أدب المقاومة المبعثر

أدب المقاومة المبعثر

بقلم حامد عبد العظيم

الأنظمة السياسية والقمعية تحاول دائمًا مهما كانت أيديولوجيتها تقديم المقاومين للناس على أنهم إرهابيون ودمويون ومتوحشون بلا رحمة أو قلب، وبالطبع نتيجة عزل المقاومين والمجاهدين عن الوصول إلى الناس عبر الإعلام، يصدق كثير من الشعوب هذه الدعايات ويُرجعون أي نقيصة ومصيبة إلى المقاومة ورجالها ونسائها، فالنظام المستبد يُسند أسباب فشله إليهم ويعلق طغيانه على شماعة المقاومة.

المتنفس الوحيد
لذلك كان المتنفس الوحيد للمقاومة هو الأعمال الأدبية الصادرة عنهم، من روايات المحنة والدم، وقصائد المآسي والبطولة، ورسومات القهر والعزلة، وغير ذلك من الأعمال التي ينفث المقاوم فيها إحساسه وشعوره لعله يسلي بها إخوانه في الدرب، ولعله أيضًا يصل إلى الفئات الشعبية المغيّبة بأسلوب آخاذ وآسر للروح فيتأثرون وتزول غشاوة تأييد الاستبداد عن عيونهم وينضمون للمقاومة في سبيل نصرة الحق والعدل.
في هذه الأعمال الأدبية تُخلد قصص الأبطال، ويعبّر المقاوِمون عن مشاعرهم وأفكارهم، من حزنٍ ورثاء وغضب ووجهة نظرهم عن العالم، وتعبر فيها الزوجات عن مرارة فقد رجالهن أو أبنائهن أو آبائهن أو إخوانهن، وكيف كان رجالهن المقاومون يعطفون عليهن ويحملون قضية يرخصون أنفسهم في سبيلها وعن تجربةِ أن تكون المرأة زوجة أو أختًا أو أمًّا أو ابنة لمقاوِم، وعن كيفيّة التعامل مع فقده إن فُقد أو قُتل أو أُسر.

تاريخ ونبراس
من أهم فوائد أدب المقاومة أيًّا كان شكل هذه المقاومة، أنه يحفظ قصة المقاومة ويلهم بها مقاومي ومجاهدي الأجيال الجديدة الناشئة، فالقراءة عن فضل الجهاد بالكلمة أو النفس شيء، ورؤيتها ماثلة في روايات حقيقية وواقعية شيء آخر، و”ليس الخبر كالمعاينة” كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والإلهام هنا يكون كالوقود المتدفق الذي يُشعل نار المقاومة والإباء في النفس السليمة، إذ إنها ليست قصصًا جافة جامدة بل خرجت في أشكال أدبية متنوعة فيتضاعف التأثير بسبب نفس العمل الأدبي، ولجزء الصدق والواقعية المتوفر في القصة ذاتها.

الاستفادة من جميع قصص المقاومة
لسائل يسأل لماذا لا نستخدم مصطلح “أدب الجهاد” أفضل؟ هل نحن نتبرأ من كلمة الجهاد مثل منهزمي المسلمين؟
بالقطع لا، فالجهاد شرف هذه الأمة، بل لا تجد أمة من الأمم إلا وتفتخر بمجاهديها وترفعهم فوق الرؤوس وتبني لهم التماثيل وتحيي ذكراهم، فقط أمة الإسلام التي يطالبونها بأن تكون بلا جهاد حتى تكون لقمة سائغة في فم أعدائها، فجهاد الأمة هو الوحيد الذي يُسمى إرهابًا، أما إرهاب دولة مثل أمريكا رغم أنه خلف ملايين القتلى إلا أنه يظل دفاعًا عن النفس!
إذن فلماذا نستخدم “أدب المقاومة”؟
الجواب أن أدب المقاومة أعم وأشمل من أدب الجهاد، فنحن نريد الاستفادة من جميع أشكال أدب المقاومة وليس الجهاد فقط الخاص بالمسلمين، لأن جميع أدبيات المقاومة ملهمة في الجانب المتعلق بالأدب، وجميع المقاومين أصحاب القضية العادلة يشتركون في الجزء المتعلق برفض الظلم ورفض القهر ورفض استلاب الحقوق، ويتقاطعون في السعي لنيل حقوقهم بأيديهم لمعرفتهم أن الضعيف لا مكان له في هذا العالم، وليقينهم بأنه “لكي تأخذ حقك لابد أن تُحدث بعض الضجيج”، كما قال مالكوم إكس رحمه الله.
أما الاختلاف في الأيديولوجية والمنهج فهذا مستوى آخر لا شأن لنا به الآن بهذا الصدد، ونرفض بالطبع كل ما يتعارض مع ديننا، ولكن لا يمنعنا هذا من استلهام العبر من أدب المقاومة في كل أمة.

التراث الإسلامي
بالنظر إلى تراثنا الإسلامي نجده يعج بأدب الجهاد والمقاومة، حتى أنك من السهل أن تقول إنه لا يوجد تراث في هذا العالم يمتلأ بأدبيات المقاومة مثل تراثنا، فهذا الدين قد نزل أول ما نزل على قوم عشقوا الأدب، شعرًا ونثراً، وبجانبه كان الإباء سمتَهم، وكانت الحرب ديدنَهم، وكانت نصرة المظلوم دينًا عندَهم.
وببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، زاد شأن الجهاد في سبيل الله، وقيمة نصرة المظلوم، حتى لو كان هذا المظلوم غير مسلم، ولم يعارض الرسول الأعمال الأدبية، بل نُقل عنه قوله: “أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل”.
ولبيد هو لبيد بن ربيعة من فطاحل شعراء الجاهلية الذين أسلموا.
وبذلك اختلط الجهاد ونصرة المظلوم ومقاومة الظلم بالإسلام وتوجيهاته وبالأدب والفن، فنتج عن ذلك العمل الأدبي الإسلامي الرائق ما بين شعر ونثر ورواية، تجسد البطولات الحربية وشجاعة المجاهدين وسير الشهداء وكراماتهم، الأمر الذي شكّل رافدًا أساسيًا من روافد الجهاد في سبيل الله الذي لا ينقطع إلى يوم القيامة، ومُلئت الصحائف والكتب بما يشبه الوقود المتدفق الذي يبعث على التضحية بكل غال ونفيس للموت على ما مات هؤلاء الذين خلّد أدب الجهاد سيرتهم وأعمالهم.
ومن القصص التي خلدها أدب الجهاد والمقاومة الإسلامية، قصة الصحابي الجليل البراء بن مالك رضي الله عنه، البراء بن مالك ففي حرب اليمامة ضد جيش مسيلمة الكذاب، اشتد القتال، وقُتل من حملة القرآن أربعمائة وخمسون، وصبر الصحابة في هذا الموطن صبرًا لم يُعهد مثله، ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم، وولَّى الكفار الأدبار، واتبعهم الصحابة يضعون السيوف في أعناقهم حتى ألجأوهم إلى “حديقة الموت”. فقال البراء: “يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة”، فاحتملوه فوق الجُحف -التروس من جلود- ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من سورها، فلم يزل يقاتلهم حتى فتح بابها، ودخل المسلمون الحديقة وقضوا على مسيلمة وجيشه.

الكاميكازي
في أدب المقاومة الياباني لا يمكن ألا تسمع عن “الكاميكازي”، الذين أصبحوا علامة على البطولة والشجاعة والتضحية بالنفس وعدم الخوف، فخلال الحرب العالمية الثانية، وفي المعارك بين اليابان والولايات المتحدة، فوجئ الأمريكان بالطيارين اليابانيين يحلقون بكثافة كسرب النحل بطائراتهم المتهالكة، لكن ليس لإلقاء القنابل على السفن الأمريكية، بل يلقون بأنفسهم وبالطائرات إلى قلب السفن وحاملات الطائرات الأمريكية.
وقد تدفق عدد هائل من المتطوعين لتنفيذ هذه المهمة، إلى درجة أنهم أصبحوا أكثر من عدد الطائرات، حتى إن صاحب هذه الفكرة الكابتن أوكامورا شبَّههم بسرب من النحل، نحل يموت بعدما يلسع.
وفي رسالة كتبها «إتشيزو هاياشي» أحد الطيارين الفدائيين قبل بضعة أيام من موته، قال: “أنا مسرور لنيل شرف أن أكون أحد أعضاء الكاميكازي، لكنني لا أستطيع إيقاف دموعي عندما أفكر فيكِ يا أمي. عندما أفكر في الآمال التي حملتِها لمستقبلي أشعر بحزن شديد لأني ذاهب إلى الموت دون فعل ما يجلب لك السرور”.
ما يقرب من ثلاثة آلاف كاميكازي نفذوا المهمة، ما سبب ضررًا لـ368 سفينة، وقُتل أربعة آلاف و900 جندي أمريكي، وأصيب أكثر من أربعة آلاف و800، وهذه النتيجة تحققت رغم أن 14% فقط من الكاميكازي أصابوا أهدافهم بنجاح[1].
خاتمة.. احفظوا أدب مقاومة جيلنا
هكذا في كل أمة تجد قصصًا وأشعارًا وأدبيات تخلد ذكرى من قاوموا في سبيل قضيتهم، وفي أيامنا هذه تقاوم وتجاهد شعوب أمتنا العدو الصليبي والصهيوني والمنافقين من الحكام الذين باعوا دينهم ووطنهم بثمن بخس، وقد ظهرت أدبيات كثيرة من كتب وأشعار وقصص، ولكنها منفرطة العقد، ولا يُهتم بجمعها وتصنيفها وعمل المواقع والمدونات لها، أو جمعها في كتب ونشرها سواء مطبوعة أو بصيغة إلكترونية، وهذا لا شك يُضيع الكثير من هذا الكم الهائل من الأدبيات التي تسجل تاريخ مقاومة جيلنا ويحول دون تسليمه للأجيال التي بعدنا.
فهل من قرائنا وأحبابنا من ينهض لجمع القصائد والأناشيد والكتب والقصص ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي ويضعها في كتاب مُقسم إلى أبواب؟ باب لمصر وباب لسوريا وباب لفلسطين وباب للعراق وباب للشيشان وباب للصومال… إلخ؟ وكل باب يُقسم إلى فصول، فصل للشعر، وفصل للروايات، وفصل للرسومات وفصل لمعاناة التعذيب والفقد والتهجير… إلخ؟
بأيدينا الكثير لتقديمه لأبنائنا ومن يأتون من بعدنا.. فهل من مُشمر؟

[1] مشاهد حقيقية لهجوم الكاميكاز www.youtube.com/watch?v=hziFBOx4yqc
www.youtube.com/watch?v=SM2esx5Ov5g
مشهد تمثيلي لهجوم الكاميكازي على البحرية الأمريكية: www.youtube.com/watch?v=czAwsE7yLBc
للمزيد: فراس المعصراني، كاميكازي النحل الياباني المحارب، 18-08-2018م، موقع منشور.

(المصدر: مجلة “كلمة حق”)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق