تقارير وإضاءاتمتابعات

بيان حكم رد آيا صوفيا إلى مسجد | فضيلة العلامة محمد الحسن الددو

بيان حكم رد آيا صوفيا إلى مسجد | فضيلة العلامة محمد الحسن الددو

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تنقسم الأرض التي فتحها المسلمون إلى قسمين: إلى أرض صلح وأرض عَنوة

القسم الأول: أرض الصلح هي الأرض التي ضر أهلها المسلمين أو وقفوا في وجه هذه الدعوة أو قاتلوا المسلمين و أصبحوا يمثلون تهديدا للدولة والأمة الإسلامية، فقاتلهم المسلمون، فلما حاصروهم نزلوا على الصلح لأن المسلمين شرع لهم قبل شن الغارة أن يعرضوا على العدو إما أن يصالحوهم ويدفعوا لهم الجزية ويكونوا من رعايا الدولة الإسلامية، أو أن يقاتلوهم فمن رضي بالصلح فالصلح مقدم على الحرب في الإسلام وإذا قبلوا الصلح فإنهم سيقرون على أملاكهم وديارهم وكنائسهم وبِيَّعِهم ومعابدهم فتبقى لهم لا يتدخل لهم فيها المسلمون ولا يغيرونها، وحينئذ يمكن تجديدها. واختلف هل يمكنهم بناء كنيسة جديدة أو معبد جديد في مكان لم يكن من قبل مكانا دينيا لأن الأرض لهم وقد أصبحوا من رعايا الدولة الإسلامية، والدولة الإسلامية تضمن لهم حرياتهم بما في ذلك حرية التدين بالدين الذي يرونه، وحينئذ ستبقى كنائسهم تحت أيديهم وتساعدهم الدولة ـ ككل مواطنيهاـ بما تستطيع في كل أمورهم بما فيها حمايتهم كما هو من واجبات الدولة وكذلك حماية أموالهم ومعابدهم وتجاراتهم داخل الدولة الإسلامية وخارجها لا يعتدى عليهم ولا يذمون ولا يسبون ولا يُتَعرض لهم بأي أذى لأنهم صالحوا المسلمين صلحا والمسلمون ملزمون بالوفاء به سواء أبرموه مع إمام المسلمين أو مع أي فرد من أفراد الأمة الإسلامية من الرعايا التابعين للإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ذمة المسلمين واحدة) وقال: (ويقوم بذمتهم أدناهم).

القسم الثاني : الأرض المفتوحة عَنوة هي الأرض التي قاتل أهلها المسلمين وشكلوا تهديدا للدولة الإسلامية ووقفوا في وجه الدعوة فغزاهم المسلمون وقاتلوهم وأصروا على الاستمرار على القتال حتى فتحت بلادهم عَنوة من غير صلح كالقسطنطينية التي هي اسطنبول فإن أهلها أصروا على القتال ولم يصالحوا المسلمين حتى فتحت عنوة.

والأرض المفتوحة عَـنوة كبلاد العراق وأكثر بلاد الشام وأكثر بلاد مصر ونحوها فتحت عَـنوة لذلك أصبحت ملكا للمسلمين.

والأصل أن تقسم التقسيم الذي بينه الله في كتابه: {وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ}[الأنفال ٤١]. وهذا يقتضي أن تخمس، فخمسها لله، وأربعة أخماس تقسم بين المجاهدين الفاتحين الذين فتحوها، وكل ذلك باجتهاد الإمام وأهل الحل والعقد من المسلمين.

لكن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أن هذه الغنائم تقتصر على الأموال ونحوها ولكنها ولا تشمل العقارات، ورأى أن العقارات تبقى وقفا على المسلمين لأنه لم يُرِد أن يَحرِم الأجيال القادمة منها، ولم ير أنها تختص بالمجاهدين فقط و لكن لهم أجرها لأنهم الذين فتحوها فتكون وقفا لهم إلى يوم القيامة، ووافقه الصحابة على ذلك، فجعل سواد العراق و أرض الشام و مصر وقفا على المسلمين، وتولى وقفها الصحابة الذين فتحوها وعلى رأسهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأصبحت هذه الأرض وقفا إسلاميا إلى يوم القيامة، ومثلها كل البلاد التي فتحت عَـنوة كالقسطنطينية التي هي اسطنبول وما حولها، فقد فتحت عنوة فأصبحت أرضها و كل ما فيها وقفا للمسلمين إلى يوم القيامة.

و بالنسبة لآيا صوفيا بالخصوص لم تكن كنيسة بالمعنى الديني المعروف عند المسيحيين -المتباين مع السياسة- وقت فتح القسطنطينية وإنما كانت مبنى مقدسا تابعا للكنيسة يعلق فيه تاج الملك و ينصب فيه الملوك وتتخذ فيه القرارات السياسية، فلا يعقد الملك لقيصر إلا في داخل هذا المبنى، وكانوا يرونه مبنى مباركا ومقدسا، مع أنه لا فرق في الحكم الشرعي بين أن يكون المبنى الذي هو في الأرض المفتوحة عنوة كنيسة أو غير كنيسة.

وقد اشتهر أنه اشتراه السلطان محمد الفاتح رحمه الله تعالى من القائمين عليه من النصارى وقت الفتح ولم يرد أن ينتزعه منهم بالقوة -مع أنه له الحق في ذلك – لأن الأرض قد فتحت عَـنوة فأصبحت مملوكة للمسلمين بكنائسها وكل ما فيها، لكنه فَضَّل إحسان المعاملة فاشتراه منهم، وذلك مثل شراء الكنائس اليوم في بلاد الغرب فإن كثيرا منها يتركها أهلها ويهجرونها فتباع، والقانون الغربي في أغلب البلدان ينص على أن المبنى الديني لا يمكن استغلاله في الأمور الدنيوية بل لا بد أن يبقى مبنى دينيا لذلك يمكن أن تشترى و تجعل مسجدا مثلا، وهو حال كثير من المساجد الآن في أوروبا فقد كانت كنائس واشتريت من عند أهلها فكذلك هذا المبنى إذا كان اشتراه السلطان محمد الفاتح رحمه الله -سواء كان كنيسة أو غيرها- من حر ماله و لم يجعل ذلك من مال المسلمين لأنه ليس واجبا عليهم؛ لأن هذا إنما هو إحسان معاملة للنصارى و لطف بهم فلذلك ترك لهم كل كنائسهم الأخرى ولم تغير إلى الآن.

ومنذ ذلك الوقت أصبحت آيا صوفيا أول مسجد صلي فيه داخل أسوار اسطنبول، وأول صلاة صليت فيه صلاة العصر بعد عقد البيع مع النصارى وتسليم المال لهم وخروجهم منها ومنذ ذلك الوقت بقيت مسجدا على مدى قريب من خمسة قرون حتى حولها أتاتورك إلى متحف و لم يحولها إلى كنيسة ونحن أدركناها متحفا فيه آثار البيزنطيين وما يتعلق بذلك وكان متحفا تابعا للدولة يدخله الناس بأجرة.

والقرار الذي اتخذته المحكمة الآن بإبطال هذا القانون الذي سنه أتاتورك قرار صائب شرعا لأن قرار تحويل مسجد إلى متحف قرار محرم شرعا بإجماع المسلمين ولا يحل تحويل أي مسجد إلى أي أمر آخر لأن المساجد لله قال تعالى: {وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا}[المزمل ١٨]، وأضافها إلى نفسه إضافة تشريف فقال تعالى: {وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ}[البقرة ١١٤]، وقد خُرِّب هذا المسجد وبقي هذه المدة الطويلة التي زادت على سبعين سنة وهو متحف، وهذا حرام بالإجماع، لا يقره شرع، وهو اعتداء على حرمات الله وعلى مسجد الله، فيجب على المسلمين متى ما قدروا أن يعيدوه مسجدا كما كان ويبقى وقفا لواقفه السلطان محمد الفاتح رحمه الله الذي اشتراه من حر ماله ووقفه مسجدا يصلي فيه المسلمون، وذلك متعين على الدولة، وقد قامت المحكمة العليا في تركيا بذلك بحكمها القضائي النافذ شرعا الموافق للشريعة الإسلامية والذي لا يخالفه مذهب من المذاهب. فالإجماع منعقد على وجوب هذا الحكم ومن خالف فيه فقد خالف كتاب الله لأن الله تعالى يقول: {وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ}[البقرة ١١٤]

وعلى هذا فنحن نبارك للمسلمين جميعا ولتركيا رئيسا وحكومة وشعبا ولأهل اسطنبول هذا الحكم القضائي الموفق الذي هو موافق لشريعة الله، والإجماع منعقد عليه بإعادة الأمور إلى نصابها، والذين يستنكرون هذا من الجهال و من الأبواق إنما ينطلقون من موقف انهزامي أو عدائي لحكومة تركيا، وهذه المواقف السياسية ليست في أغلبها متقيدة بشرع الله، ولا خلاف أن تحويل متحف إلى مسجد لا حرج فيه شرعا ولا قانونا ولا خلقا، فالاستنكار في غير محله، كما لا يمكن الجمع بين متخذي هذا القرار اليوم ومتخذ القرار الأول قبل أكثر من خمسمائة عام، ولا مجال لمحاكمة السلطان محمد الفاتح رحمه الله الآن.

وهم لم يستنكروا تحويل كل المساجد في الأندلس وغيرها من البلدان إلى كنائس.

فمسجد إشبيلية الكبير ومسجد قرطبة الكبير ومسجد الحمراء في غرناطة ومسجد طليطلة الكبير وغيرها في كثير من البلدان حولت إلى كنائس، وكالمساجد في اليونان وغيرها ولم يستنكر ذلك أحد من المسلمين مع أن الإجماع منعقد على خلاف ذلك والله المستعان.

نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير.

و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(المصدر: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق