علماء من عصرنا

العالم المربِّي علوان شيخ إبراهيم حقي العلواني (1346 – 1412هـ = 1927 – 1991م)

العالم المربِّي علوان شيخ إبراهيم حقي العلواني (1346 – 1412هـ = 1927 – 1991م)

 

هو أستاذي القدير، وشيخي الجليل، الذي لم أتتلمذ على شيخ سواه: علوان، ابن شيخ إبراهيم حقي، ابن حسين العلواني. وهو حسيني النسب، يصل نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، شافعي المذهب.

صحبته منذ أول دراستي الجامعية سنة 1395هـ، حيث زرته بصحبة زميلي عبدالرحمن محيي الدين أحمد، في قريته «حلوة». وسأل عن دراستي فقلت: الشريعة. فتهلَّل وجهه أيَّما تهلُّل، وقال: والله إنها بشرى خير. وذلك أني كنت الأول والوحيد الذي سجَّل الشريعة من بلدتي «القحطانية» التي كان يبلغ عدد سكانها آنذاك حوالي 12 ألف نسمة. وكان شيئًا غريبًا ونادرًا أن يسجل المرء في هذا «التخصص»!! ثم ترددتُ عليه كثيرًا، وكان يكثر من النصح والإرشاد، وبيان الآداب والسلوك، ويخفف من «الحدَّة» التي اتصفت بها في سنّ الشباب، التي كانت تتجاوز أحيانًا الحكمة المطلوبة، في مجتمع يتطلب فيه الحلم والرفق، وخاصة أنني نشأت في بلد ليس فيه علماء، وهو أحوج ما يكون إلى الدعوة، ليعرف الناس دينهم، ولا يتشتتوا بين الأحزاب السياسية والقومية المقيتة، التي تفرِّق المسلمين بعضهم عن بعض، وتَدَعُ المرءَ عدوًا لأبيه وأخيه، بينما الدين يدعو إلى التكافل والمحبة والإخاء وصلة الرحم..

ولم أدرس عنده أيًا من العلوم الشرعية، بل كان ترددي عليه في مجالس العلم والوعظ والآداب والنصح والإرشاد، وكان يراجع لي بعض ما أكتب، ويشجعني كثيرًا على الكتابة، وكتب مقدمة لكتابي الأول «الخضر بين الواقع والتهويل» في طبعته الأولى، الذي بدأت به سنة 1398هـ، وصدر عام 1404هـ. وقد أهديت إليه الكتاب رسميًا، في ورقة خاصة قبل المقدمة ليطبع، ولكنه صدر بدون الإهداء المذكور، فندمت على ذلك، وذكرت له الخبر، ثم أهديت إليه أول كتاب حققته:«الحذر في أمر الخضر» للملا علي القاري، وصدر مطبوعًا..

نعم.. تتلمذت عليه من غير تصوف، فلست بصوفي، وإن كنت محبًا لصفاء القوم، وسلوكهم التربوي الصحيح.. بل كان العهد الذي بينه وبيني هو:«الطاعة تجمعنا والمعصية تفرقنا». وقد نلت من يديه إجازة تصل في سندها إلى الإمام النووي رحمه الله، ومنه إلى أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. أفدت منه، واستفدت من أسلوبه التربوي، الذي اتسم بالرفق واللين والكلام الطيب، والحلم والوجاهة والسداد.. وكان لا يغتاب أحدًا، ولا يسمح لأحد بالغيبة عنده، وهذا طوال ما رأيته.. وكان أكثر ما رأيت عليه من همّ وقلق أثناء أحداث حماة بسورية، فكان واسطة خير في الجزيرة الفراتية، يراجع الدوائر الحكومية الأمنية من أجل بعض شباب الجزيرة لإطلاق سراحهم، وكان يتكفل بعضهم، فقط لإطلاق سراحهم، ويدعو لهم ليل نهار. وقد رأيت من فضله وتقواه الكثير. ورأيت له كرامات بعيني، فرحمه الله رحمة واسعة، وأجزل مثوبته يوم الدين. ولن أوفي حقَّ شيخي مهما كتبتُ فيه. وهو والد الأستاذ الدكتور أحمد معاذ حقي (أبو محمد)، أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة.

وقد كتب أستاذي الشيخ خاشع ترجمة لشقيقه، شيخي المترجم له، وهي كما يلي (باختصار): ولد في قرية باسْرَتْ من قضاء سِيْرْت بتركيا. تلقى دراسته الابتدائية في مدرسة الفلاح بالموصل. تربى في بيت علم وتقوى، وكان أول ما تلقَّى عن والده الذي كان علمًا من أعلامه، فنشأ في رياض الفضائل والقيم الأخلاقية النبيلة، وترعرع على الصدق والعبادة والأمانة منذ نعومة أظفاره، ثم حصل على الثانوية الشرعية، وانتسب إلى كلية الشريعة بدمشق، وتخرج منها عام 1384هـ، ثم تعاقد مع السعودية ودرَّس في بلدتي بلجرشي والباحة من بلاد غامد في الجنوب خمس سنوات، ثم تقدم إلى مسابقة انتقاء المدرسين في وزارة التربية في سورية، فتعين مدرسًا عام 1392هـ، ولكنه استقال من التدريس في العام نفسه، إذ توفي أخوه الأكبر الشيخ محمد زكي – رحمه الله تعالى- الذي كان يشغل منصب والده، فجلس الشيخ علوان مكانه، حيث أضحى من بعده شيخًا للطريقة النقشبندية في الجزيرة الفراتية بسورية، وسكنه بقرية حلوة، التي تبعد عن مدينة القامشلي 20 كم. وقد بقي في المشيخة من عام 1392 – 1412هـ أي عشرين سنة تقريبًا، وكان – رحمه الله – يعمل خلالها بجد ونشاط دائبين، إلى أن وافاه أجله في دمشق إثر نوبة قلبية حادة، حيث كان يشكو من الربو. كان رحمه الله تعالى يهتم بأمور المسلمين ويتقصَّى أخبارهم. ويستاء للواقع المر الذي يعيشه المسلمون، ويعزو ذلك إلى بعدهم عن الإسلام ويقول: إنَّ الإسلام سياج منيع وحصن حصين للوقاية من جميع الأدواء المادية منها والمعنوية. وكان يتحلى بالصبر وسعة الصدر، ويعامل الناس باللطف والحلم، فاكتسب ودهم؛ ويكره الإطراء والمديح في وجهه ويقول: ذو الوجهين لا يكون وجيهًا عند الله. وإذا ما مدحه أحدهم قال: اللهمَّ اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون. وكان جمَّ التواضع في كل أحواله، حتى أضحى ذلك سجية له. ويكثر من ترديد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – «صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك». ويقول في التصوف: ينحصر التصوف في هذه الكلمات: أن تنصف الناس من نفسك ولا تنتظر إنصافهم، وتبدي لهم شيأك، وتكون من شيئهم آيسًا. توفي رحمه الله يوم الاثنين 17 جمادى الآخرة، الموافق 23 كانون الأول (ديسمبر).

وتولَّى الخلافة من بعده الشيخ الفاضل، الأستاذ الأديب البليغ عدنان حقي، ثم أستاذي المحبوب الشيخ خاشع حقي.

 

جامع حلوة.. الذي أمَّ فيه شيخي علوان المصلين سنوات

علوان حقي (خطه وتوقيعه)

 

وتآليفه هي: نظام الحالات في أحوال التركات (بالاشتراك مع الشيخ محمد نوري الديرشوي)؛ تقديم الملا يوسف يعقوب، سيرة والده الشيخ إبراهيم حقي (مخطوط). وكتب عن تاريخ الأسرة العلوانية الزيبارية بمشاركة شقيقه عدنان، وشرح قصيدة الشيخ إبراهيم حقي الموصلي في نظم أسماء مشايخ الطريقة النقشبندية (خ)، وكتب شرحًا جديدًا على تراجم النقشبندية (يحتفظ به شقيقه المذكور).

 

(المصدر: تتمة الأعلام/ محمد خير رمضان يوسف.-ط4.- عدن: دار الوفاق، 1437 هـ، 6/142)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق