كتب وبحوث

المربط الصفوي مقاربات عقدية وسوسيولوجية وسياسية وتاريخية 9

المربط الصفوي مقاربات عقدية وسوسيولوجية وسياسية وتاريخية 9

إعداد أكرم حجازي

المبحث الرابع

الحضارة المزعومة

     لا ريب أن الحديث عن حضارة، يتطلب بالضرورة حضورا لغويا حيويا ومتطورا، تحكي به اللغة، وتوثق وقائع الحضارة، إما شفاهة أو كتابة. فاللغة هي الأداة الحاسمة التي بها نتحدث ونكتب، ونقرأ ونتعلم ونفكر، وننام ونستيقظ، ونحلم ونتأمل، ونسالم ونحارب، ونبدع وننتج، ونتاجر ونستهلك، ونعيش ونتزاوج، ونفرح ونغضب، ونحب ونكره، ونصل ونقطع، ونبني ونهدم، ونرحم ونظلم، ونعدل ونجور، ونؤمن ونكفر، ونهتدي ونضل … هي نمط الحياة، الذي يعبر عن، ويعكس، وجودنا وديمومتنا فيها.

   أما بالنسبة للغة العربية فهي أعظم لغات الكون، وأغزرها، وأبينها، وأفصحها، وأوسعها، وأكرمها، وأشرفها وألذها وأعذبها … وإذا كان الله عز وجل قد ختم رسالته، منذ هبوط آدم إلى الأرض، بنبي ورسول عربي، فقد اختار عز وجل اللغة العربية أيضا، لتكون الأداة التي تحتضن كلامه إلى قيام الساعة، وليكون آخر كتبه مرسوما بها، ولسان وحيه بها، ولسان ملك الموت بها، وهو تشريف لم تحظ به أية لغة في الأرض. بل وأكثر من ذلك، حين تغدو اللغة العربية هي لغة أهل الجنة، والتي تتسع لموجوداتها، بمن فيهم المسلمون الفرس وغير الفرس، حيث هناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فهل ثمة مسلم بحق يعاديها أو يكرهها أو يرفضها أو يستعلي عليها أو يحاربها أو يحقرها أو يحط من شأنها؟ وهل ثمة مسلم بحق يعادي أهلها وينتقص منهم، وهم أهل المكارم والأخلاق في الجاهلية قبل الإسلام[1]؟ بل وهم الذين شرفهم الله بآخر رسله وحملوا دينه وطافوا به الأرض، مبشرين وفاتحين رحمة بخلق الله[2]؟

     من المفترض أن يكون الجواب بالنفي التام، بل من المفترض أن تكون الإدانة والاستنكار والاستهجان مطلقة. ومن المثير حقا، أن يأتي الإنصاف، والحقيقة، بحق العربية، من بعض المستشرقين كما جاء على لسان غوستاف لوبون حين يقول: « مع أن الفاتحين الذين ظهروا قبل العرب لم يستطيعوا أن يَفْرِضوا على الأمم المغلوبة لغاتِهم قَدِرَ العربُ ( بعد الإسلام)، على فَرض لغتهم عليهم، ولما صارت اللغة العربية عامةً في جميع البلاد التي استولَوا عليها حلَّت محلَّ ما كان فيها من اللغات، كالسريانية واليونانية والقبطية والبربرية … إلخ، وكان للغة العرب مثل ذلك الحظ زمنًا طويلًا، حتى في بلاد فارس على الرغم من يقظة الفرس، أي ظلت اللغة العربية في بلاد فارسَ لغةَ أهل الأدب والعلم، وظل الفرس يكتبون لغتهم بالحروف العربية، وكُتِب ما عرفته بلاد فارس من علم الكلام والعلوم الأخرى بلغة العرب، وللغة العربية في هذا الجزء من آسية شأنٌ كالذي كان للغة اللاتينية في القرون الوسطى، وانتحل الترك أنفسُهم، وهم الذين قهروا العرب، الخط العربي، ولا تجد في تركية إنسانًا على شيء من التعليم لا يستطيع أن يفهم لغة القرآن بسهولة»[3].

      إذن؛ لا معنى للعالم دون العرب. إذ لولا أن خلق الله، عز وجل، الإنسان، ربما ما كان هناك إسلام ولا مسلمين ولا أول الأنبياء ولا خاتمهم ولا كان ثمة حاجة لعرب أو عروبة! لكنها إرادة الله الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا، وجعل من نسل آدم خير الخلق أجمعين. أما عند فارس الشعوبية، بالأمس واليوم، فالمسألة على النقيض تماما! ولعلنا نتذكر كلام الرئيس محمد خاتمي أمام الجالية الإيرانية في نيويورك حين قال جملته الشهيرة: « قبلنا الإسلام ولم نقبل العربية». بل أن خامنئي يذهب أبعد من ذلك حين قال أن: « الأمة الإيرانية تصلح لأن تكون على هرم الثقافة العالمية»!!! … وفي اليوم التالي بدا واثقا من نفسه أكثر، وهو يصرح بأن: « الشعوب الإسلامية مدينة لجهود وأبحاث الإيرانيين في المجالات الثقافية»!!! لننطلق من اللغة الفارسية، ولنرَ حجم الثقافة الفارسية ما قبل التاريخ الميلادي وبعده.

    في الحقيقة؛ حتى يومنا هذا لا يزال معنى كلمة « فارس» موضع بحث وجدل بين الباحثين لشدة غموضها. فهي ما بين « قاطع طريق» أو نسبة لمنطقة عرفت باسم « بارس»، أو نسبة إلى قبائل بدوية، استقرت في الجنوب عند منطقة سموها «فارس»، قرب شيراز اليوم، وتعني «السائب والغازي»، وهما صفتان لا  تتضمنان أي معنى للاستقرار والأمن والبناء، ولا تليقان بأية منظومة قيمية رفيعة، أو أخلاق كريمة. وفي هذا المعنى نجد في التوراة وصفا لـ « الفرس» بأنهم: « أناس برابرة جداً وسفاحون لا يرحمون أحداً». وليس معروفا إذا ما كان هذا التوصيف قد دفع زرادشت إلى أن يدعو ربه قائلا: «اللهم خلّص هذه الأمة (الفرس) من الكذب»! أما المؤرخ الإيراني، ناصر بوربيرار، فقد ذكر في كتابه الشهير « ١٢ قرناً من الصمت» أن « أصل الكلمة مشتقة من كلمة persian، والپرژن أو البرشن هي اسم مذكر لإحدى قبائل اليهود الاسفرديم».

       ومن الواضح أنه ما من أصل واضح لفارس يمكن تتبعه، وما من مصداقية لدعوة زرادشت، إلا بكونها ترجمة لِما أنتج الشعوبيون المجوس ومؤرخيهم وعلمائهم، من دين جديد سموه « الإمامية»، الذي تسعة أعشاره يقوم على « التقية». يعني على الكذب. وهكذا تغدو الأصول التاريخية والحضارية لفارس، أشبه ما تكون بشخصية عبدالله ابن سبأ، حيث لا أصل ولا فصل، إلا من «ابن السوداء»، ولا حقيقة إلا الكذب. فهل تكون اللغة الفارسية أحسن حالا؟

    في العموم، غالبا ما يجري الحديث عن لغة فارسية قديمة، « كانت تكتب بواسطة الخط المسماري السومري». وهذه اندثرت. أو عن فارسية وسطى عرفت بـ « البهلوية = الفهلوية»[4]، التي استعملت في عهدي (1) الإمبراطورية الإخمنية، « Parthian Empire»، (248 ق.م – 224م)، و (2) الإمبراطورية الساسانية، « Sassanid Empire»، (224 – 651م). وكانت تكتب بكتابة تحمل نفس الاسم: «كتابة بهلوية»، وهو نمط كتابة مقطعي مأخوذ من الأبجدية الآرامية. ويعلق الكاتب العربي الأحوازي، يوسف عزيزي، على هاتين اللغتين بالقول أن: « الحركة الشعوبية الفارسية دأبت على اختراع اللغة الحديثة (فارسي دري) التي لا تمتّ بصلة لما يسمى باللغة الفارسية القديمة أو الوسطى إلا القليل جداً. أي أن الفرس حالياً لا يعرفون بتاتاً أي شيء عن اللغة البهلوية، ولا يستطيعون قراءة أي عبارة – ولو صغيرة- من تلك اللغة المندرسة».

     أما الفارسية الحديثة الملقبة بـ «الدرية»، لعظمتها! فهي تلك التي برزت بعد فترة من الفتح الإسلامي لفارس. وبحسب المصادر الإيرانية فهي: « نظام كتابة مبني في معظمه على الأبجدية العربية، ويشتمل على اثنين وثلاثين حرفا، مستعمل لكتابة اللغة الفارسية وغيرها، بخط فارسي أو بالنستعليق*  في الغالب»[5]. وتقول مصادر غربية أنها: «اقتبست ما يصل إلى نصف مفرداتها من اللغة العربية، بالإضافة إلى بعض القواعد النحوية»[6]. فهل هذا سطو على اللغة العربية؟ أم تأثر بها!!!!؟ لنتابع.

  ففي التفاصيل، مرت اللغة الفارسية بتطورات أملتها الظروف السياسية، التي تعرضت لها فارس، بعد الفتح الإسلامي. فعلى امتداد ما يسمى بـ « قرني الصمت للغة الفارسية»، الأول والثاني الهجريين، وبحسب المؤرخ الإيراني بوربيرار، فـ: « لم يكن في عهد ابن المقفع – أي في الحقب الأولى للقرن الثاني الهجري- أي شيء مكتوب باللغة الفارسية، كما أن أول نماذج للغة الفارسية الجديدة ظهرت في القرن الرابع الهجري». وخلال هذين القرنين«كان الشعراء الفرس ينشدون الشعر باللغة العربية في تلك الفترة». وما بين القرنين الرابع والثامن: «تأثر الأدب الفارسي، ومن قبله اللغة الفارسية، بشدة باللغة العربية». وبلغ عصره الذهبي … « ولا نرى خلال هذه الفترة المزدهرة حتى مفردة واحدة ضد العرب، بل مدحا وتبجيلا لثقافتهم وأدبهم ودينهم. حيث بلغ الأمر بناصر خسرو البلخي في إحدى قصائده أن يفضل العرب على العجم ويتمنى أن يكون عربياً». لكن الأدب الفارسي شهد  بعد ذلك عصر الانحطاط. وما بين القرنين الثاني والرابع، حيث نشطت الحركة الشعوبية، بدت الفارسية منتجة أدبيا، فقط، في اتجاهها المعادي للعربية والعروبة. وبعد قرون الانحطاط، ما بين التاسع والرابع عشر، عاد «الأدب الفارسي» لينتعش «مجدداً متأثراً بالأدب الأوربي، إلا أن العنصرية ضد العرب بلغت أشدها في هذه الفترة»[7].

لعل هذا الصمت، حيث لا وجود للغة فارسية، هو ما لاحظه الجاحظ في باب العصا (ص 281) من كتابه « البيان والتبيين»، حين علق على ما زعمه ابن المقفع وغيره من كتابات فارسية أو هندية تم ترجمتها إلى العربية، مثل « كليلة ودمنة»، فكتب يقول: « نحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولدة، إذ كان مثل ابن المقفع وسهل بن هارون وأبي عبد الله وعبد الحميد وغيلان يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل ويصنفوا مثل تلك السير». وفي السياق يأتي الباحث السعودي، عبدالله الضحيك، بما يؤكد أن مؤلف « كليلة ودمنة» هو في الحقيقة عراقي « يرجع إلى الحضارة الآشورية، ومؤلفه هو الوزير الآشوري (أحيقار). ولنا على ذلك مخطوط يقطع الشك باليقين نقله سهيل قاشا في كتابه (أحيقار حكيم من نينوى). لم يكن الكتاب هندياً، إنما اقتبس الهنود منه الكثير مع تغييرات وإضافات»[8].

       أما على صعيد الإنجازات الحضارية، فيكتب عبد الله الضحيك قائلا: «إن تأثير الفرس في تاريخ الحضارة صفر، فالفرس بعد احتلالهم للعراق والأحواز لم يَجدوا بنائين قادرين على تشييد القصور والمبان، فاستعانوا بالبابليين على وجه الخصوص». ويستدل على ذلك بما ذكره الملك الأخمينى، داريوس، في إحدى مدوناته التي يقول فيها:« لقد أتيت من بعيد بالمواد التي بنيت بها القصر في سوزه، والشعب البابلي هو الذي حفر الأرض وكوم الحصى، وجلب خشب الأرز من لبنان، وقد أتى به البابليون حتى بابل، وكان عمال الخزف بابليين»[9]. ومن جهته ينقل د. ماجد عبدالله الشمس عن «جانين» القول: « وغدا الفن الفارسي، وهو فن ملكي متعدد النماذج والأصول، إذ لم يكن لإيران تقاليد عريقة، بينما عرف الشرق الذي خضع للفرس بغناه في هذا المجال وبغنى اختباراته». وعن الحياة الفكرية، فحدث ولا حرج، إذ: « لا يبدوا بأن حياة الإمبراطورية الفكرية الحقيقية كانت فارسية»[10]. يعني حضارة اقتباسات من الغير وليس إبداعا. والحقيقة التاريخية الثابتة، والظاهرة لكل عيان، أن ما يسمى بالحضارة الفارسية لم تترك أي أثر حضاري حيثما تواجدت، بخلاف الأثر الروماني مثلا. علما أن الحضارتين تعاصرتا وتنافستا وتحاربتا قرونا طويلة من الزمن.

     من جهته، يقطع بوربيرار كل شك بيقين حين يعاين مصادر التراث لفارسي، فيقول: « يوجد لدينا في إيران عدد من النقوش على الصخور من عهد الإخمينيين والساسانيين، لا تتحدث هذه النقوش عن (1) أية ثقافة أو (2) حضارة أو (3) فكر أو حتى (4) عن دين». بل يقول بما لم يقله أحد من قبل:«لا يوجد في هذه النقوش أي كلام عن زرادشت وكتابه أفيستا. فلم تتحدث هذه النقوش عن الشؤون الثقافية، حيث كلها ومن دون استثناء إما تتحدث عن قضايا شخصية، وإما عن قضايا عسكرية». ويطالب أولئك: « الذين يدعون بوجود زرادشت وكتابي أفيستا وزند، أن يقدموا وثائق تاريخية تثبت هذا الأمر. فهؤلاء الذين يدعون بوجود أديان أو حكمة في إيران القديمة أو أي شيء ثقافي أو حضاري قبل نشوء الإسلام، لم يقدموا (1) أية وثيقة، ولا (2) أية نقوش، صخرية، ولا (3) حتى مسكوكة نقدية، حيث من دون هذه الوثائق يتحول الكلام في هذا المجال إلى أساطير»[11].

     إذن حصيلة اللغة الفارسية، ما قبل التاريخ، هزيلة للغاية! فهي على المستوى الحضاري لم تنجز نصا أو نقشا، يوثق أدبا أو شعرا أو دينا أو علما، ولم تورث أثرا أو مَعْلما أو فنا يمكن الاسترشاد به. فكل ما توفر  «عدد من النقوش على الصخور من عهد الإخمينيين والساسانيين»!!! لذا؛ ومع أن البعض ينسبها إلا اللغات الهندوآرية القديمة[12]، إلا أن فقرها الحضاري ربما كان السبب لدى البعض في اعتبارها مجرد «لغة آرية مجهولة، تنسب إلى قبائل الفرس البدوية النازحة إلى إيران قبل قوروش الكبير». بمعنى أنها لم تنتج حضارة، ولم تكن لها أية مساهمات حضارية، تعكس حضورها ومكانتها.ولعل هذا الفقر، الذي يرجع أساسا إلى «ضعف اللغة البهلوية»، هو الذي « يفسر انعدام المؤلفات العلمية والأدبية، فهي لغة غير قادرة على استيعاب العلوم بمختلف أنواعها». وهذه حقيقة أدركها العجم قبل العرب، فهذا  كيكاوس صاحب كتاب « النصيحة» يوصي ابنه: «إذا كتبت رسائلك بالفارسية فلتكن مشوبة بالعربية، فإن الفارسية الصرف لا تعذب في المذاق». وصية؛ نجد نظيرا لها لدى البيروني، حيث يقول: « من تأمل كتاب علم قد نقل إلى الفارسي، كيف ذهب رونقه، وكسف باله، واسودّ وجهه، وزال الانتفاع به»[13] أي لا نص ولا روح نص. وعليه؛ فإذا كان للفارسية من حضور، خلال التاريخ الميلادي على الأقل، فهو ذلك الذي وجد أعظم تجلياته في سياق التاريخ الإسلامي أولا، ثم في سياق اللغة العربية ثانيا.

    كتب الصحفي السعودي، محمد السلمي، مقالة في صحيفة[14] « الوطن» السعودية، عرض فيها لرؤية الكاتب الإيراني، عبدالكريم سروش، عن أزمة الهوية التي يعاني منها الإيراني اليوم. وهي رؤية تكشف عن تساكن ثلاث هويات متصارعة في شخصية واحدة:

 الأولى، الهوية الدينية الإسلامية التي صورها بعض القوميين الإيرانيين، بشكل أو بآخر، بأنها هوية أجنبية وغريبة لا تمثل العنصر الإيراني (الفارسي)، بل تجعله أقرب إلى العرب منه إلى ذاته الفارسية.

 الثانية، الهوية الفارسية التي تتغنى بالماضي (ما قبل الإسلام) وتعتصر ألماً على فقدانه، وهذه الهوية تمت بلورتها في مدارس الاستشراق والاستعمار، ولكنها حظيت بقبول كبير لدى الشخصية الإيرانية الحديثة.

 الثالثة، هوية تتقمص الثقافة الغربية وتتبناها بشكل كامل وتنسلخ تماما من كل شيء قديم ما عدا اللغة الفارسية. إلا أن المشكلة ليست في التنظير، بل في تطبيق هذه النظرية وتقمصها، فقد كان من الصعوبة بمكان اختيار أحد هذه الأصناف دون أن يحتوي على أي من مكونات الصنفين الآخرين.

    لعل أطرف وأغرب وأعجب التصريحات وأكثرها إثارة للدهشة، ما تناقلته وكالات الأنباء، « فرانس برس، رويترز، ي ب 12/9/1979»، عن مهدي بازركان، أول رئيس وزراء إيراني في عهد الخميني، حيث صرح للإذاعة الإيرانية، بعد نحو سبعة شهور من انتصار الثورة، قائلا: « إن جوهر الوجود الايراني كدولة قد تولد من اتصالنا مع الغرب، وإنه لمما يتنافى مع المبادئ الشرعية الاسلامية تدمير كل ما هو أجنبي». وأنه: « فيما عدا القصائد الفارسية القديمة للفردوسي* فإنه لا توجد أية فكرة عن القومية، وقد ظهر مفهوم الأمة والشعب الواحد فقط بعد تبلور الغرب»[15]! وبهذا التصريح الصريح فوق العادة لم يبق لإيران أي وجود حضاري يعتد به، لا حاضرا ولا ماضيا. بل أن وجودها برمته، بما في ذلك الشعور القومي، مدينة فيه للغرب.

     وفي المحصلة؛ فإن كل ما أنتجته اللغة الفارسية القديمة والحديثة، طوال 2500 سنة، لم يكن إلا منتجات لحركة شعوبية، نشطت في حياكة الفتن، والعداء للعرب والعروبة والدين، فهل يمكن تصنيف مثل هذا الوجود والإنتاج إنجازا حضاريا!!؟ وهل هذه هي الثقافة الزاخرة التي يباهي يها خامنئي؟ ويسعى إلى تعميمها، وتربيعها على هرم الثقافة العالمية؟ … حقا! إن مما أدرك من كلام النبوة الأولى أنه إذا لم تستح فاصنع ما شئت.


[1]  أَخْبَرَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الأَشْجَعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلاَقِ. حديث نبوي صحيح.

[2] قارن مثلا مع موقف الترك من العرب. ففي 6/4/2010، وجه رئيس الحكومة التركية آنذاك، رجب طيب أردوغان، كلمة إلى الجمهور العربي، بمناسبة افتتاح أول قناة تركية تبث باللغة العربية « TRT»، قال فيها: « إن مصير اسطنبول ومستقبلها لا يختلفان عن مصير الدول العربية ومستقبلها، وقد تكون الحدود السياسية قد خطت بين أوطاننا في التاريخ القريب، وربما الألغام قد زرعت بين دولنا، وربما الجدران والسدود قد شيدت بين أراضينا. إلا أننا نمتلك من القوة والإرادة ما يجعلنا نتجاوز كل هذه العقبات»، لكن العبارة الأبلغ التي تضمنتها الكلمة جاء فيها: « من دونكم لا معنى للعالم».

[3] غوستاف لوبون: « حضارة العرب»، القاهرة – جمهورية مصر العربية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، البريد الإلكتروني[email protected]، ترجمة عادل زعيتر، 2012، ص 456.

[4] « الفهلوية» كلمة تعني في الثقافة العامية عند العرب المتذاكي أو المتفلسف!!! ولسنا متأكدين إن كانت الكلمة الرديفة « بهلوي» لها نفس المعنى الشعبي في اللغة الفارسية. وهي، بالمناسبة، الكلمة التي اتخذها نسبا له، شاه إيران السابق، محمد رضا بهلوي، الذي أطاح به الخميني سنة 1979.

* « النستعليق» كلمة مركبة من كلمتي النسخ والتعليق. وتعني الخط الذي تكتب فيه الفارسية.

[5] دهخدا، علی ‌اکبر. « لغت نامه دهخدا». جلد ۸ صفحهٔ ۴۴، جاب دانشكاه تهران. نقلا عن« ويكيبيديا: « أبجدية فارسية، http://cutt.us/AgNMr

[6] مقالةبعنوان: «What is Persian? »، مركز الدراسات الفارسية، جامعة ميريلاند – الولايات المتحدة الأمريكية، على الشبكة: http://cutt.us/jjUdU

[7] « لغة فارسية»، موقع ويكي بيديا العالمي، على الشبكة: http://cutt.us/a7ua1

[8] عبدالله الضحيك: « عراقية كتاب كليلة ودمنة»، 24/3/2016، موقع « القادسية»، على الشبكة: http://cutt.us/prRb3. وثمة   تعليق بليغ على المقالة من أحد القراء يقول فيه: « في بداية ولادة المدنية كان الفرس أجهل الشعوب، يستجدون الحضارة من الشرق والغرب. والدليل على ذلك أنك حين تريد نقل التاريخ الفارسي فيجب عليك أن تنقل تاريخهم من كتابات الفراعنة ودول المشرق أو الهند واليونان أو التوراة والإنجيل. فكل ملك فارسي يتعمد ألاّ يكون بلده مثقف ليستطيع تمشية الخرافة التي يسطرها عليهم، ومعروف أن الشهنامة، وهي أقدم مصدر فارسي، ليست فارسية وإنما هي نتاج حضارة الهند».

[9] عبدالله الضحيك: « الفُرس بين البربرية والحضارة»، على الشبكة: http://cutt.us/bco6z. ، نقلا عن عالم الآثار الفرنسي، أندريه بارو: « بلاد آشور»، دار الرشيد للنشر، بغداد – العراق، ترجمة وتحقيق: سليم التكريتي، 2011، ص 114. ومن المفيد متابعة ما كتبه في مقالته الموسومة بـ: « مقارنة بين الحالة الثقافية للإمبراطورية الفارسية والعصر العربي الجاهلي»، موقع « المؤسسة الأحوازية للثقافة والإعلام»، على الشبكة: http://cutt.us/lsfkR

[10] عبدالله الضحيك: « إيران عدو لا ينتهي»، موقع « الكادر»، مرجع سابق. نقلا عن: د. ماجد عبدالله الشمس، « الحضارة العاربية وأثرها في إيران واليونان»، منشورات دار علاء الدين، دمشق – سوريا، ط1/2011، ص 27.

[11] ثمة شريط وثائقي للمؤرخ الإيراني بوربيرار من أربع حلقات بعنوان: « ترجمة الفلم الوثائقي لفضح الحضارة الفارسية المزيّفة»، قناة« حركة النضال العربي لتحرير الأحواز»، على موقع« يوتيوب»: http://cutt.us/kkSzc

[12] « What is Persian? »، مرجع سابق.

[13] عبدالله الضحيك: « مقارنة بين الحالة الثقافية للإمبراطورية الفارسية والعصر العربي الجاهلي»، مرجع سابق.

[14] محمد السلمي: « إيران بين أزمة الهوية وأزمة التاريخ والعرب»، صحيفة « الوطن» السعودية، 5/2/2016. على الشبكة: http://cutt.us/mbIP

* يقصد بازركان ملحمة « الشاهنامة» التي كان أبو القاسم منصور الفردوسي (935-1020م) يكتبها مقابل أجر! فإذا انقطع عنه توقف ووبخ مؤجره! ولأنه لا يوجد غيرها نجد الإيرانيين حتى الآن يعظمونها لدرجة أن وصفها لسان الدين بن الخطيب بـ  « قرآن الفرس»، باعتبارها الوحيدة التي تذكرهم بماضيهم، وليس لأنها الأعظم في تاريخهم.

[15] في خضم جولات الحوار بين الأمريكيين و «الإسرائيليين» وإيران في العواصم الأوروبية وحتى في «إسرائيل»، يذكر بارزي جولة 9/7/1985 التي استمرت أربع ساعات في مدينة هامبورغ الألمانية، التي جمعت بين مدير عام وزارة الخارجية «الإسرائيلية»، ديفيد كمحي، ومستشار الأمن القومي الأمريكي، روبرت ماكفرلين، والمقرب من الخميني، حسن خروبي. خاطب هذا الأخير «الإسرائيليين» قائلا: « يمكن أن تساعد أمريكا على إنقاذ إيران من وضعها الصعب. إننا مهتمون بالتعاون مع الغرب، فلدينا مصالح مشتركة معه، ونرغب أن نكون جزء منه». لدى: تريتا بارزي، التحالف الغادر: حلف المصالح المشتركة: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة»، ترجمة أمين الأيوبي، الدار العربية للعلوم، بيروت – لبنان، ط1 – 2008، البريد الإلكتروني[email protected] ، ص 63 و 68.

(المصدر: رسالة بوست)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى