مسلمو إسبانيا.. ما بين التنصير بالإجبار والحفاظ على الهوية

مسلمو إسبانيا.. ما بين التنصير بالإجبار والحفاظ على الهوية

بقلم عبد اللطيف مشرف

كانت أحوال الموريسكيين وهم الأندلسيين المسلمين الذين أجبروا على التنصير بعد سقوط غرناطة عام 1491م؛ فنرى تنصيرًا، وحرقًا للتراث وللكتب العربية، وهو ما يناقض نصوص معاهدة التسليم التي تنص على احترام عاداتهم وشعائرهم الدينية، ولكن بعد التسليم حدث عكس نصوص المعاهدة تمامًا، وما سنذكره هو جزء قليل من كثير حدث، حيث بدأت مرحلة جديدة ومختلفة على هؤلاء، وسنذكر جزء بسيط من معاناتهم.

في 20 أكتوبر 1525م خيَّر فيليب الثاني كل المدجنين في مملكة (بلنسية) بين تغيير دينهم أو مغادرة الأراضي الإسبانية في تاريخ أقصاه 8 نوفمبر من العام نفسه. بعد ذلك نشر مرسومًا إمبراطوريًّا في هذا السياق، تم فيه الحث على ضرورة حضور جميع موريسكيي بلنسية، كباقي الطوائف الأخرى، للخطب المسيحية وارتداء أهلة (جمع هلال) من القماش الأزرق مرئية على قبعاتهم، كما أُبلغوا أنه لا يجوز لهم امتلاك أسلحة هجومية أو دفاعية، وترك العمل في الأعياد المسيحية، وكذلك عدم الاحتفال بالأعياد الإسلامية، وفي العام التالي تم تطبيق هذه اللائحة من الشروط على موريسكي أراجون أيضًا. وعلى مدى القرن السادس عشر، وحتى عملية الطرد النهائي بين عامي 1609-1614م، كانت رغبة السلطات والمؤسسات المسيحية من مراقبة تصرفات الموريسكيين الدينية تزداد، وكانت المراقبة أكثر إحكامًا، وتشمل أي اختلاف يمكن تفسيره على أنه دليل على الإسلام؛ من المأكولات والمشروبات إلى طريقة الاحتفال بالأعياد.

تمسك الأندلسيين بإسلامهم رغم تعرضهم للأذى في أنفسهم وأموالهم. لقد كانوا يعمدون أبناءهم تنفيذًا للقانون، وعندما كانوا يعودون إلى منازلهم كانوا يزيلون كل العلامات المقدسة بالماء الساخن

كان مصدر كل تلك المواجهات الخلط بين التنصير الإجباري والتعميد غير الشرعي الذي قبله المسلمون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مجتمع إسباني يسيطر عليه المسيحيون ولا يقبل بوجود اختلافات دينية. ونعتقد أن الخلط في المسائل الدينية هو أساس المشكلة الدينية للموريسكيين في المجتمع الإسباني. كان المسيحيون يعتبرونهم “مسيحيين غير متدينين”، بينما كانوا هم يعتبرون أنفسهم مسلمين بقلوبهم ولا يربطهم بالعقيدة المسيحية إلا الشكل الخارجي، وأنهم يفعلون ذلك لكي يستطيعوا الحياة في ذلك المجتمع الذي يضطهد المسيحيين غير المتدينين ولا يسمح بوجود غير مسيحيين. إن غموض الوضع يفسر اللائحة الدينية والاجتماعية للموريسكيين أو المسلمين الإسبان طوال القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر. ولقد تمادت العجرفة الإسبانية في ملاحقة بقية المسلمين، حيث أصدر فيليب الثاني مجموعة من الشروط في حق حوالي 400 ألف موريسكي، مقابل السماح لهم بالاستقرار، أوردها فيردود Viardot على الشكل التالي:

– عليهم تعلم اللغة القشتالية في ظرف لا يتعدى ثلاث سنوات، ومن فاته الموعد ولم يتعلم اللغة القشتالية فلن يقبل منه الكتابة ولا الكلام بالعربية.
– عليهم تغيير ملابسهم بالتخلي عن الملابس الإسلامية، على أن يكون لباسهم كلباس القشتاليين.
– احتفالات الزواج والعرس، يجب أن تتم على الطريقة القشتالية، كما يجب عليهم ترك أبواب بيوتهم مفتوحة أيام الجمع والأعياد الإسلامية.
– التخلي عن أسمائهم الإسلامية واتخاذ أسماء مسيحية.
– منع الاستحمام وهدم الحمامات حتى التي توجد في البيوت.

لكن السؤال يبقى مطروحًا: هل استطاعت حكومة إسبانيا أن تجبر الموريسكيين على تطبيق هذه الشروط؟ وإلى أي حد نجحت في سياستها هذه؟ لقد تمكنت إسبانيا من تحقيق بعض هذه الشروط. فمثلًا فيما يخص اللباس، أصبح بعض الموريسكيين يتزينون بالزي النصراني، كما هو الشأن في قشتالة، وبالنسبة للأسماء فمن خلال الدراسة التي قام بها بنصار Bennassar لاحظ أن الأسماء لحقها في البداية تحريف. فمثلا حرف اسم يوسف إلى خوسي (Juce)، وأحمد إلى أميت (Amet أو Axarnet)، وعبد الله إلى أودالا (Audallas). لكن في حي البيازين فُرضت الأسماء المسيحية بالقوة؛ فتم إحصاء 70٪ من حوالي 439 رجل يحملون أسماء نصرانية مثل خوان، فرانسيسكو، وألونسو، وهرناندو، في حين تم إحصاء 87٪ من النساء تحملن هن الأخريات أسماء نصرانية من قبيل ماريا، وإسابيل، وكاطلينة.

وجدت هذه السياسة معارضة شديدة، حتى من قبل بعض النبلاء الإسبان الذين تولوا الدفاع عن الموريسكيين، فقد دافع فرانسيسكو مولي، أحد أبناء الأسر النبيلة، عن الخصائص الثقافية للمجتمع الغرناطي التي صدرت ضدها التشريعات. فبالنسبة للغة قال: أليس من بين من يتحدث العربية مسيحيون طيبون في الشرق الأوسط ومالطا؟ وبخصوص الملابس أشار إلى أن إسبانيا لها شأن عظيم بين الدول الأخرى، حيث يمكنها الافتخار بوجود أنواع كثيرة من الأزياء الإقليمية. أما عن التشريع الذي يمنع الحمامات العامة فقال إن الحمامات موجودة دائمًا في جميع الأقاليم، فإذا منع الناس من الذهاب إلى الحمامات للاغتسال، أو من الاغتسال في بيوتهم، فإلى أين يذهبون؟ لكن مذكرته هذه أخفقت في إقناع السلطات بالعدول عن رأيها، مما دفع الموريسكيين إلى الاستمرار في تطبيق تقاليدهم بطرق سرية، كطريقة الاحتفال بالزواج، حيث كان يتم الاحتفال به على الطريقة الأندلسية.

وتذكر بعض الكتابات الإسبانية أيضاً أن هؤلاء لم يكونوا مسلمين علانية، بل كانوا ملحدين مستترين، وأنهم كان ينقصهم الإيمان رغم تعميدهم المتكرر، وكانوا يقومون ببعض الأعمال الحميدة من الناحية الأخلاقية. كانوا صادقين في التجارة والتعاقدات، وكانوا يعطفون على الفقراء، ولا يحبون الدعة، بل كانوا يعملون جميعًا، لكنهم كانوا لا يواظبون على صلوات أيام الأحد، ولا يوقرون أعياد الكنيسة، وكانوا يحضرون الصلاة خوفًا من العقوبة، وكانوا يعملون في أيام الأعياد وأبوابهم مغلقة، كانوا يعملون برضا يفوق رضاهم في الأيام العادية، وكانوا يوقرون يوم الجمعة أكثر مما يوقرون يوم الأحد، وكانوا يغتسلون حتى لو في شهر ديسمبر ويؤدون صلاتهم. على أنه، ومن وجهة النظر الإسلامية، فإن الواحد من هؤلاء ربما كان مسلماً قوياً متمسكاً بعقيدته رغم ما تعرض له من أذى في كل ما يملك.

حيث نرى هنا أن في ذلك دليلًا على تمسك الأندلسيين بإسلامهم رغم تعرضهم للأذى في أنفسهم وأموالهم. لقد كانوا يعمدون أبناءهم تنفيذًا للقانون، وعندما كانوا يعودون إلى منازلهم كانوا يزيلون كل العلامات المقدسة بالماء الساخن، وكانوا يقيمون شعائرهم الإسلامية، وكانوا يطلقون على أبنائهم أسماء إسلامية، وكانت عرائسهم يذهبن إلى الكنيسة لكي يباركن وهن يرتدين أزياء مسيحية مستعارة، وعندما يعدن إلى منازلهن كن يخلعنها ويرتدين ملابس إسلامية، ويحتفلن بالزفاف بآلات موسيقية وأغنيات موريسكية، وكن يتعلمن الصلوات المسيحية الخاصة بالزواج لأن القساوسة كانوا يمتحنوهن، وبعد الزواج كن ينسينها. وتضيف تلك الكتابات أن هؤلاء كانوا يعترفون بخطاياهم لكن اعترافاتهم كانت مقتضبة؛ أي كانوا يعترفون اليوم بما اعترفوا به بالأمس. كان أحد الموريسكيين على فراش الموت، فذهب إليه القسيس وأخذ منه القربان، ولما رأى القسيس أن الموريسكي حزين لكل ذلك قال له: “إذن هي ثلاثة أنواع من التعذيب في يوم واحد: الاعتراف والقربان والزيت المقدس”.

وفي قرى البشرات والساحل كانوا يلقون القبض على الأتراك ومسلمي البربر الذين كانوا يسرقون الأطفال ليلًا، وكان الموريسكيون -كلصوص منازل- يقومون بهذه السرقات بشكل أفضل، وبعد ذلك كانوا يرحلون إلى بلاد البربر ليلًا ومعهم الأطفال المسيحيون. وهنا نرى تناقضاً، حيث مدح الكاتب في عبارات سابقة عطف الموريسكيين على الفقراء وحبهم لعملهم، فكيف يسرقون وهم لا يحتاجون ومطاردون ومراقبون من قبل محاكم التفيش، خصوصًا وأنهم يعيشون في ظل دولة مسيحية متشددة، وتقيم لهم محاكم التفتيش وتراقبهم وترصد تحركاتهم. ونعتقد أن تلك الاتهامات كانت لشحن المسيحيين ضد الموريسكيين، وأخذها حجة لزيادة تعذيبهم وترصدهم من قبل الكنيسة ومحاكم التفتيش.

بالإضافة إلى هذا عانى مسلمو الأندلس من أنواع الشتم والسب، فقد كان الإسبان دائمًا ينعتونهم بالبهائم لتحقيرهم. وبينما كان الإسباني يعطي لنفسه صفة الأسد أو النسر؛ لعلاقة هذه الحيوانات أو رموزها بالنبلاء، كان يضفي على الموريسكي صفة الحيوان المتوحش أو يشبهه بالنمل أو الأرانب أو الفئران لكثرة ولادتهم، أو باللصوص كالغربان. وهكذا أخفقت إسبانيا، رغم الإجراءات التي اتخذتها في إدماج الشعب الموريسكي مع الشعب الإسباني في تحقيق وحدة إسبانيا القومية.

(المصدر: مدونات الجزيرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق