كتاباتكتابات المنتدى

سلسلة وقفات قرآنية (1)

سلسلة وقفات قرآنية (1)

 

بقلم د. عبد الواحد عبدالله الخميسي -رحمه الله تعالى- (خاص بالمنتدى)

 

الوقفة الأولى:

مع قوله تعالى: ( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) (النمل ٨٨) . فقوله: “وهي تمر مر السحاب” تشبيه حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، والتقدير: وهي – أي الجبال – تمر مرًّا كمرِّ السحاب.

وهذا النوع من التشبيه قال عنه علماء البيان بأنه تشبيه بليغ، وهو أقوى صور التشبيه بلاغة؛ لأنه يجعل المشبه نفس المشبه به في الصفة أو الصفات اللاتي يشتركان فيها. قالوا: وفي هذه الآية اشترك مر الجبال مع مر السحاب في صفة أو صفات متعددة هي وجه الشبه بينهما، ولم يقولوا في هذه الصفات شيئا معيَّنًا، بل اكتفوا بقولهم: حذف وجه الشبه؛ ليعم. هذا ما قاله علماء البيان في هذا التشبيه.

وأما علماء الكون في هذا العصر فقالوا: إن وجه الشبه بين مر الجبال ومر السحاب هو: أن السحاب يمر ويتحرك حركةً غير ذاتية، فهو لا يتحرك بنفسه, بل تدفعه قوة أخرى هي قوة الرياح، فحينما يمر السحاب من مكان إلى آخر، فإنه لا ينطلق بذاته، بل تسوقه الرياح .

وكذلك الجبال تمر وتتحرك، لكن حركتها غير ذاتية، فهي لا تنتقل من مكان إلى مكان آخر على سطح الأرض؛ لأن مكانها ثابت، وإنما تتحرك بحركة الأرض كما يتحرك السحاب بحركة الرياح .

ولذلك استبعد القرآن كل لفظ يعطي الجبال ذاتية الحركة، فلم يقل: وهي تسير، أو وهي تجري، أو وهي تتحرك، واختار لفظا يثبت لها التحرك بحركة شيء آخر، فقال: “وهي تمر مر السحاب” أي : أنها تتحرك بحركة الأرض كما يتحرك السحاب بحركة الرياح .

وكذلك اختار القرآن لفظ “تحسبها” الدال على الظن والتوهم على أي لفظ سواه؛ ليقدم لنا حقيقة علمية أخرى هي: أنك حينما تكون في جسم متحرك حركة ذاتية، لا اهتزاز فيها, فإنك لا تحس بحركته إلا إذا قسته بجسم آخر متحرك .

فمثلا: حينما تركب الطائرة، ونافذتها مقفلة, والجو هادئ مستقر لا اضطراب فيه، فإنك لا تشعر بحركتها إطلاقا، وترى كل شيء داخل جسم الطائرة ثابتا بالنسبة لك، فإذا فتحت النافذة, وقست حركة الطائرة بشيء آخر ثابت، فإنك تحس بحركتها .

كذلك الجبال بالنسبة لنا ونحن في الأرض نراها ثابتة وهي متحركة بحركة الأرض كما نرى الأشياء التي في الطائرة ثابتة وهي متحركة بحركة الطائرة .

إذن.. فكأن الله سبحانه وتعالى يقول لنا: إن الجبال تتحرك لكن حركتها غير ذاتية، وإنما هي تابعة للأرض في حركتها ودورانها، ولكنكم لا تدركون هذه الحركة بحواسكم؛ لأن وضع الجبال بالنسبة لكم وللأرض ثابت؛ ولهذا تحسبونها وتتوهمونها جامدة، ولا تفطنون لحركتها؛ لأنه ليس هناك شيء أمامكم غير الأرض تقيسون به هذه الحركة. فإن عجبتم لهذا، فلا داعي للعجب؛ فإنها ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) (النمل ٨٨) .

هذه الحقائق العلمية لم يكن الناس يدركونها وقت نزول القرآن، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم أسرار كونه ومخلوقاته، فاختار اللفظ الذي يعطي لكل جيل عطاءه، ويعطي لكل عقل قدره وحاجته دون تعارض مع الحقائق العلمية والكونية، ويفهمه كل جيل حسب ظروفه ومعطياته .

بقي: لو قيل: إن هذه الآية وردت في سياق الحديث عن يوم القيامة، وأن مرور الجبال إنما هو مرحلة من المراحل التي تأتي على الجبال حينذاك والتفسير الذي فسرتموها به إنما يكون لوضعها في الدنيا، فكيف يكون التوفيق بين هذا وذاك ؟!

والجواب: أن الآية وإن كانت في سياق الحديث عن يوم القيامة، إلا أنها على وضع الجبال في الدنيا أكثر دلالة منها على حالة من حالات يوم القيامة, والسياق ليس دليلا قاطعا؛ لأن من أساليب القرآن الالتفات، والآية الكريمة التفات من الحديث عن يوم القيامة إلى النظر في آيات الله الكونية في الدنيا والتفكر فيها. ومما يؤيد هذا: أن الآخرة لا حسبان فيها ولا وهم، وإنما تُرَى فيها الأشياء والحقائق عين اليقين، وأيضا فإن الأرض يوم القيامة ليست هي نفس الأرض التي في الدنيا، وكذلك السموات قال تعالى: ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) (إبراهيم ٤٨) . وكذلك الجبال في الآخرة تنسف، وتسوى بالأرض قال تعالى: ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً ) (طه ١٠٦). فكيف تحسبها جامدة وقد نسفت، وصارت قاعا صفصفا مع الأرض؟

وأخيرا: فإنه على القول بأن الآية تتحدث عن مرحلة من مراحل الآخرة كما قال السابقون، فلا تعارض بينه وبين ما توصل إليه العلماء اللاحقون؛ لأن كون الآية تتحدث عن مرحلة من مراحل يوم القيامة، فهذا لا يمنع أن يكون من ضمن المراد بها الحديث عن وضع الجبال في الدنيا كما ثبت في العلم الحديث. والخلاف خلاف تنوع لا تضاد، وقد فهم كل جيل اللفظ حسب ظروفه ومعطياته دون تعارض أو تصادم في المفاهيم. وهذا هو سر إعجاز القرآن . والله أعلم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق