كتاباتكتابات مختارة

وأَظلمتِ الجُمعة…

وأَظلمتِ الجُمعة…

بقلم جمال غول

بعد وفاة نبينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يصف لنا سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه كيف آل حال المدينة المنورة فيقول “لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله -صلى الله عليه و سلم – المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم من المدينة كل شيء”

كيف لا تُظلِم المدينة؟ وما فقد الماضون مثل محمّد ولا مثله حتى يوم القيامة يُفقد.

وهانحن نعيش اليوم ظلمة أخرى، حينما نسمع المؤذن ينادي حي على الصلاة حي الفلاح و قبل أن نُفكّر في الاستجابة من عدمها يسبقنا بقوله: صلوا في بيوتكم !

كم من نداء أعرضنا عنه بلا عذر واشتغلنا بما ليس فيه غنم وضيّعنا ما فيه الربح ولم ندر.

لتزيد الظلمة سوادا عندما يُنادى بنفس النداء يوم الجمعة  وما أدراك ما يوم الجمعة !

ذاك اليوم الذي -منذ نعومة أظافرنا- وهوعندنا يوم ليس كباقي أيام الأسبوع ،فيه الراحة و التسوق و الزيارات و تاج كل ذلك هو الخروج زرافات و فرادى، عائلات و أصحابا صغارا و كبارا يعلو غالبيتهم البياض من اللباس بعد أن اغتسلوا وتعطّروا ولبِسوا النظيف قبل الجميل من الثياب آمّين بيوت الله راجين رحمته قاصدين تعلم أحكام دينه، للإمام منصتين غير مشتغلين بما يَحرِمهم الأجر و يجعلهم لاغين.

لم يخطر لنا ببال أنه يأتي يوم فيه من الوبال ما يحرمنا من الجمعة بحال أو من صلاة الجماعة في سائر الأيام!

فإن كان تخلّفنا سابقا عن بعض الصلوات قد خفّف من وطأة تعليق الجماعات فمن سيُخفّف الوطأة على الذين لم يألفوا التخلف عن الجُمعات؟

من سيُواسي المؤذنين والمرشدات و الأئمة الذين اعتادوا أن يكونوا بالمصلين مرحبين وعلى اجتماع المسلمين في هذا اليوم مشرفين، تزويدا لشُحن الإيمان و تعليما لأحكام الاسلام وتجميعا للقلوب على المحبة والوصال وتحريكا للنفوس على البذل والإحسان، فوجدوا أنفسهم أمام محاريبهم بلا مأمومين وأعواد منابرهم قائمة تئنّ بلا خطب للمصلين و بقيت دروسهم وخطبهم التي حضّروها حبيسة صدورهم ومكتباتهم، فأصابت أجسادهم قشعريرة وامتلأت قلوبهم ألما وحنقا فكأنهم في سكرة هم فيها حائرون؟.

من سيؤنس وحشة الأباء والأمهات الذين ينتظرون الجمعة شوقا يجعلهم في الساعات الأولى من المبكرين وبمِسْبحاتهم ذاكرين ولسورة الكهف تالين، لا يشغلهم عنها زيارة الأولاد حتى وإن كانوا للأحفاذ والأسباط مصطحبين، يطلبون  الخاتمة الحسنة لأعمارهم، يلوح لهم كل جمعة فجر الأجر الذي يُذهب ظلام تعبهم خلال السنين؟.

من سيَسُدّ خُلة أولئك الطلبة و الموظفين الذين أنهكتهم الدروس والوظيفة ليَلوذوا بأنفسهم إلى الجُمعات تخفيفا لثقل الوطأت بالسجود لرب البريات والملاقاة مع أولاد الحومة و تصفح الذكريات؟

جمعة بلا جاموعة و أذان بلا إقامة ومنابر بلا أئمة و مساجد بلا مصلين وكأنها الآخرة وما هي بالآخرة و إنما هي المصيبة العظيمة التي ليس لها من دون الله كاشفة

وأظلمت الجمعة لما غُلِّقت المساجد و عُلّقت الجُمعات كما أظلمت المدينة لما طوى الثرى جثمانك يا رسول الله، فلا عاش من لم يعش لرسالتك ولا عاش من يعيش بدون جمعة.

عصيناك ربنا بجهلنا أنت العفو…

أمرتنا بالمعروف فلم نأمر به كما أمرتنا  أنت الكريم..

رأيناك تُعصى ولم ننه أولئك العصاة و أنت الغفور …

رزقتنا من غير حول منا ولا قوة و شكرنا غيرك و أنت الشكور

ربنا سبقت رحمتك غضبك يا رحيم يا رحمان

فأنر اللهم لنا بنورك الذي لا يخبو جُمعتنا القادمة ولا تجعل للظلمة إليها سبيلا

ورُدّنا اللهم برحمتك الواسعة إلى مساجدنا لتكون بعمارها عامرة

واكتب اللهم بفضلك المبين السلامة والعافية لعبادك المبتلين

اللهم آمين.

(المصدر: صحيفة البصائر الالكترونية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق