مقالات مختارة

أيحسب أن لن يقدر عليه أحد”: غرور القوة والثروة. أ.د. فضل عبد الله مراد

(أيحسب أن لن يقدر عليه أحد)

غرور القوة والثروة ….

قال سبحانه وتعالى مقرعا لمغرور يدير امبراطورية مالية … يهلكها بإسراف في الفساد في الأرض مع سقوط في التصريحات وحمق في الوعي :

(أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)

إن المال والقوة يعطيان الشخص معنى ضافيا من النزعة الاستعلائية في منطقه ونظراته وشعوره وتصرفاته وعلاقاته بالحياة وبالآخرين…

وقد تأخذ هذه في التضخم يوما بعد آخر إن لم توجد كوابح الإيمان التي تمنع الوصول إلى هذه النزعة وتحاربها في مهدها…..

إن هذا التضخم سيوصله ولا شك إلى ظنون وأوهام عن مدى قوته وعلوه الذي لا يقدر عليه أحد.

إلى هذا المدى من البجاحة والاستكبار والغباء في نفس الوقت تسلل إليه هذا الظن وظل يكبر ويكبر يوما بعد
ويتسع معه طيشه وغروره واستكباره
حتى يطال من حوله من القريببين
ثم يتوهم أنه قادر أن يمد يده لما شاء متى شاء ……

ومن ثم جاء هذا النص ليعالج هذا المريض ويردعه ويرده إلى صوابية الجادة

بهذا الاستفهام التوبيخي التقريعي التهكمي
في الآية: «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد».

هكذا وصل به الأمر حتى انغرس في حسبانه أنه خارج دائرة الضعف.

إنها حسابات ومكاييل ظنون خاطئة وأوهام فاسدة أوصلته إلى هذا.

وانظر إلى «لن»

التي تفيد النفي والاستقبال في النفي المؤكد المؤبد في دائرة الزمن،

وهكذا تقديم الجار والمجرور «عليه»

الذي يفيد زيادة في الإيماء بالأوثقية.

«لن يقدر عليه أحد» مهما كان، وهذا عام لكل واحد وأحد.

إنه غرور كبير وحسب.

(تصريحات ) ….

ثم عقب بغرور القول بعد غرور وبذخ الاعتقادات.

«يقول أهلكت مالاً لبداً».

انظر كيف يفتخر ويزهو بكثرة لعبه بالمال وطغيانه به.
حتى لم يقل أنفقت.. بل أهلكت.
ليعطي اللامبالاة بهذا المال ومنافعه.

إنه إهلاك للمال وتبذير به وبغي وخيلاء وبطر… إلى آخر ألقاب الذم.

امبراطور المال الغبي والمستكبر لا ينفقه في حقه

بل يقول مفتخرا منفوخا كالبالون الفارغ إلا من الهواء
«يَقُولُ ‌أَهْلَكْتُ ‌مَالا ‌لُبَداً (6)» سورة البلد

لاحظ أنه قال أهلكت ولم يقل أنفقت

لأنه يهلكه فقط
يتلفه
يضيعه
لا ينتفع به ولا ينفع الأمة في حضارة ولا نهضة
بل يهلكه فقط.
لذلك نحن أغنى أمة وفي نفس الوقت أفقر الشعوب وأشد الأمم تفرقا

لأن من أهلك مالا لبدا أتلف كل شيء
بل وظفه في صناعة الأزمات بالخيارات الخاطئة أنتجتها ناصية كاذبة خاطئة

إن العالم وعلوج البيت الأبيض يعلمون أنا أقوى أمة
لكنا في وضع تهدر ثرواتها في ما يفتت ويثمر الفشل وذهاب الدولة

لهذا ترون اليوم كيف
تجرأ علينا صعلوك الكيان ينبح بين الحين والآخر

(مالا لبدا) …

لاحظ معي الكلمة الثانية (مالا لبدا )
فهو لا يعده بل تلبد والتصق المال ببعضه في الخزائن
فهو ينفق بالشوال والخيشة.
بلا حد ولا حساب ولا رقابة.
هؤلاء تحداهم اللهم فوضع لهم امتحانا فهل يفعلوها ويتجاوزوا تلك العقبة
(فلا اقتحم العقبة)

إن هذا النص في أخرى في جزء عم يقرر أصلا عظيما في حفظ الثروة والرشد في إدراتها …
ويستنبط من النص تحريم هذا الأسلوب مع المال لأن الله أورده مورد الذم ..

إن الله جعل هذا المال لعمارة الحياة وإصلاحها والقيام بحقوق الاستخلاف.

أما أن يوظف للانحراف وصناعة الأزمات وبناء امبراطوريات البغي والهيمنة فهذا مرفوض مرفوض.

إن الإنسان إذا وصل إلى هذه الحالة الشعورية التي وصفها الله «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد».

ماذا تظنون أنه صانع بالمجتمع، بالإنسان، بالحياة.!!!!

هل سيصنع السلام والخير والمحبة، أم سيغذي الصراع ويختلق المشاكل ويسعى ليكون بلا ند أو منازع لنزواته وحسبانياته اللامحدودة.
إنها هلوسة العظمة فعلا…..

وأول رد على هذا المهووس هو الاستفهام التقريعي التوبيخي «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد.. أيحسب ألم يره أحد».

بلى إننا قادرون عليه وعلى إسكاته..

إنه في دائرة الرؤية والمراقبة.

إن الله هو من أمده بهذه القوى المبصرة والتي لولاها لما كان شيئا «ألم نجعل له عينين».
وقوى التعبير «ولسانا».
ولمحة من الجمال الضروري «وشفتين» وإلا لكان كأبشع مخلوق

نحن من أمددناه بهذا فوضفها في الجريمة والسقوط ….

أهكذا تشكر النعم …!!!
أهكذا توظف !!

إن الذي منحك هذه القوى والإمكانات والثروة المتلبدة سيجردك منها في لمحة بصر
إنك مخلوق ضعيف تحت سطوته وجبروته وسلطانه…

إن هذا النص فيه تشكيلة بلاغية عجيبة ففي حين يصف حال هذا المعتوه المغرور الذي أهلك المال في المهلكات.

بمدى السقف المرتفع لغرورة…

يخبره في نفس الوقت مقرعا وموبخا له أنه أعجز من ذلك وأدنى أن يلتفت له.
إنه تحت القدرة الإلهية والرقابة الإلهية والسلطان المطلق الذي يتحكم في سير هذا الكون وذراته ويعلم مستقرها ومستودعها.

#فقه_القرآن
#دستور_العالم_المحفوظ

من كتابنا: القرآن وصناعة الإنسان والحياة

أ.د. فضل عبد الله مراد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى