كتب وبحوث

سورة الكوثر .. تفسير وتحليل وتأويل 3من 3

سورة الكوثر .. تفسير وتحليل وتأويل 3من 3

إعداد أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس

الدراسة التحليلية والتأويلية

(إنّا أعطيناك الكوثر* فصل لربك و انحر* إن شانئك هو الأبتر)

أولاًـ الإعراب:

إنّا: إنّ و اسمها.

أعطيناك: فعل وفاعل ومفعول به أول، وجملة أعطيناك خبر إن.

الكوثر: مفعول به ثان.

فصل: الفاء استئنافية، صل: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة.

لربك: اللام حرف جر، ربك: اسم مجرور, و الكاف: ضمير متصل مضاف إليه.

و انحر: الواو عاطفة ، انحر: فعل أمر مبني على السكون معطوف على صل.

إنّ: حرف مشبه بالفعل، وهو حرف توكيد ونصب للمبتدأ.

شانئك: اسم إن المنصوب، و الكاف: ضمير متصل مضاف إليه.

هو: ضمير منفصل مبتدأ، أو ضمير فصل وقصر وحصر وتوكيد.

الأبتر: خبر للمبتدأ هو، و الجملة الاسمية خبر لـ إنّ، أو الأبتر: خبر إنّ.

ثانياًـ التحليل و التأويل:

إنّا: أصلها إن + نا، فحصل إدغام، لأن الموقف موقف شدة، وقوة، وسرعة، واختصار، وعدم إطالة.

إنّ: إذا بدئ بها تجري مجرى القسم كما يقول النحاة، والموقف موقف عطاء وتأكيد على العطاء.

نا: تدل على الجماعة، وهنا استعملت للتفخيم، و التعظيم، و الموقف يتطلب ذلك.

لم يستخدم القرآن الكريم إني أو إنني، و إنما استخدم إنّا، ما تأويل ذلك؟

القرآن الكريم يستخدم إنّا وإننا ونحن في موقف العطاء والتجلي والعظمة والقوة والعزة والقدرة (إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون) الحجر(9)، ولا يستخدم إنّا أو إني أو إنني إلا في مجال التوحيد والوحدانية والعبادة والعبودية، فهو الواحد الأحد الأوحد (إنني إنّا الله لا إله إلا إنّا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) طه(14).

      من هنا نخلص إلى أن القرآن الكريم يستخدم (نا ونحن) عندما يتكلم على الفعل، و يستخدم (إنني وإني وإنّا ) عندما يتكلم على الذات.

وقال: إنّا بـ نا الدالة على الجماعة، ونا المكونة من حرفين، والممتدة طويلاً في الأعالي.

 وخاطب الرسول e بالكاف، كاف الخطاب – أعطيناك – لربك – شانئك-، تحدث عن نفسه بنا الدالة على الجماعة، المكونة من حرفين، وعن الرسول بكاف الخطاب، المكونة من حرف واحد، ليتميز الخالق عن المخلوق، وليتعظم المعطي، ويرتفع على المعطى له، ولكن استخدام الكاف الدالة على مباشرة الخطاب للرسول e فيها من الشرف والرفعة والعظمة والمكانة العالية والقرب من الله، ما لا مكانة ولا رفعة ولا حظوة ولا شرف بعده.

و المشهد مشهد عطاء كثير ، فاستخدم أسلوب التفخيم و التعظيم ، ليتناسب مع عظمة المعطي ، و عظمة العطية ، و عظمة المعطى إليه .

أعطيناك : قالها بالفعلية ، والفعل يدل على الحدث و الحدوث و التجدد ، و الاسم يدل على الثبوت 1 وجاء خبر إن الجملة المؤولة ( معطوك ) فدلت الجملة على الفعلية و الاسمية ، أي إن عطاءنا متجدد و متغير و دائم و مستمر ، وقالها بالفعل الماضي ليقول : إنّا أعطيناك في الماضي ، و نعطيك الآن في الحاضر ،                 و سنعطيك في المستقبل ، و أعطيناك بالفعلية ، و معطوك بالاسمية .

قال أعطيناك و لم يقل آتيناك ، أو وهبنا لك ، ما تأويل ذلك ؟ :

الجواب : عند عودتي إلى القرآن الكريم وجدت انه استخدم أتى ومشتقاته بـ 540 خمسمئة و أربعين أية ، في حين استخدم أعطى و مشتقاته بـ 14 أربع عشرة أية فقط ، وهذا ما أوقع الشيخ السيوطي ومن بعده الدكتور طالب الزوبعي بالوهم كما أظن حين عد الإيتاء أقوى من الإعطاء ، و الإيتاء أعظم 2  .

فحين عودتي إلى الآيات القرآنية بالنظر و التدقيق ، وجدت أن القرآن الكريم يستخدم

أتى : في أمر محدد ، أو بطلب أحياناً ، أو بأمر ، أو بسؤال ، يقول تعالى ( أتى أمر الله ) النحل (1) ، ( فأتت به قومها تحمله ) مريم(27) ، ( حتى أتانا اليقين ) المدثر (47) ،  ( أ ن يأتي بالفتح ) المائدة(52) ، ( يأت بصيرا ) يوسف (93) ، (لولا يأتينا بآية ) طه (133) ، ( ائتوني بأخ لكم ) يوسف (59) ، ( خذوا ما آتيناكم بقوة) الأعراف (17) ( أوتيت سؤلك يا موسى ) طه (36) ، و الشواهد كثيرة جدا .

وهب : وردت في  ( 21 ) واحد وعشرين موضعاً ، و استخدمها القرآن في أربعة أشياء :

في الذرية : ( يهب لمن يشاء إنّاثاً و يهب لمن يشاء الذكور ) الشورى (49) .
في الرحمة : ( وهب لنا من لدنك رحمة ) آل عمران (8) .
في الحكم : ( رب هب لي حكماً و ألحقني بالصالحين ) الشعراء (83) .
في الملك : ( قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ) ص (35) .
أعطى : ورد في القرآن الكريم بـ 14 أربعة عشر موضعاً كما أسلفت ، وفي ثلاثة أشياء : في العطاء غير المحدود ، و بلا طلب ، و لأكثر من شيء : ( أعطى كل شيء خلقه ) طه (50) ، ( ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيماً فأوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلاً فأغنى ) الضحى (4-8) ، ( عطاء غير مجذوذ ) هود (108) ، ( عطاءً حسابا ) النباء (36) ، و يتضح الأمر بصورة جلية في هذه الآيات : ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * و الشياطين كل بناء و غواص * و آخرين مقرنين في الأصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب ) ص (36-39) .

فالإعطاء : يستخدم كما تبين بالعطاء غير المحدود ، و غير المحسوب ، و المفتوح، و المطلق ، و بكل شيء ، و من هنا يتبين لنا سر استخدام الفعل المتعدي أعطى دون أتى أو وهب .

الكوثر : كوثر : على وزن فوعل ، من أوزان المبالغة .

و العربية تستخدم في العد الرقم واحد للمفرد ، و اثنين للمثنى و أحياناً للجمع ، و ثلاثة فما فوق للجمع ،         و تستخدم للأعداد التي يصعب عدها و حصرها كلمة : كثير ، على وزن فعيل فإذا أردت أن تجمع كثير كانت الصيغة كوثر ، فكوثر هي صيغة جمع الجمع ، و المبالغة في الجمع ، وهذه الصيغة تعني أقصى درجات الكثرة ، و تعني المبالغة بالكثرة بما لا حصر له و لا عد له و لا طرف و لا حد .

و الكوثر : وصف لموصوف محذوف وهذا الحذف كما يسميه الدكتور فاضل السامرائي : الحذف على سبيل التوسع في المعنى 1 ، فمن قال الكوثر هو النهر أو أي واحد مما ذكر سابقاً من أقوال في الكوثر ، فقد ضيق المسألة كثيراً ، من قال بالذرية فقد ضيق المسألة إن لم يكن جانبه الصواب ، ومع حبي لآل البيت وذرية آل البيت إلا أنني أقول : إن القرآن الكريم لم يستخدم العطاء للذرية وإنما استخدم وهب  ويهب كما أسلفنا قال :  ( هب لي من لدنك ذرية ) آل عمران (38) ، وقال : ( لأهب لك غلاماً زكيا ) مريم (19) ، وقال : ( فهب لي من لدنك وليا ) مريم (5) ، وقال : ( ربي هب لي من الصالحين )الصافات ( 100) ، وقال ، ( ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) الفرقان (74) .

و أما تفسير القرآن و تأويل الآيات على الهوى ، و تحميل الألفاظ ما لا تحتمل ، و بناء أحكام ما انزل الله بها من سلطان ، و التنفيس عن أحقاد دفينة ، وعقد و أمراض في النفوس ، فهذا ما لا يرضاه الله ، ولا آل بيته ، ولا يقبل به متعلم باحث عن الحقيقة الحقة .

و الحقيقة هنا هي أن الكوثر يعني كل ما ذكر و زيادة ، فهو النهر ، وهو الذرية ، وهو كثرة الأصحاب ،        و الإسلام ، و الإيمان ، و الشفاعة ، و الشرف ، و الخير الكثير الذي لا حدود له و لا ينتهي أبدا .

وهو كل ما ذكر وزيادة ، وهو كل ما لم يذكر و زيادة .

وملاحظة أخيرة في استخدام الحروف نفسها ( الكاف – الواو – الثاء – الراء ) .

ماذا نلمس فيها ؟ إننا نلمس في لفظها معاني السعة ، و الطول ، و الامتداد ، و الكثرة ، و الثراء .

فإذا أضفت إليها ( ألـ ) التعريف الدالة على الاستغراق ، و الشمول ، و السعة ، فانك ستتيه في عالم من العطاء لا حد له و لا طرف .

فصل لربك و انحر :

الفاء : للاستئناف ، و الفاء لمباشرة الصلاة بلا مهلة 2، أو تأخير ، أو إبطاء .

والاستئناف هنا يعني استئناف الصلاة ، و الاستمرار فيها ، و هذا دليل على إنها كانت موجودة و اعترضها عارض ، وهو وفاة ابنه e ، وهذا الشنآن الذي أساء إليه و آلمه و أحزنه و اشغل قلبه عنها ، فجاء الرد سريعاً مباشراً : إنّا أعطيناك ، فصل ، أي استأنف صلاتك ، و استمر بها ، و لا تكترث بما يقولون ،           و انظر ماذا سيحل بهم .

صلّ : قالها بالأمر ، و الحذف ، لأن الوقت ضيق ، و المجال لا يسمح بالإبطاء بالصلاة ، أو التردد ، أو التأخير ، أو الالتهاء ، أو الانشغال عنها بسواها ، أيا يكن ذلك الأمر .

وقال : صلّ ، و لم يقل : اذكر ، أو اشكر ، لأن الصلاة جامعة لكل أنواع الذكر ، و كل أنواع الشكر ،                  و الصلاة هي خير ما يؤديه الإنسان لربه من عبادات ، و هي أسهل العبادات ، و أيسرها على الإنسان وهي أقصر الطرق ، و أقربها إلى الله ( أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد ) .

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي 1: ( الصلاة مخ العبادة ، وهي منتهى خضوع العابد للمعبود ، قلباً وقالباً  أما قلباً : ففي أنه آمن بأنه هو الرب و المتصرف في كل شيء ، و أما قالباً : ففي الحركات و السكنات في الصلاة ، و نهاية الخضوع أن يضع الإنسان أشرف شيء فيه عند أقل شيء في موطئ أقدامه ، أن  يضع جبهته على الأرض ، و لذلك فرضت الصلاة بعد أن صعد رسول الله e في المعراج ، و كلم ربه ،           و أصبح في مقام الحضرة ، و جاء لأمته من جنس ما نال ، فمن أراد أن يكون في القرب و الحضرة ، فليصل ، وليسجد ( واسجد و اقترب ) العلق (19) ، وفيها اجتماع لكل التكاليف من أولها إلى أخرها           ( الشهادة ، و الصوم ، والزكاة ، و الحج ، إضافة إلى الصلاة ) ، و الصلاة جاءت بلا واسطة لأنها تأخذ بيدك إلى حضرة ربك رأسا و لذلك كانت الركن الذي لا يسقط أبدا ) .

لربك : اللام للإلصاق أو الإلزاق أو الاتصال ، جاء في معاني النحو2 : ( اللام للاختصاص إما بالملكية أو بغيرها ، و ذكر سيبويه أن معناها الملك و الاستحقاق ، وفصل المتاخرون فذكروا لها معاني ترجع أكثرها إلى الاختصاص أو الاستحقاق أو الملك و شبه الملك و التمليك و شبه التمليك ، و كلها تفيد الاختصاص )  .

قال : لربك ، و لم يقل : إلى ربك أو حتى ربك ، ما تأويل ذلك ؟

الجواب : اللام : للقرب ، و لشدة القرب ، و إلى : للبعد ، وحتى : لأقصى البعد ، أو لأنتهاء الغاية .

يقول الكرماني في البرهان 3: ( إلى متصل بأخر الكلام ، و دال على الأنتهاء ، و اللام للأول الكلام و دال على الصلة ) .

فالصلاة هي الجسر الواصل بين العبد وربه ، فبمجرد وقوفك على سجادة الصلاة ، فقد امتد جسر من الأرض إلى السماء بينك و بين ربك ، و اصبح هناك اتصال تام وربط و إلصاق و الزاق و اختصاص و استحقاق و ملك و مالك و مليك و مملوك متصل بالملكوت الأعلى ، حتى تنتهي و تفرغ من صلاتك .

ربك : الرب : هو المالك ، و المربي ، و السيد 4.

قال : لربك ، و لم يقل : لإلهك ، أو لخالقك ، ما تأويل ذلك ؟ :

الجواب : لأن الربوبية هي الفارق بين المشركين ، و بين رسول الله e ، و لم يرد الله جل جلإله أن يجمع بينهم و بين رسول الله في شيء ، فلو قال : لإلهك ، فانهم يقولون بـ بالإله :  ( و الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) الزمر (3) .

ولو قال : لخالقك ، فقد يتساوى معهم في الخلق ( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ) الزمر(62).

و إنما قال بالربوبية : لأن لهم أربابا يعبدونها غير رب محمد e ، هم يعبدون الأصنام ، و الأوثان ، و أنت تعبد ربك الواحد الأحد . قال شحنه بن خلف الجرهمي – و كان يتمسك بدين الحنيفية – مخاطبا عمرو بن لحي أمير مكة ، عندما أكثر من إقامة الأوثان عند الكعبة 1:

يا عمــرو إنك قد أحدثت آلهة ****     شتى بمكة حول البيت أنصابــــــــا

وكان للبيت رب واحـــد أبـدا  ****   فقد جعلت لهم في الناس أربابـــــــا

و لم يقل لله : لأن الله يعني البعد و التجلي و التأله و الكبر و العظمة و يعني القوة و العزة و القدرة .

فقال بالربوبية : لأنها تعني الحنان و المحبة و العطف و الألفة و التربية و الرعاية و العناية و القرب                  و الالتصاق ، و الموقف هو موقف محبة و عطف و ألفة و رعاية و عناية و قرب و التصاق .

و انحر : قال و انحر ، و لم يقل : و اذبح أو و ضحّ ، ما تأويل ذلك ؟

الجواب و الله اعلم : لأن المقصود هنا ليس الأضحية ، أو الهدي ، كما فسر ذلك بعضهم ، و السبب كما أرى واضح جداً ، وهو أن الموقف ليس موقف تشريع .  يقولون : كانوا يذبحون و يصلون ، فجاء الأمر بالصلاة ثم الذبح . الأمر كما أرى بعيد عن ذلك تماما ، لثلاثة أسباب :

أولها : أن تشريع الأضحية و النحر جاء في السنة الثانية للهجرة ، وهذه السورة مكية .

وثانيها : استخدام حرف الواو ، ولو أراد الترتيب لاستخدم الفاء ، أو ثم ، لأن الواو لا تدل على الترتيب ، جاء في معاني النحو 2: ( الواو هي لمطلق الجمع ، فإذا قلت : حضر محمد و خليل ، فليس فيه دلالة على أن محمدا حضر قبل خليل ، فقد يكون حضر قبله ، ويحتمل انه حضر بعده ، كما يحتمل انهما حضرا معاً )

يقول تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً و الذي أوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم و موسى  و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه ) الشورى (13) ، فبدأ بنوح ثم انتقل إلى محمد ثم عاد إلى إبراهيم دون ترتيب مستخدما الواو ، و الشواهد كثيرة جداً .

ثالثها : إن القرآن الكريم استخدم كلمة انحر و لم يستخدم اذبح ، لماذا ؟

نحن نعلم أن الاستخدام القرآني مقصود في كل كلمة و كل حرف ، بل في كل حركة و سكنه .

فقد استخدم الذبح للإنسان ( قال يا بني إنّي أرى في المنام إنّي أذبحك ) الصافات (102) ، و للبقر ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) البقرة (67) ،و للهدي و الفداء استخدم الذبح أيضا ( وفديناه بذبح عظيم ) الصافات (107) و لم  يستخدم القرآن الكريم انحر إلا في هذا الموضع في القرآن الكريم كله ، لأن النحر لا يكون إلا للإبل فكل الحيوانات و الطيور تذبح من أعلى الرقبة ، إلا الإبل فإنها تنحر من أسفل الرقبة و أعلى الصدر أو النحر ، فقالوا بالذبح للبقر و الغنم ، وبالنحر للإبل .

و لهذا الاستخدام دلالته البعيدة ، فالمطلوب من الرسول e أن ينحر الإبل ، و سمان الإبل ، و يولم ، و يقيم الأفراح بدل الحزن ، لأنه أعطي ما لم يعطه أحد من العالمين .

ودلالة أخرى : هي سعة ذات يد الرسول e فلم يكن الرسول فقيرا ، جائعا ، يبحث عن لقمة الخبز ، كما يصوره بعضهم من هواة الفقر و الجوع ، و الداعون إلى الفقر و الجوع ، و إنما كان الرسول e غنيا ،       و ثريا ، بل من أغنى أغنياء مكة و أثراهم ، بنص القرآن الكريم ( ألم يجدك يتيماً فأوى * ووجدك ضالاً فهدى * ووجدك عائلا فأغنى ) الضحى (6-8) . ألم يكن جده عبد المطلب صاحب الإبل ؟ ألم تكن زوجه خديجة رضي الله عنها من أثرى أثرياء مكة ؟ و لكن المسالة أنه كان يصرف ماله على الدعوة ، هو و كثير من الصحابة الأثرياء ، و كان يعيش حياة الناس الفقراء ، و كان يتشظف و يخشوشن و يجوع ، ليس فقرا وحاجة ، و إنما مساواة للناس ، و العيش كما يعيشون .

هل كان الخليفة عمر بن الخطاب فقيراً و لا يملك شيئا عندما قال لبطنه ( قرقري أو لا تقرقري فانك لن تذوقي السمن قبل أن تذوقه أمة محمد ) كان يستطيع أن يشتري السمن كل السمن و يأكل السمن و اللحم و هو المالك لبيت مال المسلمين كله ، و لكنها الأمانة على أموال المسلمين ، و المساواة مع الرعية .

إنّ شانئك هو الأبتر:

إنّ : كما بدأ العطاء بـ إن التوكيدية الجارية مجرى القسم كذلك بدأ البتراء بـ إن التوكيدية الجارية مجرى القسم أيضا ، هناك عطاء كثير لا حد له و لا طرف ، وهنا بتر و إزالة من الجذور ، بنفس الحدة و الدرجة و القوة و الكثرة ، هناك تأكيد و قسم على العطاء ، وهنا تأكيد و قسم على البتر ، عطاؤنا نافذ و مؤكد ،        وبترنا نافذ و مؤكد ، نعطي لك كل شيء ، و نبتر شانئك من كل شيء ، و عن كل شيء .

شانئك : أي مبغضك ، الذي يشني عليك الأخبار كما تقول العامة ، و يتقول عليك و يسخر منك و يشتمك       و يسيء إليك ، سنبتره من جذوره .

و لكن من هو هذا الشانئ ؟ هل هو ( كما يقول عذاب الحمش وهو أحد دعاة التشيع و يدعي انتسابه لآل البيت ) كل من شنأ على الرسول e قبل الإسلام ، و ظل البتر ملاحقاً له و ملازماً له حتى بعد إسلامه  ويذكر أسماء معينة من بني أمية كسيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه و غيره ؟ أم هو الذي شنأ على الرسول e قبل الإسلام ، ورفع البتر عنه بعد إسلامه كما رد عليه ( الدكتور رشيد العبيدي ) ؟

 أم هناك كلام أخر ؟

ما يحل هذا الأشكال ، و يحسمه و ينهيه الاحتكام إلى اللغة ، إلى صيغها و ألفاظها :

شانئ : على وزن فاعل ، صيغة اسم فاعل ، و اسم الفاعل كما جاء في معاني الأبنية 1( يقع وسطاً بين الفعل و الصفة المشبهة ، فالفعل يدل على الحدوث و التجدد ، و الصفة المشبهة تدل على الثبات و الدوام   أما اسم الفاعل فهو أدوم وأثبت من الفعل ، و لكنه لا يرقى إلى ثبوت الصفة المشبهة ، فإن كلمة ( قائم ) أثبت و أدوم من الفعل ( قام ) أو ( يقوم ) و لكن ليس ثبوتهما مثل ثبوت ( طويل ) أو ( دميم ) فانه يمكن الانفكاك عن القيام إلى الجلوس) .

من هنا نستنتج أن اسم الفاعل هو مرحلة بين مرحلتين ، يحمل معنى الفعلية و الاسمية ، وهو متأرجح بينهما   فأما أن يزول حدثه و ينتهي فيكون فعلاً مثل بقية الأفعال ، و إما أن يتحول إلى الثبات و الديمومة               و الاستقرار ، فيكون اسما مثل بقية الأسماء ، و دليلنا على ذلك القرآن الكريم ، فاستخدام القرآن الكريم لاسم الفاعل استخدام عظيم و جميل و مثير و معجز ، و سأستشهد بآيتين متشابهتين وردت فيهما كلمة واحدة على صيغة اسم الفاعل وهي ( ساجدين ) .

قال تعالى في سورة الأعراف : ( وجاء السحرة فرعون قالوا إنّ لنا لأجراً إن كنّا نحن الغالبين * قال نعم       و إنكم  لمن المقربين * قالوا يا موسى إما أن تلقي و إما أن نكون نحن الملقين * قال القوا فلما القوا سحروا أعين الناس و استرهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم * و أوحينا إلى موسى أن الق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون * فوقع الحق و بطل ما كانوا يعملون * فغلبوا هنالك و انقلبوا صاغرين * و ألقي السحرة ساجدين * قالوا أمنا برب العالمين * رب موسى و هارون * قال فرعون آمنتم به قبل أن أذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون * لأقطعن أيديكم و أرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين * قالوا إنّا إلى ربنا منقلبون ) (113-125). وقال في سورة الشعراء :

( فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم و إنكم إذن لمن المقربين * قال لهم موسى ألقوا ما انتم ملقون * فألقوا حبالهم و عصيهم وقالوا بعزة فرعون إنّا لنحن الغالبون * فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون * فألقي السحرة ساجدين * قالوا أمنا برب العالمين * رب موسى و هارون * قال أمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم و أرجلكم من خلاف و لأصلبنكم أجمعين * قالوا لا ضير إنّا إلى ربنا منقلبون )    (41-50) .

فلما كان اسم الفاعل يدل على الحدث و الحدوث و فاعله ، وهو أدوم من الفعل و أقل من الاسم ثبوتا ، فقد استخدمه القرآن الكريم بكثرة في هذا المشهد الرهيب المثير المتحرك المليء بالأحداث ، في الأعراف           ( الغالبين – الملقين – صاغرين – ساجدين – منقلبون ) ، في الشعراء ( الغالبين – ملقون – الغالبون        – ساجدين – منقلبون ) لماذا ؟ لأن المشهد يتطلب ذلك وهو مشهد مثير متحرك مضطرب متغير ، فيه حدث وحدوث و أحداث و مشاهد مثيرة و ارتباك و اضطراب و تبدل و تفاعل ، فيه إلقاء و غلب و صغار            و سجود و انقلاب ، مشهد عجيب غريب مخيف مضحك مفرح محزن مرعب متغير ، فاستخدم صيغة اسم الفاعل لتتناسب مع الحدث ، فان المعركة لم تنته بعد ، و لم تنته القصة ، فالسحرة ذهلوا لهول ما رأوا              و ارتعبوا من هذا الثعبان المخيف الذي لقف ما يأفكون و كاد أن يلقفهم معه ، وما كان أمامهم إلا أن يسجدوا لرب موسى و هارون ، دون إرادة و دون علم مسبق ودون تخطيط ، لقد كان سجودهم بلحظته ووليد اللحظة ودون سابق تخطيط و تدبير و لذلك استخدم صيغة اسم الفاعل ( منقلب ، ساجد )  لترد هذه الصيغة على قول فرعون ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ) أي إنهم بيتوا هذا الأمر و اتفقوا مع موسى عليه و لكن الصيغة صيغة اسم الفاعل تدحض هذه الحجة وترد عليه بان الأمر طارئ و مفاجئ ودون تخطيط مسبق كما يدعي و لذلك استخدم القرآن كلمة ( منقلب ) أيضا و الانقلاب هو التغير المفاجئ دون علم أو إرادة فاستخدم صيغة ( ساجد ) ليدل أيضا على أن سجودهم و إيمانهم جاء مفاجئا و بلحظته دون علم و إرادة ، لم يكن أمامهم إلا السجود ، فسجدوا ، ولم يكونوا  يعرفون السجود لله أصلا  و لا كيف يكون ، فاختلفوا في السجود و تباينوا فيه ، و بالغوا ، هذا وأقف و هذا قاعد وهذا منبطح على بطنه وذاك مستلق على ظهره و لذلك عندما صور القرآن حركة سجودهم في سورة طه استخدم صيغة المبالغة ” سجدا ”                               ( فالقي السحرة سجدا ) طه (70). و استخدم صيغة (ساجدين) ليقول لك: إن إيمانهم طارئ مفاجئ وغير مستقر، وهو مرحلة بين مرحلتين، فإما أن يثبت ويستقر ويتحمل غضب وعذاب فرعون الشديد ، و إما أن يزول الإيمان و السجود ويعود صاحبه إلى الكفر و الشرك خوفا من عذاب فرعون وطمعا في ثوابه ، وهذا ما حصل ، فبعض السحرة ثبت إيمانه و تحول من صيغة اسم الفاعل إلى الاسمية و الصفة المشبهة ، و بعضهم عاد إلى كفره بعد أن ذهب عنه ثعبان موسى المخيف وزالت عنه رهبة الموقف ورعبه .

 هذا ما استقرئه من استخدام القرآن الكريم لهذه الصيغة في هذه الآيات و الله أعلم .

نستنتج من استخدام القرآن الكريم المعجز المبدع لهذه الصيغة ما يأتي : كل من شنأ على الرسول e في الجاهلية ثم أسلم و أقلع عن شنآنه و استغفر ربه و تاب إليه و اعتذر عن خطئه وأصلح ما أفسد ، فشنآنه محسوب على الفعلية ، وزائل بزوال زمنه ، فان البتر مرفوع عنه سواء أكان من بن أمية أم من غيرهم . وكل من استمر بشنآنه على الرسول e بعد إسلامه ، أو إذا لم يسلم أصلا ، فهو مبتور في الدنيا و الآخرة سواء أكان من بني أمية أم من غيرهم . و نضيف على ذلك أن كل من شنأ على الرسول e فيما مضى وكل من يشنأ على الرسول اليوم ، وكل من سيشنأ على الرسول في قابل الأيام و على مدار الزمن أيا كانت جنسيته أو عشيرته أو هويته أو مذهبه أو منصبه أو شهادته ، أو قربه من آل البيت أو بعده عنهم ، فهو مبتور مبتور مبتور في الدنيا و الأخرة .

هو الأبتر: هو كما قلنا مبتدأ ، و الأبتر : الخبر ، و الجملة الاسمية ( هو الأبتر) : خبر إن ، أو هو ضمير فصل وقصر و حصر ، و الأبتر خبر إن لوحده ، وفي كلتا الحالتين فانه تأكيد على حالة واحدة وهي :

إن من شنأ على الرسول e ووصفه بالبتر ، فهو عينه و نفسه وذاته و إياه و لا أحد سواه ، هو الأبتر، و لا أبتر إلا هو .

الأبتر: كما قلنا هو المبتور ، و المنقطع من كل شيء في الدنيا و الآخرة ، أما تأويل استخدام القرآن لصيغة أبتردون مبتور مثلاً ، و استخدامها معرفة بال التعريف ، فلحكمة وقصد ودلالة أسوقها و أبينها بما يأتي :

يقول الدكتور فاضل السامرائي في كتابه معاني الأبنية : ( أفعل ) يكون وصفا للألوان و العيوب الظاهرة من خلق أو بمنزلتها ، فالألوان نحو : ( أحمر ، أزرق ) ، و العيوب الظاهرة ( أعور ، أخفش ) ، فإن ( أفعل ) يدل على الثبوت و اللزوم ، كأنه خلقة في صاحبه .

قالوا : بتر محمد ، أو انبتر محمد ، بالمتعدي المبني للمجهول ، أو اللازم ، و كلها من الفعل الماضي.

فأجابهم الله تعالى بالصيغة التي تدل على الماضي و الحاضر و المستقبل، وعلى الفعلية والاسمية، وعرفها بألـ التعريف الدالة على الاستغراق، فالبتر في كل شيء ، و يغطي كل شيء فيه و يستغرق منه كل شيء ، وحصرها و أكدها و قصرها بضمير الفصل ( هو ) .

فأي أسلوب أشد من هذا ، و أي بتر أبتر من هذا البتر .

الدراسة الموسيقية:

إنّا أعطينــــــاك الكـــــــــوثر

فصـــلّ لربــــــك و انحــــــر

إنّ شانئــــــك هــو الأبتـــــــر

جاءت الموسيقى القرآنية في الآية الأولى ، و الآية الثالثة ، متطابقة تماما ، و في درجة واحدة من الحدة ،  و بنفس النغمة و الوزن و الإيقاع :

إنّا أعطيناك الكوثر: فعلن فعلن فعلن فعلن

إنّ شانئك هو الأبتر: فعلن فعلن فعلن فعلن

هذا الوزن هو من البحر المتدارك ، و سر التسمية يكشف ما في هذا الوزن من معنى ، فهو يدركه أو أدركه   أو أوشك أن يمسك به ، و تدارك الألفاظ و تتابعها يدل على ذلك .

إن تناسب ، و تناسق ، و تساوق هذا الإيقاع و الوزن في الآيتين له دلالة عظيمة جدا ، فكأنه يقول :

في نفس اللحظة التي قررنا فيها إعطاءك العطاء اللامحدود ، قررنا أيضا بتر شانئك بنفس القدرة و الحدة        و القوة . عطاء كثير لا حدود له من جهة ، و بتر من الجذور ، و إزالة كل اثر من جهة أخرى .

إن هذه النغمة الموسيقية في الآيتين تسمع و ترى فيها قرارا و مرسوما وفرمانا و أمرا صادرا من أعلى جهة مسؤولة و أرفع جهة و أقوى جهة و أجل جهة و أعز جهة ، من الله عز وجل ، بالعطاء و البتر ، و البتر      و العطاء في آنِ معاً ، و بنفس اللحظة و القوة .

في الآية الثانية الأمر يختلف كثيرا

فصل لربك و انحر: فعولن فعولن فعولن

 تقل التفعيلات ، و يطول الوزن ، و يتغير البحر .

تقل الإيقاعات ، و تهدأ ، و يطول النفس ، و يمتد .

ينتقل من المتدارك إلى المتقارب ، حيث تبتعد المسافة و تتسع ، أصبح قربه ، و قريبا منه ، بعد أن كان يطلبه و يجتهد في إدراكه ، ويوشك على إدراكه و الإمساك به .

فعلن ، تصبح : فعولن ، حيث الواو و ما فيها من إخراج نفس ، و طول نفس ، و امتداده .

انتقال من المتدارك إلى المتقارب ، ومن التفعيلات الأربع ، و الشطر الكامل للبحر ، إلى مجزوء المتقارب    في آيتين فقط ، للتخلص من التشبه بالشعر ، و الابتعاد عن شبهته ، و عن الاتصاف به ، و للتميز بالنبرة القرآنية ، و الفاصلة القرآنية ، و النغمة القرآنية ، و الموسيقى القرآنية .

و لكن ما تأويل هذا الانتقال ؟  و هل هناك فرق في المعنى ؟

الجواب : نعم هناك فرق كبير ، ففي الوقت الذي كانت فيه النغمة قوية و شديدة وقاطعة و آمره و مقررة        و منفذة في الآيتين الأولى و الثالثة ، فقد اختلفت كثيرا في الآية الثانية ، لاختلاف المعنى و المشهد و الجو العام و الحدث .

فصل : هنا أمر بالصلاة ، و الصلاة تحتاج إلى هدوء وراحة و طمأنينة ، ووضؤ وركوع وسجود و قراءة  و تلاوة و دعاء و تلطف و رقة وعذوبة .

لربك : الربوبية ، حيث التربية و الرعاية و العناية و الحب و العطف و الحنان و الهدوء و السكينة .

و انحر : حيث النحر و الولائم و الأفراح ، و الذبح و السلخ و النفخ ، و الاولام و الدعوة و الترحيب و التهليل و إكرام الضيوف ، و كلها تحتاج إلى راحة و هدوء و محبة و فرح و سعادة .

ذاك جو خاص ، و مشهد خاص ، و موضوع آخر ، وقضية أخرى ، وهذا مشهد آخر وقضية أخرى         وجو آخر .

و الرسم القرآني يصور كل مشهد بإبداع يعجز عنه البشر .

      هذه هي سورة الكوثر ، وهذا هو القرآن الكريم كله ، إعجاز و إبداع إلهي عظيم، فتبارك الله ، و جل الله ، و الحمد لله .

اللهم ألهمنا السداد و الرشاد ، و الصواب في القول و العمل

اللهم علمنا ما ينفعنا ، و انفعنا بما علمتنا ، وزدنا علـمـــــــاً

و صل  اللهم على سيدنا محمد و على اله و صحبه و ســــــلم

و أخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

1 انظر التعبير القرآني ص 24 .

2 الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 309 ، و انظر ظاهرة الترادف د . طالب الزوبعي ص 21-22 .

1ـ من محاضرات د . فاضل السامرائي التي ألقاها على طلبة الدكتوراه 1995-1996 م .

2 راجع معاني النحو ج 3 ص 525 ، الكتاب ج 2 ص 304 ، المقتضب ج 1 ص 10 ، مغني اللبيب ج 1 ص 161-162 ، الجني الداني  حرف الفاء .

1 المختار من تفسير القرآن ص 80 .

2 معاني النحو ج 3 ص 61 .

3 البرهان ص 154 ، و ينظر درة التنزيل ص 209 ، و ملاك التأويل ج 2 ص 791 .

4 لسان العرب مج 1 مادة (ربب ) ص 480 .

1 التطور الدلالي بين لغة الشعر و لغة القرآن الكريم ص 156 .

2 معاني النحو ج 3 ص 210 .

1 معاني الأبنية ص 59 .

المصدر: رسالة بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق