
غاب الصوت الرشيد… وبقيت الأسئلة
في وداع المفكر محمد مورو
د. وصفي عاشور أبو زيد
في زمنٍ يعلو فيه الصخب ويخفت فيه المعنى، ويكثر فيه المتكلمون ويقلّ فيه الصادقون، يرحل بعض الرجال فلا يُحدث رحيلهم ضجيجًا يوازي مقامهم، ولكنَّه يترك في القلوب فجوةً لا تُسدّ، وفي الوعي أثرًا لا يُمحى، وفي الضمير سؤالًا لا يهدأ.
هكذا مضى الدكتور محمد مورو، الذي توفي اليوم عن 70 عاما، لا بوصفه اسمًا يُضاف إلى قائمة الراحلين، ولا رقمًا يُدرج في سجلّ الغياب، بل بوصفه فصلًا ممتدًّا من سيرة جيلٍ عاش الفكرة امتحانًا لا ادعاءً، ومحنةً لا ترفًا، ومسؤوليةً لا خيارًا، فدفع ثمنها كاملًا غير منقوص، ولم يساوم عليها، ولم يخفف من حدّتها، ولم يؤجّل استحقاقاتها، ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23].
لم يكن رحيله حدثًا إعلاميًّا صاخبًا، ولكنه كان – في عمق أثره – كالصوت الخافت الذي يتردّد طويلًا في ذاكرة من عرفوه، وكالنور الهادئ الذي يبقى بعد انطفاء المصابيح الصاخبة. لأن بعض الغياب لا يُقاس بحجم الحضور في الشاشات، بل بما يتركه صاحبه في العقول والقلوب، وما يغرسه من أفكار، وما يخلّفه من أثرٍ ممتدّ في الأجيال.
من العتمة إلى المعنى… حين وُلد الفكر في المحنة
لم تتشكّل شخصية محمد مورو في فضاءات الرفاه، ولا في أروقة التنظير المجرد، بل نضجت في مواطن الشدّة، حيث يُمتحن الصدق، وتُصفّى النوايا، وتُختبر المعادن. كانت الزنزانة – التي يهرب منها كثيرون بأجسادهم وإن خرجوا منها – عنده فضاءً آخر: تضيق فيه الجدران، لكن تتسع فيه الأفكار؛ يشتد فيه القيد، لكن ينطلق فيه المعنى؛ يُحاصَر فيه الجسد، لكن تتحرر فيه الروح.
هناك، حيث لا يملك الإنسان إلا نفسه وفكرته، تبلورت معالمه: عقلٌ لا يتوقف عن التفكير حتى في أحلك اللحظات، وقلبٌ لا يتراجع أمام الخوف، وروحٌ تُراهن على المعنى، ولو خانتها الظروف، أو تكالبت عليها الضغوط. لم يكن الحديث ترفًا، ولا الصمت خيارًا، بل كانت الكلمة ضرورة، كالماء والهواء، يُستبقى بها الوعي، وتُحفظ بها الكرامة، ويُدافَع بها عن المعنى.
خرج من المعتقل، لكنَّه لم يخرج من الفكرة، ولم يخلع عنه ثوبها، بل سكنته كما يسكن النور في المصباح، لا ينفصل عنه، ولا ينطفئ بهبوب الرياح. عاش سنواتٍ من شظف العيش، وتقاسم مع رفاقه ضيق المكان وقلة الإمكان، لكنه لم يعرف شُحًّا في الإيمان بما يكتب، ولا بخلًا في بذل الفكرة لمن يطلبها. كان يؤمن أن الفكرة إذا لم تُعاش، لا تُكتب، وأن الكلمة إذا لم تُدفَع ثمنًا، لا تُثمر أثرًا.
الكاتب الذي كتب من داخل المعركة
لم يكن محمد مورو من أولئك الذين يكتبون عن الواقع من خارجه، ولا ممن يتعاملون مع القضايا الكبرى بوصفها موضوعاتٍ للنقاش الذهني البارد، بل كان كاتبًا يكتب من داخل المعركة، ويشتبك مع تفاصيلها، ويغوص في أعماقها، ويقرأ ما وراء ظواهرها.
تناول في كتاباته قضايا الأمة الكبرى: فلسطين، والهيمنة الدولية، والتحولات السياسية في العالم العربي، والحركات الإسلامية، والصراع الحضاري بين الأمة ومنافسيها، لكنه لم يقدّمها بوصفها أحداثًا منفصلة، أو وقائع متفرقة، بل رآها حلقاتٍ في سلسلة واحدة، تتشابك فيها المصالح، وتتداخل فيها القوى، وتُدار فيها الصراعات على مستوياتٍ متعددة: سياسية، واقتصادية، وثقافية، وعقدية.
ومن هنا، لم يكن يكتفي بسرد الحدث، بل يسعى إلى كشف المشروع الكامن وراءه؛ المشروع الذي تتقاطع فيه إرادات القوى الكبرى، وتلتقي عنده مصالح الاستعمار القديم والجديد، وتُستهدف فيه الأمة في وعيها قبل أرضها، وفي هويتها قبل حدودها. كان يرى أن ما يجري في السطح ليس إلا أثرًا لما يُطبخ في العمق، وأن قراءة الحدث دون فهم سياقه، أشبه بالنظر إلى موج البحر دون إدراك حركة التيار.
عقلٌ استشرافي… يرى ما لا يُرى
امتلك محمد مورو قدرةً نادرة على استشراف المآلات، لا بمعنى التكهّن، بل بمعنى القراءة العميقة للسنن، وفهم اتجاهات الحركة التاريخية، وربط الحاضر بجذوره، واستشراف نتائجه في ضوء معطياته. كان يرى ما يغيب عن كثيرين، لا لأنه يملك سرًّا خفيًّا، بل لأنه كان ينظر بعينٍ واعية، تقرأ ما بين السطور، وتدرك أن الأحداث لا تقع فجأة، بل تُبنى لبناتها في صمت، قبل أن تظهر نتائجها في العلن.
في محطاتٍ مفصلية من تاريخ الأمة، كان صوته حاضرًا، يحذّر من المسارات الخاطئة، وينبّه إلى المخاطر القادمة، ويكشف عن الأجندات التي تعمل في الخفاء. لم يكن يساير التيار، ولا ينجرف مع الموجة، بل كان يقف حيث يقتضي الموقف، ويقول كلمته بصدقٍ ووضوح، ولو خالف السائد، أو أغضب المتصدّرين.
وهنا تتجلى قيمة المفكر الحق: لا في قدرته على توصيف الواقع بعد وقوعه، بل في بصيرته التي تُبصر المآلات قبل أن تتشكل، وفي شجاعته التي تدفعه إلى قول الحق في زمن المجاملة، ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 39].
الكلمة عنده رسالة… لا وظيفة
كتب محمد مورو كثيرًا؛ ما يقارب المئة كتاب، إلى جانب مئات المقالات والدراسات، وحضور واسع في الصحافة العربية والدولية، لكنه – رغم هذه الغزارة – لم يتعامل مع الكتابة بوصفها حرفةً يُكتسب منها الرزق، أو وسيلةً للظهور، بل رآها رسالةً يُؤدّي بها واجبًا، ويُعبّر بها عن موقف، ويُدافع بها عن معنى.
كان يؤمن أن الكلمة إذا لم تكن صادقة، لا تستحق أن تُقال، وإذا لم تكن مسؤولة، لا يجوز أن تُكتب، وأن القلم إن لم يكن شاهدًا للحق، فهو شاهد زور. لذلك، جاءت كتاباته مشتبكةً مع الواقع، منحازةً إلى قضايا الأمة، بعيدةً عن الترف الفكري، خاليةً من الزخرف الفارغ، مشبعةً بالهمّ، مثقلةً بالمسؤولية.
ولم يقف عطاؤه عند مخاطبة النخبة، بل امتدّ إلى الأطفال، فكتب لهم عشرات القصص، وكأنَّه كان يدرك أن معركة الوعي لا تُحسم في قاعات الكبار وحدهم، بل تبدأ من عقول الصغار، حيث تُزرع البذور الأولى، وتتشكّل اللبنات الأولى للفكر، وتُبنى ملامح الإنسان القادم.
الوسطية التي تُبنى… لا التي تُرفع شعارًا
انتمى محمد مورو إلى مدرسة الوسطية الإسلامية، لكنه لم يتعامل معها بوصفها شعارًا يُرفع في المناسبات، أو عنوانًا يُستدعى في الخطاب، بل بوصفها مشروعًا يُبنى في الفكر، ويُترجم في الواقع، ويُختبر في المواقف. دعا إلى الحرية والعدل، ورفض التعصب، ونادى بالتغيير عبر الجماهير، لا عبر العنف، مؤمنًا أن الأمة إذا وعَت، استطاعت أن تُغيّر، وأن الكلمة إذا صدقت، بلغت مداها.
كان يرى أن الحوار أصل، وأن الخلاف سنّة، وأن القناعة لا ينبغي أن تتحول إلى سيفٍ على الآخرين، وأن الفكر إذا فقد أخلاقه، فقد قيمته. وفي زمنٍ تُختزل فيه المواقف إلى شعارات، ويُستبدل فيه الحوار بالصراخ، ويُقاس فيه النجاح بعلو الصوت لا بعمق الفكرة، كان صوته هادئًا، لكنه نافذ، عميقًا، لكنه مؤثر، ﴿ادْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
الأقصى في قلبه… وفلسطين في وعيه
لم تكن فلسطين عند محمد مورو قضيةً هامشية، ولا ملفًا سياسيًّا يُتناول عند الحاجة، بل كانت في قلب مشروعه، وفي صميم وعيه، كتب عن المسجد الأقصى قبل عشرين سنة تقريبا وكأنه يكتب اليوم والمسجد الأقصى مغلق ومهدد بالهدم، وكانت كتابته بوعيٍ استشرافي، محذرًا من المخاطر التي تُحاك في الخفاء، رابطًا بين الدوافع العقدية والمخططات السياسية، كاشفًا عن أن الصراع ليس على أرضٍ فحسب، بل على معنى، وعلى رمز، وعلى هوية.
وكان يرى أن تحرير الأرض لا يكون بالسلاح وحده، بل بوعي الأمة، وحركتها، وضغطها الجماهيري، مؤمنًا أن الجماهير إذا تحركت صنعت ما تعجز عنه الجيوش وحدها، وأن القضية إذا سكنت في الضمير، تحولت إلى قوةٍ لا تُقهَر، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: 40].
زهدٌ في الأضواء… وإقامةٌ في العقول
تولّى مناصب إعلامية، ورأس تحرير مجلات، وكتب في كبريات المنصات، لكنه لم يكن من طلاب الأضواء، ولا من عشّاق التصفيق، فلم يسعَ إلى الشهرة، ولم يطلب الحضور في الشاشات، بل اختار أن يترك أثره في العقول التي تقرأ، لا في العيون التي تشاهد، وأن يكون حضوره في الفكرة، لا في الصورة.
كان يكتب ليُفهم لا ليُصفَّق له، ويُحلّل ليُبصِّر لا ليُدهش، ويُحاور ليُقنع لا ليغلب، وهكذا، ظلّ وفيًّا لما آمن به، لا تُغيّره المواقع، ولا تُبدّله الظروف، حتى صار حضوره أعمق من ظهوره، وأثره أبقى من صوته.
رحل الجسد… وبقيت الأسئلة
يرحل محمد مورو، وتبقى أسئلته مفتوحة، وكتاباته شاهدة، وأفكاره حيّةً تبحث عمّن يحملها، ويواصل بها الطريق .. يرحل وتبقى تلك الحوارات الطويلة التي كانت تبدأ في المساء ولا تنتهي إلا على وعدٍ بيومٍ جديد، وتبقى تلك الضحكات التي كانت تكسر ثقل اللحظة، وتلك التعليقات الساخرة التي كانت تُخفف وطأة الطريق.
ليس الراحلون سواء؛ فمنهم من يغيب فيُنسى، ومنهم من يغيب فيبقى، ومورو من أولئك الذين يبقون؛ لأنهم لم يعيشوا لأنفسهم، بل عاشوا لفكرة، وكتبوا لمعنى، وصبروا على طريقٍ طويل، ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [القصص: 60].
وداعًا أيها المفكر الصادق… يا من عشت للفكرة حتى صرتَ بعضًا منها، ورحلتَ عنها جسدًا، وبقيتَ فيها أثرًا لا يزول.
رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل ما كتبت نورًا لك في قبرك، ورفعةً لك في درجاتك، وألحقك بالصالحين، وجعلنا ممن يَصْدُقُ في حمل الكلمة كما صدقتَ، ويُحسن الوفاء للفكرة كما وفَّيتَ، ويُدرك أن المعاني الكبيرة لا تموت برحيل أصحابها، بل تزداد حياةً كلما وُجد من يحملها بإخلاص، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.




