كتاباتكتابات المنتدى

💠 مقاصدُ الحَجّ (1-2)

💠 مقاصدُ الحَجّ (1-2)

 

بقلم أ. د. فؤاد البنا

(المنتدى)

 

🔷 التذكير بوحدة الرّسالات واتصال الأزْمنة:
لقد دعا الخليل إبراهيم ربَّه أن يجعله مستجاب الدعوة، ودعا مع فلْذة كَبِدِه إسماعيل بأن يجعل من ذرّيّتهما أمةً مسلمة، وأن يُريَهم مناسكَهم ويتوب عليهم، وأن يبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم الآيات ويُعلّمهم منهج القراءة (الكتاب) ومنهج التنزيل على الوقائع (الحكمة) قال تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيم. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة : 128 – 129]

ولابد أن الله استجاب الدعاء فقد بنى إبراهيم الكعبة ثم بنى الأقصى الذي صار قبلة الأنبياء ردْحاً من الزمن، ثم استدار الزمانُ كهيئته أول مرة معيداً المسجد الحرام إلى الصدارة، فصار قبلةَ الأمة والملّة إلى قيام الساعة، إذ فُرض على المسلمين الصلاة نَحْوَه ودُعُوا للحجّ إليه، وذلك بغرض تخليد الرسالة الحنيفية الممتدة وربط الأجيال المتتابعة ببعضها، وتذكير المؤمنين بأن دينهم واحد ولو تنوّعت الشرائع وبأن الأزمنة متصلة ولو اختلفت الظروف وتغيّرت الوقائع، مما يفيض عليهم بقيم التسامح ويدفعهم للنّهْل من أنهار العِبَر والدروس!

🔷 تعظيم حُرُمات الإنسان وحقوقه:
رغم أن ممارسات بعض المسلمين قد أظهرت الإسلام كأنه دينٌ لاهوتيٌ جاء من أجل الله فقط، فإن المُتمعِّن في تعاليمه الشاملة والمُتنقِّل في أبهائه العظيمة يدرك أنه جاء من أجل الناس، إذ تَزْرع كلُّ تعاليمه في وُجْدان أتْباعه تقديس حقوق الآخرين، دافعةً إياهم إلى تقديم المنافع ودَفْع المضار.
وينطبق ذلك على الحَجّ إذ لا يمكن أن يتقبّله الله إلا إذا كان مبروراً، والحج المبرور هو الذي ينجح ببناء دولة التقوى في أفئدة القائمين به، قال سبحانه:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}[البقرة: 197]، إنه دورةٌ تربوية ضخمة في تهذيب طبائع وعادات الحُجّاج، ومنهج متكامل في تعظيم حقوق وحرمات الناس، بحيث يعود الحاجّ إلى بلاده وقد صار أفضل مما كان عليه في أخلاقه وتعاملاته مع الخَلْق، قال صلى الله عليه وسلم: “من حجَّ هذا البيت فلم يَرفُث ولم يَفْسُق، خرج من ذنوبه كيوم وَلَدَتْه أمُّه”.

🔷 تجسيد عالمية الإسلام ووحدة المسلمين:
منذ أن بَزَغتْ شمسُ محمد في أمّ القُرى والقرآن يتنزّل عليه بأفق عالمي: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] ومثل كل قيم الإسلام وشعائره فإن الحج تجسيد عملي لعالمية الإسلام التي تضم في أكْنافها العربيَّ والعجميّ، الأبيضَ والأسْودَ، القريبَ والبعيدَ، ولنتأمّل ملياً في قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] وفي أرجاء مكة وأكنافها وفي أنحاء جبل عرفة وسفوحه، تذوب الفوارق وتَضْمحلّ الخصوصيات، ويصبح الجميع كتلة واحدة في المظهر المادي، ويتحقق ذلك في المَخْبَر القلبي على قدْر الاجتهاد السببي واسْتَمْطار سحائب التوفيق الرباني.

وفي مكة يطوف الحُجّاج حول كعبة الله بانسجام تام، نابذين الدوران حول أفلاك العصبيات، ويعتلون في عَرَفة تلالَ الأخوة الواحدة، ويَبيتون بمُزدلفة في أحضان الوحدة الجامعة، وفي منى يَرْمون أصنامَ الجاهليات وجمرات العصبيات، ويَقذفون أباليسَ الإغراء والإغواء!
لقد وضَع الإسلام كل عصبيات الجاهلية وهدَم كل دعوات التميُّز، ورفَع الجميعَ إلى هضاب الأخوة وتلال التسامح، ومَدَّ جسور المساواة والتآخي، وحَثَّ على التآزر والتناصر، ودرّب أتباعه على تمزيق أثواب الاستعلاء البغيض، وعلى توسيع عرصات الأخوة الجامعة.
ولاستعلاء القريشيين على قبائل العرب ببعض المظاهر، كالإفاضة من مكان مختلف بحكم أنهم سدَنة الكعبة، فقد حثَّهم الله على أن يفيضوا من حيث أفاض الناس!
وبهذا التّراصّ وتلك الوحدة انبعثت قوة الأمة من الأعماق فافتتحت كثيراً من الأنحاء التي ادّعى كبراؤها التّرفّع عن الخَلْق واحتكار الحق، وأصرّوا على امْتهان الأغْيار واضطهاد الضعفاء، فجاهدوهم حتى لم تكن فتنة وصار الدين كلّه لله، حيث الحرية التي تقول للجميع: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ} [الكهف: 29]، ولكن بعد توضيح الحق الذي ينساب من كلماتِ الخالق الذي يجازي الجميع بعدله وفضله!

🔷 بُورِكَ المُتَدَبِّرون 🔷

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق