كتاباتكتابات مختارة

تنصيب الأنظمة العربية هو صفقة القرن الحقيقية!

تنصيب الأنظمة العربية هو صفقة القرن الحقيقية!

بقلم أ. محمد إلهامي

في نفس اليوم (28 يناير 2020م) سقطت معرة النعمان بيد قوات نظام الأسد، وأعلن ترمب صفقة القرن واقفا إلى جوار نتنياهو، ونشر خريطة لقطع من الأرض المتمزقة والمتناثرة ومعها خمسين مليار دولار كحلٍّ للقضية الفلسطينية.

يمكن قول الكثير في كلا الأمريْن، وهو ما ستفيض فيه الأقلام لا ريب، لكن الذي يجب أن يلفت النظر في كلا الأمريْن هو الحرص الأجنبي على بقاء السلطة المحلية “الوطنية” في مشهد الصراع، فإذا كانت روسيا قادرة على هزيمة الثورة السورية بتفوقها العسكري الكاسح، وإذا كانت إسرائيل قادرة على احتلال الأراضي الفلسطينية، فلماذا يحرصان على بقاء سلطة الأسد ونظام محمود عباس؟!

إن فهم هذا الحرص قد يكون مفتاح الحل الرئيسي لقضايانا المتعددة، لقد وفَّرت هذه الأنظمة كل ما من شأنه أن يجعل احتلال بلادنا عملية سهلة سائغة قليلة التكاليف للأجنبي المحتل، ومن ثَمَّ فإن بقاءها صار ضرورةً لا يمكن الاستغناء عنها. فلا يمكن لإسرائيل أن تعيش بدون سلطة فلسطينية، ولا يمكن لروسيا أن تخوض حربها ضد الثورة السورية بدون نظام الأسد، ولا يمكن للأمريكان أن يسيطروا على أفغانستان بدون سلطة محلية.. وهكذا!

إسرائيل، أصلا، لم تنشأ إلا بمجهود الأنظمة العربية المحيطة في حمايتها ورعايتها، مهما جعجعوا أياما طويلة ضدها، ولم تكن إسرائيل يوما ما أشد رعبا من يومٍ بدا فيه أن أنظمة هذه الدول المحيطة بها تعاني من تهديد الثورات العربية. وكتب التاريخ مثل صفحات الواقع حافلة بالتفاصيل!

لقد تحولت بلادنا تحت هذه الأنظمة الحاكمة إلى سجون حقيقية، وهذه الأنظمة هي السجَّان، ولكننا نحن –المسجونين- ننفق الكثير جدا جدا جدا من الوقت والطاقة في الجدال حول ما إن كنا في سجن أم لا؟ وما كنا لننفق هذا كله لو تغير أمر واحدٌ فقط: لو كان المحتل أجنبيا صراحة!

لو كان المحتل أجنبيا كنا سنبصر في التو واللحظة أننا في سجن يديره الاحتلال وأنه يجب علينا أن نتحرر منه، أما حيث أن السجان يشبهنا، فقد صار كثرةٌ منا يدافعون عن السجن ويظنونه الوطن، وعن العبودية ويظنونها الوطنية، وعن القيود ويظنونها نظاما، وعن التعذيب ويظنونه عقوبة عادلة للمتمردين، وعن أباطرة التعذيب ويظنونهم حماة الوطن، ويهاجمون من يحاول التحرر ويظنونه إرهابيا، بل يهاجمون فكرة التحرر أصلا ويظنونها الفوضى!

السيطرة على وعي الإنسان يساوي السيطرة عليه والتحكم فيه! وهذا الوعي الزائف أقتلُ ما أصاب أمتنا وعرقل مجهوداتها نحو التحرر! وذلك أنه نقل قسما كبيرا من أبناء الأمة نفسها ليكونوا جنودا في جيش العدو الأجنبي، يوفرون عليه الدماء والأموال والمجهود!

وإذا نظرنا في تاريخنا قبل أكثر من مائة عام وحسبنا عدد الذين قتلهم العدو وقارنَّاهم بمن قتلتهم الجيوش “الوطنية” وأجهزة الأمن لخرجنا بالنتيجة الفظيعة المرعبة التي تؤكد ما نقول! بل لو أتيح لنا أن نحسب عمليات المقاومة التي أجهضها العدو بنفسه، والعمليات التي أجهضها بفضل أجهزة الأمن “الوطنية” لخرجت لنا النتيجة الأكثر فظاعة وإرعابا!

إن السلطة الفلسطينية هي آخر من ينبغي أن يفكر في تركيب كاميرات مراقبة في شوارع الضفة الغربية، فإنها تعاني من فراغ كل مظاهر السلطة والسيادة، وينتشر فيها الفساد المالي والأخلاقي، ويُفترض أنها في مهمة تحرر وطني إذا صدَّقنا ما تعلنه، ولكنها مع ذلك تمتلك جهازا أمنيا مدربا تدريبا ممتازا، وتحرص على نشر الكاميرات في كل مناطق الضفة، لماذا؟ لأن مهمتها الحقيقية هي حماية إسرائيل، وإدارة شأن الفلسطينين اليومي بما يرفع هذا العبء عن الإسرائيليين!

كذلك، تلقي روسيا حممها من طيرانها البعيد المرتفع، ولكنها لا تحصد شيئا على الأرض إلا من خلال قوات نظام الأسد الذين يهلكون في المعارك، ولا ثمن لهم عند أحد، فإذا وضعتَ نفسك مكان الروسي: فمن أين سيكون لك مئات آلاف الجنود على الأرض إن لم يكن نظام الأسد موجودا؟!

إن تاريخ هذه الأنظمة العربية في دعم إنشاء إسرائيل ورعايتها وتمكينها من الهيمنة تاريخٌ أسودٌ ضخم، ولن يُعرف حق المعرفة إلا حين تزول هذه الأنظمة.. وفي هذا الشهر الماضي وحده بدأ تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر!

تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر هو مجرد حدث واحد في ملايين الأحداث التي مَكَّنَت بها الأنظمة لإسرائيل، وقد كنتُ سألت بعض الأصدقاء المهتمين بهذا الملف فأخبروني بعدد من المفاجآت ملخصها كالآتي:

حقول الغاز الموجودة في البحر المتوسط تقع ضمن الحدود المصرية، لكن النظام المصري تنازل عنها لإسرائيل، غير أن المشكلة أن إسرائيل لا تمتلك بعض التقنيات الضرورية لبيع الغاز، فجرى الاتفاق على أن تبيع إسرائيل هذا الغاز لمصر، لكن مصر في هذا الوقت لا تحتاج لاستيراد الغاز لأنها تستخرج من حقولها ما يغطي هذه الحاجة، فقررت مصر خفض إنتاجها من الغاز لكي تفسح الطريق للغاز المستورد!

وهكذا ترى كيف أن الأمة خسرت ثلاث مرات: خسرت الأموال الضخمة بالتنازل عن الغاز، ثم خسرت أكثر منها حين تشتريه مرة أخرى بأكثر من ثمنه، ثم خسرت بتعطيل إنتاجها من الغاز. وكسبت إسرائيل ثلاث مرات.. وهكذا تبرعنا بدمائنا لتمكين عدونا، فعلها طبيبٌ يبدو أنه منَّا، وفعلها وهو يقول أنها في مصلحتنا!!

ترى ما شعورك حين ترى طبيبا فقأ عين أبيك ليتبرع بها إنقاذا لعين قاتله، وأنت لا تدري، فتشكره وتمتنُّ له، وتحسب أنه فعله لصالحك!

وهذه قناة السويس الجديدة.. المشروع الأبرز الأضخم لحماية إسرائيل!

قد ذكرتُ في مقالات وبحث سابق أنه ما كان ممكنا أن تنشأ إسرائيل وتتمتع بالبقاء الآمن لولا الحماية التي وفرتها قناة السويس كمانع طبيعي يفصل بين سيناء وبين بقية أرض مصر، ويجعل التواصل بين أهل الوادي وأهل سيناء تحت المراقبة والتحكم، وقد اعترف قادة حرب أكتوبر –بمن فيهم السادات- أن قناة السويس هي أصعب مانع مائي حربي. ومع ذلك كانت سياسة النظام المصري منذ السادات وحتى السيسي زيادة التفريعات في قناة السويس، باستثناء مرسي رحمه الله الذي أراد أن يقيم حولها كثافة سكانية وتجارية تعيد اتصال سيناء بالوادي. فكانت هذه التفريعات تحفر بالأموال المصرية لتزيد من صعوبة واتساع المانع المائي لقناة السويس، فلما جاء السيسي وصل بين هذه التفريعات بتفريعة هي الأكبر والأضخم، وبها صارت قناة السويس قناتيْن، وتحول المانع المائي إلى مانعيْن، يستحيل أن تتكرر فيهما قصة العبور التي كانت في حرب أكتوبر.

لكن الشاهد المقصود هنا أن هذا كله تم بأموال المصريين، وبحملة جعلتهم يقدمون أموالهم عن رضا وطواعية وانتظارا لمكسب عظيم يعود عليهم منها، واستهلك المشروع احتياط النقد الأجنبي، وأفضى إلى أزمة خانقة في الدولار وترتبت عليه آثار اقتصادية ضخمة.. وبهذا بنى المصريون بأموالهم ودفعوا من مجهودهم وعرقهم تكلفة بناء حماية جديدة لإسرائيل. ما كانت إسرائيل لتحلم بشيء من هذا، فانظر كيف صار الحلم حقيقة عبر النظام الخائن العميل.

إن مواجهة صفقة القرن لن تكون في بيت المقدس، بل هي على الحقيقة في القاهرة ودمشق وبغداد والحجاز، وعبر التاريخ كان فتح بيت المقدس بعد فتح جزيرة العرب والعراق والشام، ولم يصل صلاح الدين إلى بيت المقدس إلا بعد أن تحررت دمشق والقاهرة والحجاز، ثم لم يحتل الإنجليز بيت المقدس إلا بعد أن كانت القاهرة ودمشق وبلاد العرب تحت الاحتلال، ولم تُغرس إسرائيل إلا بعد تنصيب هذه الأنظمة!.. هذه سيرة التاريخ وهي أصدق من كل التحليلات السياسية الخائبة التي تتصور أنه يمكن عقد الأمل على نظام من هذه الأنظمة!

يقولون كيف؟!

نعم إن المهمة ثقيلة، ولكننا لسنا أول أمة تقع تحت الاحتلال والاستبداد، ولسنا أول أمة تعاني من حكم الخونة، ومن ثَمَّ فلسنا أول أمة تفكر في المقاومة وهي في موقع الاستضعاف!

فأول بند في إجابة سؤال كيف: أن نؤمن أن الهزيمة ليست قدرا، وأن النصر ليس مستحيلا، وأن المقاومة واجبة علينا مهما اختلت موازين القوى!

وثاني بند: أن نعلم ما نملكه من الموارد، فنحن بحمد الله نمتلك أصلب عقيدة لا تزال تحير عدونا لشدة ثباتها وأصالتها وعمقها في النفوس وتجددها عبر الأجيال، ثم إننا نملك طاقة من البسالة الهادرة التي أفصحت ثورات الربيع العربي وساحات الكفاح عن جانب منها، ولا تزال تفصح وتكشف!

ثالث بند: أن نعلم مواضع ضعفنا ومن أين نؤتى.. وإن لدينا ضعفا خطيرا في مسألة القيادة ذات الكفاءة التي تستطيع أن تجمع بين فهم الدين وفهم الواقع، بين السياسة والقتال، بين الحلم والحزم. ولدينا ضعفا خطيرا في الجانب الأمني والمعلومات وهو ما يجعلنا على ضعفنا كالملاكم الذي لا يعرف أين يضرب ومتى؟ وهذا الضعف يجعل صفوف الفاعلين غير مؤمنة ضد الاختراقات الأمنية حتى وصل إلى قيادة حركات إسلامية فعالة من هم عملاء لأجهزة الأمن والمخابرات، فكانت ضرباتهم من الداخل أقسى وأقتل من كل ضربات العدو في الخارج. ثم إن لدينا ضعفا خطيرا في جانب المبتكرين والمبدعين، أولئك الذين يستطيعون بفكرة وبشيء من الإمكانيات أن يضيقوا فارق الفجوة العلمية الرهيبة التي تقتلنا قتلا وتحصدنا حصدا؛ فما أشد حاجة أمتنا إلى فكرة تعطل تفوق الطيران فقط، لو امتلكنا هذا لاختلفت نتائج المعارك اختلافا حاسما.

ومع هذا فإنه لا مجال للوصول إلى الحل ومعالجة نقاط الضعف إلا بمواصلة العمل والكفاح، ففي ساحاته ينبت القادة وتظهر الكفاءات، ولأجل ضروراته تنشأ المحاذير الأمنية وتلح الحاجة إلى المعلومات، وتحت وطأته تخرج الأفكار والإبداعات! والحمد لله الذي تعبدنا ببذل المجهود ولم يحاسبنا على بلوغ الغايات.

قد خرج سلمان الفارسي من بيته في فارس وراء معلومة سمعها يوما، فظل ينتقل من فارس إلى العراق إلى الأناضول إلى الحجاز حتى بلغ غايته فلقي النبي، ثم لقي معه الكرامة الكبرى “سلمان منا آل البيت”، ثم رافق النبي حتى كان على يديه نجاة دولة الإسلام بفكرة “الخندق” في أخطر لحظة تهديد للدولة الإسلامية، ثم واصل الجهاد حتى دخل أرض فارس فاتحا وهي التي خرج منها خائفا يترقب. نعم النموذج في الهمة، ونعم النموذج في الصبر والدأب والسعي وراء الحق حتى يدركه.. وما أحوجنا إلى ذلك..

لا يعرف المسلم اليأس.. ولا مشيئة فوق مشيئة الله.. وكم من اتفاقيات أبرمها الساسة الطغاة سحقتها أقدام المستضعفين النحيفة الدامية! ومن كان يدري أن أبا جهل هشام بن عمرو بن المغيرة المخزومي سيد بني مخزوم في قريش تكون نهايته تحت قدم ابن أم عبد، راعي الغنم نحيف الساقين، من كان لا يجرؤ قبل الإسلام أن يرفع عينه في مثل أبي جهل؟!

ثم من كان يدري أن يتعثر الأمريكان، أضخم قوة في الأرض، في أفغانستان التي تبدو متهالكة ضعيفة فقيرة تنهبها المجاعة؟ أو في العراق المنهكة بعد ثلاثين سنة من الحروب ونحو خمسة عشر عاما من الحصار وبعد نصف قرن من الطغيان الذي أهلكها؟!

في التاريخ عبر كثيرة كثيرة كثيرة.. وما أحوج المهزوم المستضعف إلى أن يتعلم.

(المصدر: مجلة كلمة حق)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق