مقالات مختارة

سُنَّة التدافع وتحولات النظام العالمي

سُنَّة التَّدافُع في واقعنا الحالي

د. علي الصلابي

قال تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، وقال ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سورة البقرة: 251).

من سُنن التدافع أنَّ الله سبحانه وتعالى يسوق أسباباً وأطرافاً مختلفة لتحقيق التوازن بين القوى؛ فقد ساق للشعب الأفغاني دعماً من قوى كبرى، كالصين وروسيا، تمثَّل في السلاح النوعي، في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، مع توفُّر العوامل الإيمانية، والتفاف الشعب الأفغاني حول حركة طالبان، وعدالة قضيتهم في مواجهة الاحتلال، حتى اضطُرَّت تلك القوات إلى الخروج من أفغانستان.

ومن ظنَّ أن إيران وحدها في ساحة الصراع، فإن في ذلك إغفالاً لفرص تسعى الصين إلى استثمارها لكسر النفوذ الأمريكي، وذلك في إطار التنافس على مصادر الطاقة والنفوذ في الشرق الأوسط، ومراكز الاقتصاد العالمي، وغيرها من الأهداف الاستراتيجية ضمن مشاريع متدافعة، وهذا التدافع يولِّد قدراً كبيراً من التوازن في حياة الناس.

وفي حال انكسار أحد المشروعين؛ الصيني والإيراني، أو الأمريكي والإسرائيلي، فقد يكون ذلك إيذاناً بتهيُّؤ الظروف لظهور مشروع حضاري إسلامي كبير بإذن الله، وتلوح إرهاصات هذا المشروع في بعض الأحداث الجارية، ومن ذلك ما يُشار إليه بطوفان الأقصى، والذي يُتوقَّع أن تكون له ارتدادات ممتدة، كما يُرى في بعض القراءات أنه قد يمهِّد لتحولات كبرى في المنطقة.

ولا شك أن الهيمنة الأمريكية والكيان الصهيوني تمرُّ بحالة من التحديات والتغيرات، غير أن سُنَّة الله في تحوُّل الحضارات وزوالها تستغرق زمنًا، ولا تقع دفعة واحدة.

ولهذا، فإن قراءة التحولات الجارية في العالم ينبغي أن تكون في ضوء سُنن الله في التاريخ، لا في ضوء اللحظة العابرة أو موازين القوى المؤقتة؛ فالتدافع بين الأمم جزء من حكمة إلهية تحفظ التوازن، وتمنع استبداد قوة واحدة بالعالم، ومع تعاظم هذا التدافع تتكشف ملامح مرحلة تاريخية جديدة، تتراجع فيها قوى وتنهض أخرى، حتى يتهيأ المجال لولادة مشاريع حضارية جديدة.

وقد علَّمنا القرآن الكريم أن عاقبة الصراع تكون لمن يأخذ بالسنن المادية والمعنوية في التدافع الحضاري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى