تقارير المنتدىتقارير وإضاءاتكتب وبحوث

قراءة في كتاب (مؤسسات المجتمع المدني) للأستاذ عماد الدين عشماوي

قراءة في كتاب (مؤسسات المجتمع المدني) للأستاذ عماد الدين عشماوي

 

(خاص بالمنتدى)

 

تقوم الشراكة المجتمعية الناجحة، في أي مجتمع، على قواعد من الفهم المشترك بين كافة أبنائه ومؤسساته لغايات حياتهم واجتماعهم، والتي تستند على مرجعيات المجتمع ومعتقداته الرئيسية ونظمه التشريعية، التي يُنشأ عليها أبنائه وتحكم علاقاتهم، والتي تنزلها آليات ومؤسسات العمل داخله واقعاً عملياً، بما يحقق أهدافه وغاياته في حياة حرة كريمة لجميع أبنائه، وعلاقة سلمية صحية مع باقي أفراد جنسهم من أبناء آدم.

وقد كان الإسلام، وسيظل، هو أفضل نظام اجتماعي، حقق نظام الشراكة المجتمعية في التاريخ بين أبناء مجتمع أمته، وبين العالمين، في زمن النبوة المعصومة والخلافة الراشدة. فقد جاء الإسلام، وانتزع العربي ومن وراءه من العالمين، من روح الفردية والقبلية والأنانية، إلى روح الجماعية والشراكة المجتمعية حيث الأمة الواحدة، التي تعتنق نظرة شاملة للحياة والكون والإنسان؛ تقع الشراكة بين المؤمنين وغير المؤمنين من أبنائها في قلبها، وقيم التعارف والتلاقي والجماعية هي نبراسها وهديها في تعاملها مع العالمين، حيث تقوم برسالتها وتحقق شهودها الحضاري، الذي يهدف للسلم العالمي الذي يدخل فيه الناس جميعاً، فينتفي الإكراه ويكون الدين كله لله.

فالإسلام، رسالة شاملة، لا تتحقق إلا من خلال الأمة وشراكة أبنائها جميعاً من ناحية، وشراكة الأمة مع العالمين في حلف فضول إنساني رحماني من ناحية أخرى. ولهذا يجد الناظر في كل تشريعات الإسلام وعباداته، أنها تنزع للشراكة والجماعية، حتى في أخص علاقات الفرد مع ربه؛ فيما يدعو به في صلاته وفي صيامه وحجه، فكل دعاء المسلم جماعي، ومعظم العبادات جماعية، وتحتاج إلى التنظيم الجماعي للقيام بها على خير وجه.

شهدت مؤسسات المجتمع المدني، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، طفرة كبيرة في وتيرة نشاطها، ومجال عملها وتأثيرها، على مستوى معظم بلدان العالم في مختلف مجالات الحياة، وصارت شريكًا رئيسيًّا للحكومات والمنظمات الدولية في معظم القضايا الرئيسية التي تهم البشرية.

فقد بلغت تلك المؤسسات، اليوم، شأوًا كبيرًا في عالمنا، وصارت جزءاً أصيلاً من مكونات عالمنا، يسهم في التنمية، ويتحمل تبعات كثيرة، كانت تقوم بها الحكومات على المستوى الوطني، وصار شريكًا رئيسيًّا في رسم سياسات التنمية، والمساهمة في حل مشكلات دولية كثيرة، تتعلق بــ: البيئة، والسلام، والتنمية، وحقوق الإنسان، والسلم الأهلي والعالمي، والعدالة الإنتقالية، والحماية الاجتماعية، وغيرها من القضايا التي تهم الإنسانية.

فمؤسسات المجتمع المدني، سواء في نموذجها الغربي أو الإسلامي، أو غيرهما من النماذج الحضارية، تعد محضنًا طبيعيًّا للتنشئة الاجتماعية الشاملة لأفراد المجتمع، والمجال المفتوح لحواراتهم، والفضاء الذي يناقشون فيه قضاياهم، ويقترحون المؤسسات والأفعال التي تهيىء سبل اجتماعهم، وتحقق العدالة والإنصاف للجميع، وتحفظ عليهم هويتهم وقيمهم وقوة اجتماعهم، وتمكنهم من اختيار حكومات تدير شئونهم العامة، دون أن تجور على مجالهم العمومي أو تضيقه.

ولهذا، فإن اختيار موضوع مؤسسات المجتمع المدني، لدراسته في اللحظة الراهنة من عمر عالمنا العربي والإسلامي والإنساني، حيث عمق التحولات الجارية على كافة تلك الصعد، أمر ضروري، لما تملكه تلك المؤسسات من أدوار ووظائف، يمكن أن تنتج أملاً حقيقيًّا في إخراج أمتنا المسلمة مما تعانيه من ارتباك وفوضى داخلية، واحتراب شامل في معظم بلدانها، وبين كثير من تلك البلدان بعضها البعض من ناحية.

ومن ناحية ثانية، لاختلال موزاين العدل فيما بين المجتمعات الإسلامية، وغياب التضامن الإسلامي فيما بينها، ودور تلك المؤسسات المأمول في تحقيق قدر معقول من هذا كله، من خلال أدوارها داخل مجتمعاتنا المسلمة.

ومن ناحية ثالثة، لانتشار التطرف بين الكثير من ناشئة الأمة وآثاره الوبيلة عليها، وما نؤمله من قيام تلك المؤسسات بوظائفها في بث القيم الإسلامية القويمة، التي تحصن ناشئتنا ضد العنف والتطرف.

ومن ناحية رابعة، لارتباط مستقبل الأجيال القادمة ومستقبل المجتمع الإسلامي ذاته بما ستقوم به مؤسسات المجتمع المدني من أدوار للنهوض بأمتنا ومجتمعاتها من خلال البناء الشامل لنفسية وعقلية الإنسان المسلم الشاهد على عصره، حكامًا ومحكومين، وأن تسهم في حل معضلة علاقة الريبة والتوجس بين المجتمعات المسلمة وحكوماتها.

ومن ناحية خامسة، لأن المجتمع المدني لم يعد شأنًا داخليًّا في أي دولة أو مجتمع، ولكنه صار شأناً دولياً يهتم به العالم كله: دوله، ومؤسساته الحكومية وغير الحكومية، ويتابعه في كل بقعة من بقاع العالم، ويقيم علاقاتها مع الدول على أساس اعتنائها به أو إهمالها وتضييقها عليه، وهو الأمر الذي يستدعي دوراً فاعلاً يجب على مؤسسات مجتمعنا المدني الإسلامي أن تلعبه على المستوى العالمي، تضاهي به أدوار مؤسسات الأمم الأخرى، وبخاصة الكنائس الغربية؛ التي صارت لاعباً رئيسيًّا في هذا المجال اليوم.

فاللحظة الراهنة، التي تمر بها الأمة وعالمها، تستدعي ضرورة إعادة النظر في مؤسسات المجتمع المدني الإسلامي، وكيفية الاستفادة منها في تغيير أحوال أمتنا، حتى تمثل تلك المؤسسات، إن استعرنا كلمات مالك بن نبي شبكة العلاقات الاجتماعية، التي تؤمن بقاء المجتمع، وتحفظ له شخصيته، وتنظم طاقته الحيوية، لتتيح له أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ ويبني الحضارة.

الإشكالية الرئيسية للدراسة، هي كيفية التأصيل الشرعي لأدوار مؤسسات المجتمع المدني، ووظائفها في المجتمع الإسلامي اليوم من خلال التجربة النبوية في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويتفرع عن هذا السؤال الرئيسي، عدة أسئلة تتمثل في:

دور مؤسسات المجتمع المدني، في النموذجين الغربي والإسلامي في المجال السياسي، وتحقيق التنشئة السياسية، وتحقيق مقصد العدل وإعطاء الحقوق؟، وكيف أسهمت أنشطتها في تحقيق التكافل الاجتماعي والسلم الأهلي، وفي حفظ هوية المجتمعات وقيمها، وما هي التحديات التي تواجهها والشروط التي يجب أن تلبيها لتحقيق ذلك؟، وكيف نطور مؤسسات مجتمعنا المدني العربية والإسلامية اليوم؟

تتناول الدراسة موضوعها من خلال منهج تاريخي تحليلي نقدي تركيبي، فهو تاريخي لأنه يتناول تاريخ فكرة ومفهوم ومؤسسات المجتمع المدني، وهو تحليلي؛ لأنه يحاول تحليل دور تلك المؤسسات في النموذجين الغربي والإسلامي وبيان جوانب القوة والضعف فيهما، وهو تركيبي لأنه يحاول استخلاص معالم بناء مجتمع مدني إسلامي في لحظتنا التاريخية الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق