
الشيخ محمد كريم سعيد راجح
شيخ قرّاء الشام، وعَلَمٌ من أعلام العلم والقرآن في بلاد الشام
الشيخ محمد كريم بن سعيد بن كريم راجح، وُلد سنة 1344هـ / 1926م في حي الميدان بدمشق، ونشأ في أسرة متواضعة محافظة. يُعدّ من كبار علماء الشام في عصره، جمع بين القراءات، والفقه الشافعي، والتفسير، واللغة، والأدب، والخطابة، واشتهر بثباته على الحق ومواقفه الجريئة في مواجهة الظلم والاستبداد، ومعارضته الصريحة لنظام بشار الأسد، وتأييده للثورة السورية منذ انطلاقتها.
نشأته وبدايات طلبه للعلم
نشأ الشيخ كريم راجح في بيتٍ فقير، وكانت والدته امرأة صالحة تُعلّم القرآن للصغار في بيتها، فبدأ تعلّمه على يديها. ثم أُلحق بالشيخ ياسين الزرزور فحفظ القرآن الكريم كاملًا، وتعلّم مبادئ اللغة والحساب.
انتقل بعدها إلى جامع منجك بحي الميدان، حيث تلقّى العلوم العربية والإسلامية، ثم حصل على الشهادة الثانوية، فالتحق بـ كلية الشريعة في جامعة دمشق ونال منها الإجازة، ثم تابع دراسته وحصل على دبلوم من كلية التربية، قبل أن يُعيَّن مدرسًا في وزارة الأوقاف السورية.
تحوّله العلمي وصلته بشيخه حسين خطاب
في شبابه، عمل في مطبعة، وكان بعيدًا عن أجواء العلم في البداية، حتى كان موقفٌ مؤثر مع والدته حين وجّهته إلى الشيخ حسين خطاب، فكان لذلك أثرٌ عميق في نفسه. انتقل بعدها إلى جامع القاعة، ولازم الشيخ حسين خطاب، فحفظ عليه القرآن كاملًا في سنة واحدة، وحفظ متن الغاية والتقريب في الفقه الشافعي، وألفية ابن مالك في النحو، ونصوصًا أدبية عديدة.
ثم انقطع لطلب العلم في جامع منجك عند الشيخ حسن حبنكة الميداني، فقرأ عليه العلوم الشرعية والعربية، وازدادت صلته بالشيخ حسين خطاب حتى صارت صلة علم وزمالة.
القراءات والإجازات
بدأ جمع القراءات مع الشيخ حسين خطاب عند الشيخ محمد سليم الحلواني، ثم أتمّ القراءات العشر الصغرى (من طريقي الشاطبية والدرة) على الشيخ أحمد الحلواني، وأجازه بها بالسند المتصل.
وزيادةً في التوثيق، ختم القرآن كاملًا بالقراءات العشر على الشيخ محمود فائز الدير عطاني، كما تلقّى القراءات العشر الكبرى (من طريق الطيبة) عن الشيخ عبد القادر قويدر في عربين.
شيوخه
من أبرز شيوخه:
-
حسين خطاب
-
حسن حبنكة الميداني
-
أحمد الحلواني
-
عبد القادر قويدر
-
خيرو ياسين
-
نعيم شقير
-
مصطفى الخن
وقرأ عليه وأجاز عددًا كبيرًا من طلاب العلم
مشيخة قرّاء الشام
بعد وفاة شيخه حسين خطاب سنة 1408هـ / 1988م، بويع الشيخ كريم راجح شيخًا لقرّاء دمشق وبلاد الشام في الجامع الأموي، بإجماع العلماء والقرّاء، دون منصب رسمي أو مقابل مادي، باعتباره المرجع الأعلى في علم القراءات في الشام.
كما ترأس مشيخة القرّاء التي أطلقها المجلس الإسلامي السوري سنة 2017.
التدريس والخطابة
-
بدأ التدريس في المساجد وهو في نحو الثامنة عشرة.
-
درّس في المدارس الحكومية، ثم في الثانوية الشرعية أكثر من أربعين عامًا.
-
أستاذ في معهد الفتح الإسلامي، وفي مجمع الشيخ كفتارو.
-
له دروس ثابتة في جامع الحسن وجامع المنصور.
-
خطيب مصقع، عُرفت خطبه بقوة التأثير وجرأة الطرح، وخطب في كبرى مساجد دمشق.
مؤلفاته
من أشهر مؤلفاته:
-
أوضح البيان في شرح مفردات وجُمل القرآن
-
مختصر تفسير ابن كثير
-
مختصر تفسير القرطبي
-
القراءات العشر المتواترة في هامش المصحف
مواقفه وجهاده في نصرة الحق
عُرف الشيخ كريم راجح بمواقفه الصريحة في مواجهة الظلم:
-
أفتى بتحريم الجدار الفولاذي بين مصر وغزة، واعتبره من أعظم الخيانات في التاريخ الإسلامي.
-
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، تحوّل جامع الحسن في حي الميدان إلى مركز للحراك الشعبي.
-
في 20 أيار 2011، أعلن استقالته من الخطابة على المنبر أثناء الخطبة، احتجاجًا على جرائم النظام السوري.
-
أيّد الثورة السورية علنًا، ورفض تبرير القمع أو السكوت عنه.
-
أفتى بوجوب الجهاد في سوريا لدفع العدوان والظلم، بمفهومه الشامل، لا القتال فقط.
-
عبّر علنًا عن فرحه بسقوط النظام السوري، واعتبره يومًا تاريخيًا للشعب السوري.
-
استقبل عددًا من الوفود الرسمية والعلمائية بعد سقوط النظام، وكان من أبرزها زيارة رئيس الجمهورية السورية أحمد الشرع له، تقديرًا لمكانته العلمية ومواقفه الوطنية.
مشاركاته في المؤسسات والهيئات العلمية
إلى جانب دوره العلمي والتعليمي الفردي، كان للشيخ محمد كريم سعيد راجح حضورٌ مؤثّر في عدد من المؤسسات والهيئات العلمية في بلاد الشام، وأسهم في تأسيس بعضها أو دعمها علميًا ومعنويًا، من أبرزها:
-
رابطة علماء الشام:
كان الشيخ من المؤسسين الأوائل لرابطة علماء الشام، التي أُعلن عن تأسيسها في 10 أيلول/سبتمبر 2012، في سياق جمع كلمة العلماء الأحرار المناصرين للثورة السورية، والدفاع عن قضايا الأمة، وإبراز الموقف الشرعي من الظلم والاستبداد. -
المجلس الإسلامي السوري:
شارك الشيخ في دعم وتأييد مسار المجلس الإسلامي السوري، وكان مرجعًا علميًا معتبرًا لديه، وتولّى رئاسة مشيخة القرّاء التي أطلقها المجلس عام 2017، بوصفه شيخ قرّاء الشام وأعلى مرجعية قرآنية في البلاد.
ختامًا
يبقى الشيخ محمد كريم سعيد راجح نموذجًا للعالم الذي جمع بين رسوخ العلم، وصدق الموقف، وشجاعة الكلمة، فلم يكن القرآن عنده تلاوةً فحسب، ولا العلم منصبًا أو وجاهة، بل رسالةً ومسؤوليةً وجهادًا في نصرة الحق ودفع الظلم. وقد ظلّ طوال عمره شاهدًا على أن العالم الحقيقي هو من يقف مع المظلوم، ويصدع بالحق، ويجعل علمه في خدمة الأمة لا في خدمة السلطان. حفظه الله، وأطال عمره على طاعته، وجعل أثره العلمي والدعوي ممتدًا في الأجيال القادمة.




