أخبار ومتابعات

فتح المسجد الأقصى فرحة مشوبة بالحذر وتحذيرات العلماء من سيطرة الاحتلال

في مشهد اختلطت فيه دموع الفرح بمرارة الواقع، فُتِحت أبواب المسجد الأقصى المبارك فجر اليوم الخميس، التاسع من أبريل 2026، أمام جموع المصلين، بعد إغلاق دام نحو أربعين يوماً، وكان هذا الحدث موضع فرحة لجميع المسلمين، غير أنه لم يخلُ من تحذيرات من علماء الأمة.

وقد توافد مئات الفلسطينيين إلى باحات الأقصى، يؤدّون صلاة الفجر لأول مرة منذ إغلاقه في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، غير أن هذا الفتح – على ما فيه من خير وفرحة – لم يكن عند أهل العلم أمراً يُؤخذ بظاهره فقط، بل نظروا إلى حقيقة ما حدث، فنبّهوا الأمة إلى ما وراءه من دلالاتٍ خطيرة.

فقد ذكر الشيخ الحسن بن علي الكتاني، أن فتح المسجد الأقصى اليوم لا ينبغي أن يُنسينا أن الأخطر من الإغلاق هو تحكم الاحتلال فيه، إذ إن من يملك قرار الفتح والإغلاق إنما يملك في الحقيقة صورةً من صور السيادة وهذه هي لبّ المشكلة وأصل البلاء.

صحيح أن المسجد الأقصى فُتح اليوم ولكن تحكم الاحتلال فيه هو أخطر ما في القضية. الشيخ الحسن بن علي الكتاني

 

وهذا المعنى نفسه أكده الدكتور وصفي عاشور، إذ أشار إلى أن فرح المسلمين بفتح الأقصى حقٌ مشروع، لكن الحزن في المقابل لا يقل حضوراً، لأن الذي أغلق المسجد هو الاحتلال، والذي أعاد فتحه إنما فتحه بشروطه وإرادته، لا بإرادة المسلمين، فكأنهم في واقع الحال خارج دائرة القرار، لا يملكون من أمر مسجدهم شيئاً.

المسلمون يفرحون لأن الأقصى سيفتح أبوابه غداً في صلاة الفجر للمسلمين، ومن حقهم أن يفرحوا .. لكن المُحزن أن الذي أغلقه هو الاحتلال، والذي فتحه بشروطه هو الاحتلال، والمسلمون لا ناقة لهم ولا جمل، فهذا الفتح بعد الإغلاق للمسجد على يد الاحتلال يُحزن أكثر مما يُفرح! د. وصفي عاشور أبو زيد

 

ومن هنا، فإن هذا الفتح يحمل في طياته حزناً أشد من الفرح، لأنه يكشف عن واقعٍ أليم، تُدار فيه شؤون المقدسات الإسلامية بيد غير المسلمين، وهو أمرٌ لا يقرّه شرعٌ ولا يقبله تاريخ الأمة.

إغلاق غير مسبوق في شهرٍ عظيم

وكان المسجد الأقصى قد أُغلق خلال شهر رمضان المبارك، وهي سابقة مؤلمة لم يشهدها منذ عقود طويلة، حيث مُنعت صلاة التراويح، وغابت شعائر العشر الأواخر، بل لم تُقم فيه صلاة عيد الفطر، ولم تقم فيه خمس خطب جمعة منذ إغلاقه، في مشهدٍ هزّ مشاعر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

وخلال تلك الفترة، استمرّت القيود الأمنية المشددة، مع إغلاق البلدة القديمة، ومنع أعداد كبيرة من الوصول إلى المسجد، في حين لم تتوقف اقتحامات الجماعات اليهودية المتطرفة لباحاته في مواسمها.

فتحٌ مقيد وإجراءات مشددة

أما اليوم، فقد تم فتح المسجد، لكن وسط انتشار أمني مكثف، وإجراءات مشددة لا تزال تحكم دخول المصلين، مما يجعل الفتح فتحاً منقوصاً، لا يرقى إلى الحرية الكاملة التي ينبغي أن يتمتع بها المسلمون في مسجدهم.

بين الفرح الواجب والحذر اللازم

وإذا نظرنا إلى هذا الحدث وجدنا أن الفرح بعودة الصلاة في الأقصى أمرٌ محمود، إذ هو فرحٌ بعودة شعيرة من شعائر الله، غير أن الواجب لا يقف عند حد الفرح، بل يتجاوزه إلى الوعي بحقيقة الواقع، فالأقصى وقفٌ إسلامي خالص، لا يجوز أن يكون خاضعاً لسلطةٍ تتحكم فيه فتحاً وإغلاقاً، ولا أن يُدار بمنطق الإذن والمنع، بل هو حقٌ ثابت للأمة، لا يُقبل فيه التنازل ولا التدرج في الانتقاص.

إن فتح المسجد الأقصى اليوم حدثٌ مهم، أعاد الحياة إلى ساحاته، وأدخل السرور إلى قلوب المسلمين، لكنه في الوقت ذاته يذكّر بحقيقةٍ لا ينبغي أن تغيب؛ أن القضية لم تُح، وأن الخطر لا يزال قائماً ما دام القرار ليس بيد أهله.

وبين الفرح المشروع والحزن الواجب، تبقى البوصلة عند أهل العلم ثابتة؛ الأقصى حقٌ لا يقبل القسمة، ولا يخضع لميزان القوة، بل لميزان الشرع والتاريخ، حتى يأذن الله بأمرٍ كان مفعولاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى