
محمد عبد الله المَقْرَمي (1377- 1447 هـ / 1957- 2025 م)
داعية إسلامي يمني، ومهندس طيران مدني، له عناية خاصَّة بتدبُّر القرآن الكريم، ونشاط في التعليم والوعظ، وإقامة المبادرات الاجتماعية الخيرية. اشتَهَر بزهده وتواضعه، وصدق عبارته، وأسلوبه السهل المحبَّب القريب من القلب، والحرص على تعليق الناس بربِّهم بلا وساطة. وكان متقنًا للغة الإنكليزية. لقِّب بـ “موقِظ القلوب”، وبـ “شعراوي اليمن” تشبيهًا لأسلوبه المؤثِّر بالشيخ الشعراوي.
سيرته
وُلد محمد بن عبد الله المَقْرَمي في عزلة المَقارِمة وهي قرية صغيرة بمديرية الشمايتين في محافظة تعز اليمنية، يوم الخميس 21 جُمادى الأولى 1377هـ الموافق 12 ديسمبر (كانون الأول) 1957م. ونشأ في بيئة ريفية وديعة تركت أثرًا واضحًا في شخصيته المتواضعة، وفي أسرة عُرفت بالعلم الشرعي.
وباتت بداياتُه الأولى مرجعًا للقِيَم التي لازمته طَوالَ مسيرته الدعوية. التحقَ بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن في مدينة الظهران بالمملكة العربية السعودية، ودرس فيها الهندسة الكهربائية، وحصل على شهادة (بكالوريوس) متخصِّصًا في هندسة الطيَران.
ونال عددًا من الدبلومات العليا، وحضر دورات تدريبية، وأتقن اللغة الإنجليزية تحدُّثًا وقراءة وكتابة. عمل ابتداءً في تخصُّصه الهندسي فنيَّ طيَران مدَني، وحين رُقِّي إلى مناصب إدارية آثر ترك الهندسة للتفرُّغ للدعوة والتعليم الديني والنشاط الاجتماعي الإصلاحي.
“عاش عمُرًا في مهنته، ثمَّ طوى بِساطها وأقبلَ على خاصَّةِ نفسه، روَّضها حتى انقادت لأمرِ الإله، واعتزل ضوضاء الحياة، ليعيشَ عُزلةً قرآنيّةً خالصةً ستَّ سنين، قضاها منكبًّا على التِّلاوة والتدبُّر، حتى بلغَ من الأنسِ بالقرآن أن يختمَه في يومٍ واحد. ولمَّا أعطى القرآنَ عمرَه ولبَّه، منحَه القرآنُ من أنواره وأسراره وهِباته ما لا يُمنَح إلا لأوليائه”.
ولعلَّ التوازن بين العقل الهندسي لديه والروح الريفية، هو ما أصبح فيما بعد سرًّا من أسرار شخصيته الدعوية. ولم يكن تحوُّله من المجال الهندسي إلى العمل الدعوي قرارًا عابرًا، بل كان نتيجةً لمسار طويل من المراجعة الذاتية والتأمُّل العميق في القضايا الروحية والفكرية. وكان هذا التحوُّل مدفوعًا برغبة كبيرة في توجيه جهوده نحو خدمة المعرفة القرآنية، وتوجيه الناس إلى التديُّن الفِطري المتوازن.
له أبناء وبنات، منهم 3 مهندسين.
مسيرته الدعوية
انقطع لدراسة القرآن الكريم سنوات قضاها في تدبُّر آياته وتأمُّل أغراضه، حتى تخصَّص بتدبُّر الآيات الشريفة وبيان هداياتها. وممَّا كان يقول: “الله ربُّنا يقول لنا عن القرآن: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾، أي ذِكري وذِكرُكَ، فلماذا لا نبحثُ عن أنفسنا في طيَّات الكتاب العظيم؟”.
وكان يؤكِّد دائمًا أن أكبر حاجز يحول بين الإنسان وبين فهم القرآن ليس عدم فهم معانيه ولا تدبر آياته، بل ذنب يغفل عنه الكثير، وهو الكذب. وكذلك من أكثر ما يحول بين المرء والانتفاع بالقرآن وتدبُّره ما أسماه “عِلّة الشَّتات”، وهي حالة التشتُّت الذهني المعاصر الناتجة عن كثرة انتقال الإنسان بين القنوات والوسائط الرَّقْمية ووسائل التواصل. واشتَهَر بأسلوب دعوي يجمع بين التيسير العلمي والاهتمام بالجانب الروحي، مع العناية بالتديُّن الفِطري المتوازن القائم على القرآن والسنَّة، ومراعاة العقل ورفض التقليد الأعمى.
ولم يكن داعيةَ مِنبر فحسب، بل كان داعيةَ ميدان، يجوب الجبال والوديان، ويجلس مع عامَّة الناس، يخاطبهم بلغة قريبة من القلوب، ويربطهم بالله قبل كلِّ شيء. وقد شبَّه كثيرون أسلوبه بأسلوب الشيخ محمد متولي الشعراوي.
وتميَّز خطابه الدعوي بعدَّة سِمات بارزة، منها: الاهتمام الكبير بالتوحيد العملي واليقين والتوكُّل، والحضور الدائم للقرآن في دروسه ومجالسه، والتواضع والبُعد عن التكلُّف، ومعالجة القلوب ببَلْسَم الصدق والإخلاص، بخطاب يتَّسِم بالجاذبية، وهدوء الأسلوب وعُمق الأثر التربوي والنفسي، ممَّا أكسبه تقديرًا من طلَّاب العلم والمهتمِّين، وثبَّت مكانته على أنه أحدُ الأصوات الدعوية الهادئة الموثوقة.
شارك في برامجَ علمية وإلقاء الدروس والمحاضرات، ووسَّع نشاطه ليشملَ المواقع الإلكترونية والمِنصَّات الرَّقْمية، فحظيَ بجمهور واسع داخل اليمن وخارجها. ومن أبرز مشاركاته العلمية والدعوية مشاركته في برنامج “يمانيون حول الرسول” برعاية وِزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية، الذي سجَّله في إستانبول بدعوة من أكاديمية علوم الدَّولية، وقدَّم فيه محتوًى يجمع بين السيرة والتزكية، مع تقريب المعاني وتيسيرها، وسيُعرَض البرنامج في القنوات اليمنية الرسمية في شهر رمضان 1447هـ. نشِطَ في الإشراف على مبادرات اجتماعية وخيرية، وكان له حضور في الإصلاح المجتمعي، إلى جانب الدعوة والتربية.
و”عُرف عنه خروجه بعد الشروق من قريته للعمل مع الله، كما كان يسمِّيه؛ يركبُ سيارته، فيحمل كلَّ من أرادَ المدينة، أو ينهض للإصلاح بين المتخاصِمين، مُقبِلًا على ذلك بقلبٍ سَمْحٍ لا يعرف الضَّجَر. وكان يكفُل بعض الأيتام، ويحنو على الفقراء والجَرحى، ويتعهَّدُ أمورهم بنفسه، ويتعاهد القرى المجاورة تعاهد الراعي لأهله؛ فيُطعم الطعام، ويكفُل اليتامى، ويقضي الحاجات، ويشدُّ من أزر الضعفاء، ويُغيث المكروبين؛ كلُّ ذلك في صمتٍ جليل، لا ضجيجَ فيه ولا تصوير، ولا طلبَ شُهرة. ولعلّ الخُلَّص من خاصَّته وحدَهم من كانوا يعرفون هذا الفضلَ المكنون الذي أخفاه عن أعين الناس، وابتغى به وجهَ الله وحدَه”.
فكره ومنهجه
تقوم دعوته على التوسُّط والاعتدال، والفهم العميق لنصوص الشريعة. لديه اهتمام بـ «الهندسة الروحية» للإنسان، باعتبار أن الإسلام ليس شعائرَ فحَسْب، بل هو بناء للنفس والمجتمع.
يرى أن الدين منهجُ حياة شامل، والداعية لا يُؤثِّر بدعوته اللفظية فقط، ولكن بصدق نيته، وحُسن أخلاقه، واتزان سلوكه. ساعد أسلوبه في تدبُّر القرآن الكثيرين على فهم معاني الآيات ومآلاتها فهمًا بعيدًا عن السطحية والتقليد. يؤكد أهميَّة احترام عقل الإنسان، ورفض التقليد الأعمى، داعيًا إلى التدبُّر الواعي للنصوص الدينية.
من أقواله
علامة الإذن التيسير.
القرآن ليس كتابًا نقرؤه فقط، بل نقرأ به أنفسَنا، نعالج به عقلنا وشتاته.
لا تخَف من القرآن، خَف أن تُعرِضَ عنه.
فمَن أقبل عليه صادقًا فتحَ الله له ما لا يفتحُ لغيره.
معاني القرآن لا تُؤخَذ بالعقل المُزدَحِم؛ صَفُّوا عقولكم يأتِكُم القرآن بنفسه.
الصدق أولُ الطريق، والصبر زادُ الطريق، والسلامة فضلٌ من الله.
لا بدَّ للمرء أن يعيشَ اللحظة على مُراد الله.
من عاش لله مات على نور، ومن مات على نور أشرق قبرُه، وامتدَّ أثرُه.
آثاره
فُرِّغت بعضُ محاضراته ودروسه وطُبعت في كتب، وحين بلغه ذلك قال: أيُّ شكرٍ يفي بفضل الله؟ عبدٌ من قرية المقارِم في سفحِ جبل، يقول كلامًا يبلغ الآفاق! اللهم لا تجعلنا ممَّن يقولون ما لا يفعلون.
وكان يكرهُ سؤال: ما جديدُكم يا شيخ؟ فيقول: لستُ مطربًا يُنتظَر جديدُه، اعملوا بما سمعتُم ففيه الفلاح!.
وتعمل أسرته وبعض طلَّابه ومحبِّيه على تفريغ جميع محاضراته ولقاءاته لنشرها في سلسلة كتب مطبوعة، ويشرف عليها الإشراف الكامل ابنُه الأكبر المهندس رضوان محمد عبد الله المَقرَمي، وهو المسؤول الأول عن هذا المشروع العلمي.
محاضراته
ألقى عشَرات المحاضرات،
من أشهرها: حقيقة التوحيد: وتلك الأمثال نضربها للناس.
الله هو الحل الوحيد.
قالوا عنه
كتب عنه الأستاذ الأديب خالد بُرَيه رئيس تحرير موقع “حكمة يمانية”: «لطالما سمعتُ دررَ شيخِنا المَقرَمي، ووقفتُ أمامها كما وقفَ غيري مأخوذًا، ووجدتني أسائلُ نفسي: أيُّ لذَّةٍ تلكَ التي تغمرُه وهو يتحدَّثُ عن الله؟ وأيُّ نعمةٍ تلكَ التي انهمَرَت عليه، حتى فُتِح له هذا الفتحُ في الحديث عن كتابِ ربنا الجليل؟ فلمَّا لقيتُه، أخذتُ أسأله عمَّا يختلجُ في صدري، وسمعتُ منه ما يَهْدي الحَيران، وإنَّ الرجلَ لتعرفُ صدقَه من حديثه؛ فما رأيتُ أصدقَ لهجةً منه، ولا أصفى روحًا، ولا أهدى سَمْتًا. إذا جلستَ بين يديه، رأيتَ رجلًا موصولًا بربِّه، أدركَ سرَّ الوجود، فنظَرَ إلى الدُّنيا كما ينبغي أن تُنظَر، فعاش موفورَ الإيمان، مطمئنَّ الجَنان، مسلِّمًا منقادًا لخالقه، حتى فُتِح له من فيوضِ العارفين ما يعجِزُ اللسانُ عن وصفه… ومن محاسنه التي خبَرتُها فيه أنه لا يتكلَّم إلا فيما يُحسن، تراه في المجلس الكبير كالتِّلميذ، يُصغي بأدبِ المريد، فإذا سُئِلَ عمَّا يعلم أجاب، وإلا آثرَ الصَّمت، لا يتشوَّف للكلام ولا يتطلَّع إليه، فإذا شرَعَ فيه انفتحَ له بابُ الرِّزق وقال: هذا رِزقُكم! وإذا نظرتَ إلى حاله رأيتَ نموذجَ التديُّنِ الفِطريِّ المشرق، الذي يقصد الله في كل أمر، تديُّنٌ يجمعُ رقَّةَ التصوف، وكمالَ التوحيد، وصفاءَ التوكُّل، ولين الجانب، والنَّأي عن الشكليات التي شوَّهت التديُّن وقزَّمته، وأبعدته عن الغايةِ الكبرى».
وكتب عنه بعد رحيله: «ما سمعتُ أحدًا يتحدَّث عن كمال التوحيد كما صنع المَقرَمي، ولا رأيتُ رجلًا تجسَّدت فيه المفاهيمُ الكبرى التي تصوغُ الإنسانَ ليرتقيَ معارجَ الكمال كما رأيتُها فيه بيِّنةً جليَّة؛ فهو ترجمةٌ حيَّة لمعنى الزَّاهدِ العابدِ العارفِ بالله، الرجلِ الذي تحمله الحياةُ ولا يحملُها، يرى اللهَ في كلِّ شيء، وأقصى أمانيِّه أن يعيشَ اللحظةَ كما أرادها الله؛ فإذا بلغ المرءُ تلك الحال، فقد ارتقى إلى مقاماتِ الأبرار الذين نوَّهَ اللهُ بذكرِهم، وجعلهم مثالَ الهُدى في طيِّ كتابه. وكان أعجبَ ما رأيتُ فيه أنه لا همَّ له إلا أن يدُلَّ العبادَ على الله، ويُرشدَهم إلى الاطِّراح بين يديه. لا ينسُبُ لنفسهِ شيئًا، فإذا رأى مريدًا تعلَّقَ به أبعده عن ذاته وأحاله إلى مولاه. قلتُ له بعد سفره: “افتقدتُك شيخَنا”، فقال لي: “من وجدَ الله ما افتقدَ شيئًا”. وحزَّ الفراقُ في نفسي، وأحسَستُ كأني أمسَيتُ في ضميرِ الكونِ وحيدًا، فقلتُ له: “لقد تركتَ في قلبي فراغًا وحُزنًا”، فقال: “مَن استأنسَ بالله ما استوحشَ، ومن اعتزَّ بالله ما ذلَّ، ومن استغنى بالله ما افتقر، ومن اعتصمَ بالله فقد هُديَ إلى صراطٍ مستقيم”».
وصفه الشيخ أبو نَعِيم وليد الوصابي بقوله: «قلَّ من سمع للشيخ المقرمي، ولم يترك أثرًا في قلبه. وقد مكثت لياليَ أستروح إلى تدبُّراته وتأمُّلاته، فاسترحت وانشرحت. وقد كان أسرَّ إلى بعض الناس، وربما أعلنها في الملأ؛ أنه في شوق للقاء الله تعالى، وفي الحديث (من أحبَّ لقاء الله، أحبَّ الله لقاءه) والله واسعُ العطاء، عظيم الرجاء، بَرٌّ رحيم، جواد كريم. انتشرت تدبُّرات المقرمي واشتَهَرَت في أنحاء البلاد، وتأثَّر بها أُناس، في عَريض الأرض، وكان لكلامه حلاوة، وكان صاحبَ تدبُّر لآيات القرآن الكريم وتأمُّلات فيها، على بُعد تخصُّصه عن هذا، ولكن من ناضل وواصل أدرك الثمرة».
روى الشيخ عبد الله الشريف حادثة كشفت جانبًا من أخلاق المَقرَمي وسموِّ روحه، قائلًا: «عندما سُرقت سيارته “الفيتارا” في أحد الصباحات، وبدلًا من الغضب أو الجزَع، تحلَّى بهدوء المؤمن، قائلًا: “الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون”. وبعد أيام، اتصل به السارقُ طالبًا فِدية قدرها 400 ألف ريال، إلا أن المقرمي قدَّم له عرضًا غير متوقَّع: “خُذ السيَّارة هدية مني حلالًا، بشرط أن تتوبَ وألا تمدَّ يدك للسرقة بعد اليوم”. وترك الموقف أثرًا بالغًا في السارق، الذي أقسم بالله ألا يعودَ للسرقة مرَّة أُخرى. وعندما عاتبه أصحابُه على تصرُّفه، أجابهم رافعًا إصبعه نحو السماء: “هو، هو، يرزقني”. وبعد مدَّة فوجئ بسيارة “هونداي توسان” جديدة أمام منزله هديةً من محبٍّ، فأطلق عليها اسم “سيارة ربي” تأكيدًا لتوكُّله ورزقه من الله».
وفاته
تُوفي محمد المقرمي في مدينة جُدَّة، وهو يتأهَّب لصلاة الفجر من يوم الأربعاء 5 جُمادى الآخرة 1447هـ الموافق 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025م، بعد إنجازه رحلةً علمية دعوية شَمِلَت تركيا ومصرَ والسعودية، وختمها بزيارة مكة المكرَّمة وأداء مناسك العُمرة، ثم زيارة المدينة المنوَّرة. وصُلِّي عليه بعد صلاة المغرب في جامع العمارية في جُدَّة البلد، ودُفن في مقبرة أمِّنا حوَّاء بجُدَّة. وأقيم له مجالسُ عزاء في جدة وتعز وصنعاء. نعاه عددٌ من الجهات الرسمية منها وِزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية، ومنتدى العلماء، وهيئة علماء اليمن، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والجامعة الإسلامية في منيسوتا، وكثير من الدعاة والعلماء والمسؤولين، معبِّرين عن الخسارة الكبيرة برحيله. فقد خسر اليمن أحدَ الأصوات الهادئة المؤثِّرة التي أسهمت في بناء وعي قرآني متَّزن لدى الجمهور، وسط إشادات واسعة تؤكِّد أثره الإنساني العميق، وحُنكته في الجمع بين الزهد والتواضع والقدرة على مخاطبة العقل والوِجدان، بلغة أقربَ إلى المتلقِّي وأبعدَ عن التعقيد.




