تقارير وإضاءات

انتخابات البرلمان الأوربي ومستقبل المسلمين في أوربا

انتخابات البرلمان الأوربي ومستقبل المسلمين في أوربا

بقلم أحمد عمرو

كشفت نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة عن عدد من المتغيرات في خريطة الكتل السياسية الأكبر داخله، وترجع أهمية تلك الانتخابات إلى أنها تؤشر إلى التوجهات السياسية لدى شعوب الاتحاد الأوروبي، كما أن البرلمان الأوروبي من شأنه إصدار التشريعات والقوانين التي تكون ملزمة لدول الاتحاد الأوروبي، وهو صاحب الكلمة العليا في تحديد رئاسة المفوضية الأوروبية ومناصب رفيعة أخرى مثل رئاسة المجلس الأوروبي ورئاسة البنك المركزي الأوروبي. ومن ثَمَّ فإن صعود أية كتلة سياسية ذات صبغة أيديولوجية موحدة داخل البرلمان الأوروبي يعني أنه سيكون لها تأثير بالغ في تلك الترشيحات كلها وقوانين وسياسيات الاتحاد الأوروبي بوجه عام.

أُجري التصويت في الانتخابات الأوروبية الأخيرة، على عدة مراحل بدأت الخميس 23 مايو 2019م الماضي، وانتهت في 26 من الشهر نفسه، ودعي للتصويت أكثر من 400 مليون ناخب أوروبي، لاختيار 751 نائباً في البرلمان الأوروبي. يُنتخَبون مباشرة من قبل ناخبي الاتحاد الأوروبي كل خمس سنوات. حظيت تلك الانتخابات بنسبة مشاركة عالية؛ إذ شارك في التصويت أكثر من 51% من 28 دولة مشاركة في الاتحاد الأوروبي، وهي أعلى نسبة منذ انتخابات عام 1994م. وهو ما يضفي مزيداً من الشرعية والأهمية على نتائج تلك الانتخابات.

إلى وقت قريب وقبل الانتخابات الأخيرة كانت تتعاون داخل البرلمان الأوروبي الكتلتان الأكبر (أي المسيحيون الديمقراطيون، والاشتراكيون الديمقراطيون) ضمن نوع من الكتلة الكبيرة غير المعلنة. وقد أصدر البرلمان في المرحلة الانتخابية المنتهية أكثر من 1100 قانون تحولها البرلمانات الوطنية في الدول الأعضاء إلى قوانين وطنية.

وقد حصل النواب في البرلمان الأوروبي عبر تاريخه – الذي امتد منذ إنشائه عام 1979م، حيث كان يتكون وقتها من تسع دول أوروبية فقط وحتى آخر انتخابات عام 2014م – على كثير من السلطة والصلاحيات. فقد صرح أقدم نائب أوروبي (إلمار بروك) من الحزب المسيحي الديمقراطي بقوله: «البرلمان الأوروبي أقوى اليوم من بعض البرلمانات الوطنية. لذلك من الخطأ القول بأنه يجب تقوية البرلمان الأوروبي؛ فالبرلمان قوي».

صعود اليمين المتطرف وتراجع الوسط

وصفت صحيفة الحياة اللندنية الانتخابات الأوروبية بأنها «تنهي ثنائية اليمين واليسار»؛ إذ تفيد تقديرات بأن كتلتي الحزب الشعبي الأوروبي (نحو 180 مقعداً) والاشتراكيين الديمقراطيين (150 مقعداً) لن تتمكنا من إعادة تشكيل (التحالف الكبير) الذي أتاح لهما بناء توافقات، حول نصوص تشريعية وتقاسم المناصب القيادية. وكان الحزب الشعبي الأوروبي يشغل 216 مقعداً، والاشتراكيون الديمقراطيون 185 مقعداً.

ورغم أن النتائج الأخيرة أظهرت أن تحالف أحزاب الوسط – أقوى تجمع سياسي منذ بدء الانتخابات المباشرة قبل 40 عاماً – لن تضمن الأغلبية إضافة زيادة في عدد مقاعد أحزاب الخضر والليبراليين الديمقراطيين؛ إلا أن عدد مقاعد أحزاب اليمين المتطرف والمتشككين في الاتحاد الأوروبي في ارتفاع باستمرار خلال السنوات الماضية؛ ففي انتخابات عام 2009م وصلت تلك النسبة إلى 11%، وخلال انتخابات عام 2014م حققت تلك المجموعات 20%. وقد استطاعت في الانتخابات الأخيرة الحصول على 169 مقعداً. وهذا يعني أنه ستكون هناك كلمة أكبر لأولئك الذين يتطلعون إلى تقليص صلاحيات الاتحاد الأوروبي[1]. وهو ما يعني أننا إذا مددنا الخط على استقامة فإنه ليس من المستبعد أن يحصل اليمين المتطرف على الأغلبية خلال الأعوام القليلة القادمة.

ويمكننا القول: إن أحزاب اليمين المتطرف تعد الآن أسرع الكتل السياسية نموّاً في أوروبا؛ إذ تمر تلك الأحزاب الآن بمرحلة الترسيخ وهي التي تسبق مرحلة الانطلاق. فمع بداية مرحلة التأسيس شكل ظهور اليمين المتطرف حالة من النفور لدى النخب السياسية والمجتمع وكان مجرد القرب من زعمائه يكفي للوصف بالفاشية ويقلل من الحظوظ السياسية للفوز بالانتخابات، أما الآن فبات وجود اليمين المتطرف حالة اعتيادية وبدأ في تقديم نفسه كبديل عن المؤسسات السياسية، وزادت علاقته مع الشارع، وأصبح وجوده معترفاً به ومتوقعاً حصوله على الأغلبية.

ذكر موقع «يورونيوز» الأوروبي أن أكثر من 15% من الناخبين الأوروبيين صوَّتوا لصالح اليمين المتطرف. وأظهرت النتائج الأولية للانتخابات الأوروبية تحقيق أحزاب اليمين المتطرف تقدماً ملحوظاً في 4 دول كبيرة، وهي فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وبريطانيا.

 ووَفْقاً للنتائج الأولية، فقد حصل حزب (الرابطة) الإيطالي الذي يقوده وزير الداخلية ماتيو سالفيني على 28 مقعداً من 73 في إيطاليا.

 وفي فرنسا فاز حزب (التجمع الوطني) الذي تتزعمه مارين لوبان بـ 22 مقعداً مقابل 52 مقعداً فاز بها ممثلون من أحزاب أخرى، وقد دعت لوبان الرئيس إيمانويل ماكرون إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة بعد تقدم حزبها، لكن حزب الرئيس رفض دعوتها.

 وفي المجر، كان فيكتور أوربان، الذي حصل حزبه (فيدسز) المناهض للهجرة على 52% من الأصوات و 13 من أصل 21 مقعداً في البلاد، هو الفائز الأكبر.

 وقال أوربان: «نحن حزب صغير لكننا نريد تغيير أوروبا». ووصف الانتخابات بأنها «بداية حقبة جديدة ضد الهجرة».

 وفي بريطانيا، حقق حزب «بريكست» بزعامة القومي نايجل فراج انتصاراً كاسحاً بحصوله على أكثر من 30% من الأصوات وبحصة تقارب ثلاثين مقعداً من مجموع 73 مقعداً مخصصة لهذا البلد.

وإذا كان اليمين الشعبوي والمتطرف قد حقق نتائج قوية في عدة دول أوروبية، فإن شعبويي ألمانيا حلوا في المرتبة الرابعة خلف المحافظين والاشتراكيين وأنصار البيئة؛ فقد حصل حزب (البديل من أجل ألمانيا) اليميني الشعبوي على ما نسبته 10.8%؛ أي بزيادة أكثر من 3% عن الانتخابات السابقة.

ولنتعرف على الأجندة السياسية لكتلة أحزاب اليمين المتطرف: فهذه مقترحات حزب البديل من أجل ألمانيا بشأن سياسة الهجرة الجديدة في أوروبا:

رفض الميثاق العالمي للهجرة.

رفض نظام اللجوء الأوروبي المشترك

رفض حصص استقبال اللاجئين وفق برنامج إعادة التوطين.

تعاون دولي لضمان بقاء اللاجئين المحتملين في بلدانهم الأصلية.

إلغاء الحوافز التي «تجذب» طالبي اللجوء إلى ألمانيا، على حد تعبير الحزب، مثل الفترات الطويلة لفحص طلبات اللجوء، والوصول إلى سوق العمل قبل حصولهم على وضع اللجوء، والمبالغ (الزائدة) للمساعدات الاجتماعية، والعقبات التي تحول دون تنفيذ عمليات الترحيل.

إعادة طالبي اللجوء إلى بلدانهم الأصلية في أقرب وقت ممكن.

مقاضاة المنظمات غير الحكومية المسؤولة عن تهريب المهاجرين إلى الاتحاد الأوروبي.

رفض نظام شنغن وإعادة ترسيم وتفعيل الحدود الوطنية لكل دولة.

وتكاد تُجْمِع أحزاب اليمين وغيرها من الأحزاب الشعبوية على تلك المطالب، ولنا أن نتوقع أن توضع تلك المطالب السياسية على قائمة الأجندة التشريعية داخل البرلمان الأوروبي؛ وهو ما يعني محاولةَ سنِّ مزيد من القوانين التي تسعى لطرد المهاجرين والتضييق على وجودهم بإغلاق مدارسهم ومساجدهم، وإعادة اللاجئين إلى بلادهم فور انتهاء حالة الحرب رغم وجود مخاطر على حياتهم، والسماح بقوانين التمييز العنصري وإعطاء الضوء للمظاهرات المناهضة لوجود اللاجئين وإظهار مشاعر الكراهية التي تتدثر بمواجهة المهاجرين لكنها تتوجه عادة ضد المسلمين.

وأخيراً، يمكننا القول: إن مؤشرات الانتخابات الأوروبية توجه العديد من الرسائل إلى المسلمين سواء كانوا لاجئين أو حتى حاصلين على الجنسية، وعليهم أن يحسنوا قراءة الخريطة السياسية في أوروبا ويحسنوا التعامل معها، ويستعدوا لكافة المتغيرات السياسية قبل أن تفجأهم بما لا يريدونه وربما بما لم يتوقعوه.

 

[1] وكالة أنباء الأناضول  http://cutt.us/lNcDm

(المصدر: مجلة البيان)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى