الآلاف من خيرة وأطهر من أنجبتهم مصر، وقُلْ مثل ذلك على سكوت بل ومباركة شيوخ الحرمين للتنكيل بالعلماء المصلحين وقتلهم وسجنهم ونفيهم، وقُلْ مثل ذلك على سَيْلِ الفتاوى “الرسمية” المؤيدة لقتل المعارضين في مصر و الحجاز وسوريا و… و… والتي لم تتوقف حتى عند مثل هذه الفتاوى الوظيفية الساقطة شرعاً، بل تعدتها للتصديق على أحكام الإعدام القضائية الجائرة للمئات من المعارِضين في مُحاكمات هَزْلِيَّة لم تتجاوز في بعض الأحيان السُويعات القليلة، حيث مَثَّلَت هذه التصرفات والمواقف المُشينة من هؤلاء القُضاة والشيوخ والمُفْتِين مجرد “سلوك وظيفي طبيعي” في دولاب الدولة يُنْفِذون من خلاله إرادة الحاكم، غير أنه فقط قد تَدَثَّرَ بِلِبَاسٍ شَرْعِيٍّ لتمريره على البُسَطاء، ولم يَكُن أبداً في حقيقة أمْرِه مُصادقةً شرعية على مثل هذه الجرائم والخَطايا التي لا نقول يبرأ منها الإسلام، بل ويبرأ منها أي دين!!

ولم يَبْعُد سلوك مَنْ انخرَطَ من العلماء والدعاة غير الرسميين في هذه الأحداث المشئومة المشار إليها آنفاً عن سلوك نظرائهم من الرسميين، بل كانوا مثلهم سواءً بسواء، حيث كانوا جزءاً أصيلاً داعماً في جنايات منظومة الحكم الدموية، بل وأكملوا دورهم الوظيفي في منظومة الحكم بتقمص دور المُعارضة السياسية الكارتونية “الملتزمة بالسقف المحدد لها”!! فأكملوا بذلك الديكور اللازم لإخراج هذه المسرحية الهزلية!!

وباشروا فضلاً عن ذلك دوراً أشَدُّ حقارة و خِسَّة حين قاموا بإلهاء شعوبهم المُصْطَلِيَة بنار الثورات والمؤامرات في قضايا ثانوية وخِلافِيَّة، فَعَقَدوا الدروس والخُطَب والندوات للحديث عن وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لِاُمِّنا خديجة رضي الله عنها، وعَدْلِهِ بين أزواجه و… و….، وإنبروا للفتاوى الغريبة كترك الزوجة للمغتصب إن تيقن هلاكه حال الدفاع عنها، وراحوا ينشرون على صفحاتهم وجرائدهم غرائب المسائل في الوقت الذي كانت فيه الأنظمة التي يدعمونها تُرِيق أنهاراً من الدماء كل يوم، وتنتهك كل الحُرُمات!! ولله درّ سلطان العلماء “العز بن عبد السلام” القائل: “من نزل بأرض تفشى فيها الزنا فحدث الناس عن حرمة الربا فقد خان”، ولولا خَشْيَةُ الإطالة لأَوْرَدتُ في هذا الشأن عشرات الأمثلة.

ولم يكتفوا بجناية إلهاء الشعوب عن عظائم أمورها، بل راحوا يَصْرِفُونهم عن السَمَاع للمُصْلِحين الذين رفضوا الخضوع لقواعد لعبة الحُكْم القذرة، فتجاوزت جنايتهم جناية الشيوخ والدعاة الرسميين الذين انتهت جنايتهم عند الأكل بدينهم، فكانوا (الدعاة والشيوخ غير الرسميين) أسوأ مثلاً، وأخس حالاً، وأخسر صفقةً من علماء ودعاة السوء الرسميين إذ باعوا دينهم بدنيا غيرهم، من بعد أن رزقهم الله شيئا من المعرفة بدينه، وطَرَفا من الفهم لكتابه، و لكنهم – وبئس ما فعلوا حَرَّفوا الدين، وتلاعبوا بالشريعة، وضَلَّلوا الناس، ولَبَّسوا الحق بالباطل، فلا ديناً حفظوا، ولا دنيا دامت لهم!!

وقد ضرب الله لعالم السوء هذا في القرآن مثلاً لا أشد منه في كتاب الله حيث شَبَّهَهُ بالكَلْبِ اللاهث في كل أحواله، فقال سبحانه (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) .

وليس خَفِيّاً خضوع العلماء والدعاة غير الرسميين لنفس قواعد لعبة الحُكم في الدولة القطرية الحديثة، فمن اعترض منهم على أي سلوك لنظام الحُكْم فإنَّه كالرسميين منهم سواءً بِسواء ليس له مقام داخل هذه الدولة إلاَّ في السجون أو تحت الأرض!!

وكلما اَسْتَسْلَم الشيوخ والدعاة، ورَضوا بهذا الدور المَهين في تَرْسيخ نموذج الوطن “العلماني”، كلما اِسْتَأسَدَت عليهم أنظمة الحكم وسَخِرَت منهم، حتى أصبحوا مَادة شِبه يومية للسُخْرِيَة في الإعلام والسوشيال ميديا، وصاروا يفقدون شيئاً فشيئًا ما تبقى لهم من رصيدٍ في قلوب العامة، وكل ذلك مع الأسف وهم يُشَيِّدون مع باقي النُخبة العلمانية يداً بيدٍ، وكتفاً بِكَتف هذا الوثن المزعوم وطناً!!

ومازال للحديث بقية

** ولا يفوتني أن أعتذر لإخواني عن الانقطاع الذي حدث في عرض هذا الموضوع .

(المصدر: صحيفة الأمة الالكترونية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق