كتابات

تقرير شرعي حول زيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال

 

تقرير شرعي حول زيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال

 

قسم الأبحاث – منتدى العلماء

مقدمة:

للمسجد الأقصى المبارك مكانةٌ عظيمةٌ عند المسلمين، فمن ذلك قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}سـورة الإسـراء الآية 1..
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تُشدُ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد،  المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالاً ثلاثةً سأل الله عز وجل حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده فأوتيه،  وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحدٌ لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان وصححه الألباني في صحيح الجامع.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل أمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو، وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً) رواه الحاكم والطبراني والطحاوي وغيرهم. وصححه العلامة الألباني،  بل قال عنه إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى، السلسلة الصحيحة حديث رقم 2902،
ومع ثبوت هذه الفضائل للمسجد الأقصى المبارك فإن زيارته سنةٌ مستحبةٌ وليست واجبة باتفاق أهل العلم، وعلى ذلك تدل النصوص الشرعية، وعليه فالقول بأن زيارة الأقصى والقدس تُعد واجباً وفريضةً شرعيةً، دعوى باطلةٌ شرعاً، لعدم وجود أدلة تفيد الوجوب.
وفي هذا البحث نعرض حكم زيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال الصهيوني مع ذكر أقوال الفقهاء ومناقشة أدلتهم، وفيه أربعة مطالب وخاتمة:

المطلب الأول: القائلون بتحريم زيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال وأدلتهم.

المطلب الثاني: القائلون بجواز زيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال وأدلتهم.

المطلب الثالث: مناقشة أدلة القائلين بالجواز.

المطلب الرابع: مناقشة أدلة المانعين لزيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال :

 

حكم زيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال:

هذه القضية مسألةٌ معاصرةٌ، لم يرد بخصوصها نصوصٌ خاصةٌ من الكتاب والسنة،  وبناءً على ذلك تبحث وفق ما قاله الفاروق عمر رضي الله عنه في كتابه الشهير لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم حيث قال: [ثم الفهمَ الفهمَ فيما أدلي إليك، مما ليس في قرآنٍ ولا سنةٍ، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى، وأشبهها بالحق]إعلام الموقعين1/68.
ومن المعلوم أن النصوص من كتاب الله ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما نصت على كل الجزيئات،  قال الإمام الشاطبي: [الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمورٍ كليةٍ وعباراتٍ مطلقةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معينٍ خصوصيةٌ ليست في غيره ولو في نفس التعيين] الموافقات4/91.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : [إن القرآن والحديث فيهما كلماتٌ جامعةٌ هي قواعد عامة وقضايا كلية. تتناول كل ما دخل فيها وكل ما دخل فيها فهو مذكورٌ في القرآن والحديث باسمه العام وإلا فلا يمكن ذكر كل شيء باسمه الخاص] مجموع فتاوى ابن تيمية 34/22.

 

 المطلب الأول : القائلون بتحريم زيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال وأدلتهم:

 

الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين:

إن زيارة القدس في ظل الاحتلال الغاشم الذي يريد القضاء على كل المعالم الإسلامية أو المسيحية والتاريخ الإسلامي، وجعل القدس عاصمته الأبدية ومحاولاته المستميتة للتطبيع الشامل السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي تترتب عليها مفاسد جسيمة، ومضار عظيمة ونتائج وخيمة، فلا يجوز للمسلم أن يشارك في هذه الجريمة، بل عليه شد الرحال لتحرير الأقصى بكل الوسائل المتاحة .

رابطة علماء المسلمين:

نقول إذا كان المسلمون لا يستطيعون القيام بالجهاد المباشر لتحرير فلسطين، فإن للجهاد أوجهاً أخرى يستطيعونها، ومنها: الامتناع عن زيارة المسجد الأقصى، أو السفر إليه. سواء من الدول التي وقعت معاهدات سلام مع يهود، أو من الدول التي لم توقع، ومقاطعة الكيان الصهيوني الغاصب على كافة الأصعدة وفي كل المجالات، وتربية أبناء المسلمين على أن القدس أرض إسلامية ولا يجوز التفريط فيها، وغرس حب الجهاد في نفوسهم؛ لتحريرها من أيدي اليهود الغاصبين وتقديم الدعم المادي والمعنوي للمجاهدين من أهل فلسطين.

رابطة علماء فلسطين:
وقد انتقدت رابطة علماء فلسطين زيارة المسلمين للمسجد الأقصى المبارك في ظل الاحتلال الإسرائيلي، ورأت الرابطة أن ذلك يعد دعوة للتطبيع مع العدو الصهيوني تحت ذريعة زيارة المسجد الأقصى المبارك؛ لأن من سيزور المسجد الأقصى سوف يأخذ الإذن من سفارات الصهاينة المهجورة في الدول العربية التي تقيم “علاقات نجسة” مع الاحتلال،
وإن هذه السفارات ستفتح أبوابها ليتعامل معها أبناء المسلمين بشكل طبيعي، وسيدخل من يدخل إلى فلسطين تحت حراب الاحتلال ووفق أنظمته وتعليماته.
وقالت الرابطة في بيان أصدرته رداً على دعوة شيخ الأزهر السابقة لزيارة الأقصى – إن هذه الدعوة التي صدرت عن شيخ الأزهر تحمل في ظاهرها دعماً للشعب الفلسطيني وإعماراً للمسجد الأقصى المبارك، ولكنها في الباطن هي دعوة لها انعكاسات خطيرة ومدمرة على قضية الشعب الفلسطيني، مضيفةً أن زيارة الأقصى من قبل المسلمين في العالم تحت حراب الاحتلال فيه إقرار لسيادة الاحتلال على المسجد الأقصى المبارك، وفيه اعتراف بشرعية هذه الاحتلال البغيض .

لجنة الإفتاء بالجامعة الإسلامية بغزة:

إننا في لجنة إفتاء الجامعة الإسلامية بغزة نرى أن زيارة المسجد الأقصى المبارك، أو السياحة إليه غير جائزة بالنسبة للمسلمين عامة، عربهم وعجمهم، وخصوصاً القادة، والمسئولين، وصناع القرار، وقادة الرأي، والصحفيين، والوفود الرسمية وغير الرسمية.

ويستثنى من هذا التحريم أبناء فلسطين، سواء من بقي منهم داخل فلسطين المحتلة، أو الذين هاجروا إلى الشتات، وذلك من باب ما يسمى بالسياسة الشرعية.

ومن جهة أخرى رفضت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين زيارة المسلمين للمسجد الأقصى والقدس الشريف في ظل الاحتلال، وأصدرت الحركة بياناً أكدت فيه أن الزيارة تشرع للاحتلال وتعترف به مؤكدين على رفضها رفضاً قاطعاً مطالبين بضرورة وقف الجدل المتعمد والمكشوف في هذا الموضوع، وحيت الحركة كل العلماء الرافضين لمثل هذه الدعوة في كل مكان.

وأكد الفقهاء المعاصرون من أهل فلسطين وغيرهم أن هذه الزيارة تعد تطبيعاَ وتأييداً لشرعية الاحتلال وترسيخاً لها، علماً بأن أكثر الهيئات والمؤسسات والشخصيات الإسلامية المعتبرة قد منعوا من ذلك في هذه الظروف؛ لما في ذلك من التطبيع مع العدو الصهيوني والاعتراف بسلطته والتكريس لها، ومن هؤلاء: الشيخ حامد البيتاوي خطيب المسجد الأقصى ورئيس رابطة علماء فلسطين، والشيخ عكرمة صبري مفتي فلسطين سابقاً والشيخ رائد صلاح وغيرهم كثير.

مجمع البحوث الإسلامية بالازهر الشريف:

عقد مجمع البحوث الإسلامية جلسة طارئة بمشيخة الأزهر الخميس (19/4/2012) برئاسة  الدكتور أحمد الطيب‏، شيخ الأزهر‏،‏ وناقش أعضاء المجمع على مدى ثلاث ساعات متواصلة زيارة المفتي- علي جمعة – للمسجد الأقصى، وأعلن المجمع أن الأزهر الشريف يؤكد موقفه الرافض لزيارة القــدس والمســجد الأقصى وهما تحت الاحتلال الصهيوني، وفي ختام جلسته جدد الأزهر الشريف قراره الرافض لزيارة القــدس والمسـجد الأقصى وهما تحـت الاحتلال. وأكد أن الأزهر الشريف استمر على دعمه لقراره السابق بعدم جواز السفر الى القدس والمسجد الأقصى وهما تحت الاحتلال الصهيوني  وذلك لما يترتب عليه من ضرورة الحصول علي تأشيرات من المحتل .

مشايخ الازهر:

ومن مشايخ الأزهر شيخ الأزهر السابق الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود حيث رفض أن يكون مع السادات في زيارته للقدس ..
وكذلك الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر ومفتي مصر السابق حيث قال: [إن من يذهب إلى القدس من المسلمين آثم آثم. . . والأولى بالمسلمين أن ينأوا عن التوجه إلى القدس حتى تتطهر من دنس المغتصبين اليهود،  وتعود إلى أهلها مطمئنة يرتفع فيها ذكر الله والنداء إلى الصلوات وعلى كل مسلمٍ أن يعمل بكل جهده من أجل تحرير القدس ومسجدها الأسير].
وكذلك الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق حيث قال: [إن تلك الزيارة لن تتم في ظل الاحتلال الصهيوني،  وإن ذلك ينطبق على كل علماء المؤسسة الأزهرية الذين يتبنون الموقف نفسه]، وقال أيضاً: [أرفض زيارة القدس، وهي مكبلة بسلاسل قوات الاحتلال الصهيونية؛ لأن زيارة أي مسلمٍ لها في الوقت الراهن يُعد اعترافاً بمشروعية الاحتلال الصهيوني ،  وتكريساً لسلطته الغاشمة ].
وكذلك الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الحالي الذي قال: [إن زيارة القدس لا تحقق مصلحةً للمسلمين،  لأنها تتم في ظل احتلال بني صهيون ي وبإذن من سلطات الاحتلال].
وكذلك الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر السابق حيث قال: [لن أزور القدس والمسجد الأقصى إلا بعد تحريرهما من وطأة الاحتلال الصهيوني،  لأن زيارتي لها الآن أو أي مسلم على مستوى العالم تُعد تكريساً للاحتلال، واعترافاً بمشروعيته. . . لكن بإذن الله تعالى سأزورها ونزورها جميعاً وهي حرة مسلمة. . . وهذه المدينة المقدسة أمانة في عنق المسلمين،  ولابد أن يبذل الجميع كل الجهد لتحريرها واستردادها بأية طريقةٍ من الطرق] .
وكذلك الشيخ فوزي الزفزاف وكيل الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية الذي [أيد تحريم الزيارة للقدس، ولكن بشرط أن نبذل كل ما نملك لتحرير المسجد الأقصى. . . وإن زيارة المسلمين من غير الفلسطينيين للأقصى يعطي شرعية لبني صهيون  لاحتلال القدس والمسجد الأقصى].
وكذلك الدكتور عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الذي قال: [إن الذهاب إلى القدس الآن يعطي انطباعاً بأن الأمور عادية،  ثم أنه يلزم الداخل إلى القدس الحصول على تأشيرة وهو اعتراف بشرعية بني صهيون  وأن التواصل يكون بالنصرة والصلة الدائمة عبر المساعدات الفعالة التي تعطي قوةً لإخواننا الفلسطينيين].
وكذلك الدكتور أحمد عمر هاشم عضو مجمع البحوث الإسلامية،  والدكتور محمد عثمان شبير

وكذلك فضيلة الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني.

والدكتور/ أحمد عمر هاشم (رئيس جامعة الأزهر السابق) حيث عارض الدعوة لزيارة الأقصى، وأكد على أن الجهاد هو السبيل الوحيد لتحرير المسجد الأقصى  .
وشاركته الرأي الدكتورة/ آمنة نصير (عميدة كلية الدراسات الإسلامية السابقة)، والتي قالت: [الجميع متفقون منذ سنوات على عدم زيارة القدس وهي تحت الاحتلال، ويشاركنا في هذا موقف الكنيسة المصرية التي ترفض زيارة المسيحيين لها إلا بعد تحرير المدينة المقدسة من دنس اليهود، وأضافت: إنني أخشى أن تقتل هذه الدعوة لزيارة المسجد الأقصى العداء في نفوسنا تجاه اليهود، كما أنه لا يمكن السيطرة على كل المسافرين إلى فلسطين وإلزامهم بتجنب زيارة إسرائيل التي تحاول جذب السائحين بكافة الوسائل].
وأوضح الدكتور أحمد شوقي الحفني (الخبير الإستراتيجي والأستاذ السابق بأكاديمية ناصر العسكرية العليا) أن فتح الزيارات سيكون في صالح إسرائيل وليس الفلسطينيين، واشترط أن تتم هذه الزيارات بالتنسيق والتخطيط مع القوى الفلسطينية ..
وأكد الدكتور عبد الغني محمود (أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر) أن إسرائيل لن تسمح بدخول أي مسلم إلى القدس والأقصى، إلا إذا كانت تلك الزيارات ستحقق مصالحها، ودعا إلى تطبيق المقاطعة الاقتصادية ضد إسرائيل، وألا نغفل أن الجهاد بكل أشكاله هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين، وتساءل: [ماذا يحدث لو أطلقت إسرائيل النار على الزائرين من الأطفال والشيوخ والنساء وهم يؤدون الصلاة؟].
أدلة القائلين بحرمة زيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال:

1 ـ أن الأدلة الشرعية كثيرة وإجماع المسلمين قديماً وحديثاً قائم على أنه إذا احتلت أرض إسلامية فيجب على أهلها جهاد النفر والدفع حتى تتحرر من المحتلين، فإذا لم يكن ذلك في قدرتهم فيجب على من يليهم حتى يشمل جميع المسلمين القادرين على الدفع والتحرير .
وبناءً على ذلك فإن الواجب على المسلمين ليس شد الرحال لأجل الزيارة وإنما الواجب شد الرحال والنفر خفافاً وثقالاً لأجل التحرير، فهذا الحكم ثابت عندما تكون أرض إسلامية ليس لها تميز تحتل، فما ظنك باحتلال أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين من قبل الصهاينة الذين عاثوا فيها فساداً، وهم يريدون ابتلاعها بالكامل، وهدم قبة الصخرة، والأقصى والمسجد كله ليقوموا ببناء الهيكل المزعوم في مكانه؟!!!.

فهل نغير هذا الواجب الذي علينا جميعاً ونحوله إلى زيارة في ظل دولة الصهاينة، وحينئذٍ نبرر لأنفسنا ونقول: لقد قمنا بالواجب ونصرنا إخواننا المقدسيين؟.

والأدلة القرآنية على هذا النفر أكثر من أن يحصى منها قوله تعالى:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (التوبة -41)، وقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} (النساء -75)، وقوله تعالى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ( سورة التوبة- 13)، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة التوبة -38،39) وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (سورة الصف – 10،11).

و الاستغناء بالزيارة عن هذه الفريضة هو من باب تخدير الأمة بحقن مؤثرة لتشل حركتها عن النهوض والحركة والجهاد، إذ بهذه الفتوى لا يحس المسلم بأي مسؤولية أو ذنب، ولا تأنيب للضمير بل يقول: إنني قد أديت ما طلب مني رسول الله صلى الله عليه وسلم من شد الرحال إلى المساجد الثلاثة والحمد لله تعإلى على هذه النعمة.

2ـ إن زيارة المسجد الأقصى بتأشيرة يهودية تترتب عليها مفاسد كثيرة ومضار عظيمة للقضية، وللأمة أجمع، ولا تترتب عليها مصالح حقيقية، وإنما هي مصالح موهومة لا قيمة لها .

ومن هذه المفاسد والمضار ما يأتي :

أ- إن مآلات إجازة الزيارات للأقصى هي التطبيع لا محالة، بل هي التطبيع الشعبي الذي هو أخطر بكثير من التطبيع السياسي.

ويقصد بالتطبيع إعادة العلاقات الطبيعية بين دولتين متحاربتين، أو مختلفتين من خلال مواقف ايجابية أو مصالحة شاملة تؤدي إلى إزالة العوائق بينهما، وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية، وغيرها.
ب- إن الفتوى بجواز الزيارة تعني استجابة المسلمين في كل مكان، وبالتالي تمتلئ قنصليات الصهاينة بطلب الفيز، وهذا بلا شك اعتراف شعبي بمشروعية الاحتلال بلا شك، بل إن ذلك يستدعي أن تفتح قنصليات في البلاد الإسلامية التي ليست لها علاقات مع العدو الصهيوني

فهذا مدخل للصهاينة للاعتراف بهم وفتح القنصليات .
وهذا بلا شك في المستقبل القريب أو البعيد يؤدي إلى الاعتراف بشرعية الاحتلال ولو ضمناً، وهذا ما يتمناه الصهاينة ويسعون له بكل جهودهم وحينئذ فإن ما لم تستطع وسائل إعلامهم العملاقة أن تحققه فقد حققه لهم من يفتي بهذه الفتوى، مع أن جميع المسلمين (بل والإنسانية جميعا) متفقون على عدم شرعية الاحتلال .

ج- إن الفتوى بجواز هذه الزيارات لتؤدي إلى كسر الحاجز النفسي والديني، فمثلاً ظل الشعب المصري، والشعب الاردني بعيدين عن التطبيع بسبب العقيدة والإيمان بعدم جواز ذلك، وبمثل هذه الفتاوى تقضى على هذه الروح الوثابة الحساسة بالمسؤولية.

د – إن المحتلين الصهاينة سوف يعدون لمثل هذه الزيارات برامج مناسبة تؤثر في الزائرين، وتسهل لهم كل ما يريدون ليعطوا صورة طيبة عنهم مع أنهم يقتلون إخواننا في فلسطين، ويخرجونهم من ديارهم فهذه ايضا مفسدة محققة.

هـ- إن مثل هذه الزيارات من المسلمين – لو تحققت – ستكون لها آثار نفسية، بالغة السوء على إخواننا المرابطين والمقاومين والمدافعين في داخل فلسطين، حيث يشعرون أنهم تركوا في الميدان، وأن الأمة قد قامت بالتطبيع مع عدوهم.

و – إن السفارات والقناصل الخاصة بالعدو الصهيوني سوف تعد العدة لاختراق المسلمين، وتجنيد ضعاف النفوس وجعلهم جواسيس يزورون القدس لأجل توصيل الأخبار ونحن نظن أنهم شدّوا الرحال إليها، وبذلك قد فتحنا على أنفسنا باب شر مستطير.

– ومن جانب آخر فإننا نشاهد يومياً أن المحتلين الصهاينة يمنعون معظم الأيام والأوقات الفلسطينيين من دخول المسجد الأقصى، فهل إذا سمحوا للمسلمين بالزيارة أنهم يريدون بها خدمة الأقصى؟!! فلو لم يكن وراء ذلك مصالح لهم فلا يمكن أن يسمحوا لأحد بالدخول .

كما أنه في هذه الحالة كم يتأثر إخواننا الفلسطينيون الذين يمنعون من الدخول ليلاً ونهاراً برؤية أو سماع أن المسلمين جاؤوا ودخلوا المسجد الأقصى في ظل تأشيرة اليهود، وحمايتهم؟! فكيف يطيب للزائرين ذلك؟!!.

ي ـ إن المحتلين الصهاينة سيسمحون بزيارة المسلمين ويعدون برامج مشوقة، ثم ينطلق اعلامهم المسيطر على العالم ليثبت للعالم: أن دخول القدس متاح للجميع، بل هي بلد الجميع، وأنهم أي اليهود يقومون بالإشراف فقط، هكذا يدّعون لإغفال العالم، ولنسيان القضية على مستوى العالم أيضا .

 

المطلب الثاني: القائلون بجواز زيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال وأدلتهم :

أفتى الشيخ علي جمعة مفتي جمهورية مصر بجواز زيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال وقام بزيارة رسمية للقدس كما قام قبله الحبيب الجفري بزيارة المسجد الأقصى قبل عام .

ومن المؤيدين لهذا القول الشيخ محمد الأمين اكتوشني الشنقيطي .

وانتقد وزير الأوقاف في السلطة الفلسطينية محمود الهباش الفتوى التي أصدرها رئيس اتحاد علماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي بتحريم زيارة القدس لغير الفلسطينيين، زاعمًا أن الفتوى “خاطئة”؛ لأنها تقدم خدمة مجانية للاحتلال الذي يريد عزل القدس.

وقال قاضي قضاة فلسطين القاضي ياسر التميمي:

[أما تحريم زيارة القدس باعتبارها تطبيعاً مع الاحتلال ، ففي رأيي أنه اجتهاد خاطئ ومجانب للصواب ، ودعوة مريحة للاحتلال وداعمة لأهدافه السياسية ، لأن القدس في هذه الحالة سوف لن يبقى فيها ـ على ضوء ما ذكرت من إجراءات التهويد والتطهير العرقي ـ إلا اليهود ، والمشروع الصهيوني المخطط له أن يكون عدد السكان اليهود في القدس عام 2020م مليون يهودي ، فكيف سنحفظ الوجود الإسلامي والعربي فيها!، والبقية الباقية من أهلها العرب الأصليين بمن ستقوى ظهورهم وصدورهم].

وقال مفتي القدس الشيخ محمد حسين حول حكم زيارة المسجد الأقصى وانطباع المقدسيين عن زيارة علي جمعة للقدس منذ عدة أعوام طالب المفتى الجميع بزيارة القدس الشريف وألا يلتفتوا لمن يعترض أو ينكر ذلك.

كما طالب مفتى القدس كل من يستطيع من المسلمين زيارة المسجد الأقصى أن يفعل، منوهًا أن ذلك أكبر دعم لفلسطين ولشعبها ولقضيتها .

 

– مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي:

وقد أرجأ مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي في دورته الثانية والعشرين، بيان الحكم الشرعي في زيارة المسلمين للقدس المحتلة والمسجد الأقصى. وسبب الإرجاء هو الإخفاق في توصل أعضاء مجلسه إلى إجماع حول شرعية الزيارة تحت الاحتلال الإسرائيلي ووجوب الحصول على تأشيرة الدخول من سلطاته.
وقال وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردني الدكتور هايل داود أن المجمع الفقهي قرر تأجيل اتخاذ قرار في هذه المسألة لمزيد من البحث والدراسة، فقد جرت مناقشات مطولة حول بيان الحكم الشرعي في زيارة القدس ومعظمها دار حول المصالح والمفاسد المترتبة على هذه الزيارة ،وهناك من غلّب جانب المصالح، وهناك من غلب جانب المفاسد، وهناك من لم ير أي مصلحة، وهناك من لم ير أي مفسدة.
وأشار داود إلى أن الآراء المتعددة دفعت في النهاية المجمع إلى إتاحة فرصة أكبر للنقاش والحوار، وتأجيل النظر في هذا الموضوع إلى الدورة المقبلة للمجمع، أوعقد ندوة خاصة في ذلك. وقال الوزير الأردني إن بلاده التي طلبت من مجمع الفقه الإسلامي إدراج هذا الموضوع في دورته الحالية، وأضاف أنها [مستعدة وجاهزة لأن تبذل أقصى إمكاناتها للتيسير على من أراد أن يقوم بزيارة المسجد الأقصى المبارك ودعم المقدسيين].

و يذكر أن الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إياد مدني، كان قد دعا من رام الله في مطلع كانون الثاني/ يناير الماضي، المسلمين إلى زيارة القدس التي أعلنها عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2015.

وذكروا لذلك أدلة نوجزها فيما يلي:-

1- إن استحباب زيارة المسجد الأقصى حكم ثابت بالنص والإجماع لذا فهو الأصل ولا يجوز الانتقال عن حكم الأصل إلى حكم آخر إلا بوجود المعارض الذي يقوى على الانتقال .

في ظل الاحتلال الصليبي.

2- أن تدفق العرب لزيارة القدس سوف يساهم في فك العزلة، وسوف يعيق تهويد المدينة المستمر، وبذلك سوف يصب في دعم صمود الشعب المقدسي.

3- واستدل الذين أجازوا الذهاب إلى القدس والصلاة في المسجد الأقصى الآن، بما
ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم زار المسجد الحرام وطاف وصلى واعتمر فيه بما سمي “عمرة القضاء” وذلك سنة سبع للهجرة ، وكانت مكة إذ ذاك في قبضة المشركين والذين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل ذلك من دخولها، فلم يكن وجود مكة في قبضة المشركين مانعاً للمسلمين من السفر إليها والصلاة في المسجد الحرام فيها، ولم يكن ذلك واجباً على المسلمين حتى يقال بأنه من باب الضرورة، وليس اليهود بأشد كفراً وطغياناً من المشركين .
وهذا دليل شرعي يقضي على الخلاف، ولا ينبغي تقديم العاطفة على الشرع، ولم يكن الذهاب لمكة في ذلك الوقت تطبيعاً مع المشركين، ولا مزيلاً لحواجز العداء والبغضاء بين المسلمين والمشركين، بل العكس هو الصحيح ؛ فإن رؤية الكعبة في قبضة المشركين زاد في العداوة والبغضاء تجاههم.
ولم يكن الذهاب لمكة منسياً لجهاد الكفار المحتلين ، بدليل ما حصل بعد ذلك من ” فتح مكة ” وتطهيرها من رجس الشرك وأهله ، وهكذا يقال في رؤية اليهود وهم يحتلون المسجد الأقصى ؛ فإن ذلك يزيد في عداوتهم وبغضهم ، ويزيد من الإصرار على تحرير المسجد – بل فلسطين كلها – من قبضتهم .
4- إن السفر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى فيه توكيد للعالَم بأحقية المسلمين في هذا المسجد، وأنه باقٍ في ذاكرتهم لم ينسوه.

5- إننا بسفرنا هذا نقدم دعما معنويّاً للمسلمين هناك ، حيث نراهم ونختلط بهم ، ونقوي عزائمهم بالكلمة الطيبة والتشجيع على البقاء مرابطين
6- ونقدم أيضاً للمسلمين هناك الدعم المادي ، وذلك عن طريق الشراء من بضائعهم ، أو إدخال مبالغ للفقراء والمحتاجين هناك .

وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: في ظل التفاهم بين العرب واليهود، هل يجوز زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، خصوصا في حال الموافقة من الدول العربية ؟.
فأجاب: [زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه سنة إذا تيسر ذلك ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى متفق على صحته]. انتهى من “مجموع فتاوى ابن باز” (8/ 214)
وسئل الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله تعالى عن هذه المسألة فقال: [زيارة المسجد الأقصى الآن جائزة ومشروعة ، وقد اعتمر الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ومكة تحت سلطان المشركين] انتهى .
وعلى من عزم السفر للمسجد الأقصى أن يراعي جملةً من الأمور : ـ

– أن تكون النية في السفر فقط إلى ” المسجد الأقصى “، دون غيره من أماكن العبادة ، أو المساجد.

– أن لا يعقب الزيارة ولا يسبقها الذهاب إلى أماكن السياحة؛ لما فيها من مفاسد لا تخفى.
– أن لا تكون الإقامة في فنادق يهودية إن تيسر غيرها .
– أن يتجنب ما فيه إثراء لاقتصادهم قدر استطاعته .

 

المطلب الثالث: مناقشة أدلة القائلين بالجواز لزيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال:

استدل المجيزون لزيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال بالتالي :

أولا: أن تدفق العرب لزيارة القدس سوف يساهم في فك العزلة، وسوف يعيق تهويد المدينة المستمر، وبذلك سوف يصب في دعم صمود الشعب المقدسي . 

ويمكن أن يناقش هذا الدليل بالتالي :

1ـ  أنه مبني على مصلحة متوقعة غير متحققة، إذ أن قرار الزيارة ومنح التأشيرات بأيدي إسرائيل فإذا وجدت أنها تدعم المقدسيين في صمودهم فسوف تمنعها، كما تمنع ضواحي القدس والمدن المحيطة لها عن الصلاة فيها إلا بشروط صعبة، كما أنها منعت المقدسيين الذين سحبت إقاماتهم الدائمة من العودة إليها، وزيارة ذويهم وأقاربهم، بل عمدت مؤخرا إلى نفي عدد من الشخصيات المقدسية ومنهم عضوان في المجلس التشريعي، بل منعت المتضامنين الأمريكان، والأوروبيين من دخولها، إذن فالمصلحة – على فرض عدها مصلحة- مصلحة موهومة غير متوقعة، وغير محققة، وبالتالي فلا يجوز اعتبارها أمام المفاسد الحقيقية التي تترتب على الزيارات مما ذكرناه في السابق، ومن القواعد الفقيهة أن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة الحقيقية، فما ظنك بمصلحة موهومة .

2ـ ثم إن الأمر مادام بيد إسرائيل فهي التي تتحكم في ما يحقق مصالحها، لأنها تعد العدة لجعل القدس عاصمتها اليهودية، وبالتالي فلن تسمح إلا في إطار الزيارات التي تؤدي إلى الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية، وهذا ما عبر عنه رئيس بلدية القدس ” نير بركات” حيث صرح بأن هدف إسرائيل هو جعل المدينة قبلة للسياحة الدينية لمختلف الديانات السماوية وأنها تستهدف زيادة عدد السيّاح للقدس من مليوني سائح إلى عشرة ملايين سنوياً، حتى يدل على الانفتاح الإسرائيلي على العالم بما فيه العالم الإسلامي، لكنه أكد على “أن المدينة يجب أن تكون موحدة كعاصمة لإسرائيل”.

3ـ تسعى إسرائيل جاهدة لاستثمار هذه الزيارات لشرعنة التعامل مع الاحتلال في قضايا السياحة والاقتصاد والاستثمار، والتعاون العلمي، ونحو ذلك .

ثانياً: أن بعض الفقهاء والعلماء الكبار أمثال الإمام الغزالي قد زاروا القدس وهي تحت الاحتلال.

والجواب عن ذلك أن من المتفق عليه بين العلماء أن عمل العالم ليس حجة، فالدليل لا يؤخذ إلا من كتاب الله وسنة رسوله، ومن الاجتهاد المنضبط من أهله وفي محله، ومن جانب آخر فالثابت تأريخياً أن الغزالي زار بيت المقدس قبل إحتلاله، وهذا ما صرّح به ابن الاثير في الكامل بوضوح أن الغزالي رحمه الله سافر إلى دمشق وزار القدس عام 488 هـ يقول ما نصه في حوادث هذا العام: [وفيها – أي عام 488هـ – توجه الإمام أبو حامد الغزالي إلى الشام وزار القدس وترك التدريس في النظامية واتناب أخاه وتزهد ولبس الخشن وأكل الدون وفي هذه السفرة صنف إحياء علوم الدين وسمعه منه الخلق الكثير بدمشق وعاد إلى بغداد بعدما حج في السنة التالية وسار إلى خراسان]، وربط زيارة القدس بزيارة دمشق في ذلك العام يوشح تقارب ميقات الزيارتين إلى دمشق والقدس .

وأما الدليل القاطع فهو ما حكاه الغزالي نفسه عن رحلته إلى بيت المقدس في كتابه “المنقذ من الضلال”، إذ يقول ما نصه – مع اختصارات لا تؤثر في موضع الجدل:- [ففارقت بغداد وفرقت ما كان معي من المال … ثم دخلت الشام، وأقمت به قريباُ من سنتين… فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابها على نفسي. ثم تحركت في داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة، وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم]، فهذا النص من الغزالي نفسه قاطع في أنه زار القدس قبل احتلالها، أي في عام 488 هـ ومن جانب آخر فإن القدس في بداية احتلالها في تلك المرحلة كانت فيها حروب شديدة بين الصليبيين والمسلمين لم تكن تسمح بزيارة هؤلاء.

وأما زيارة بعض العلماء الآخرين فقد كانت في مواسم الهدنة المؤقتة بين جيوش المسلمين ومملكة بيت المقدس الصليبية التي كان من شروطها تمكين المسلمين من زيارة بيت المقدس لفترة زمنية وتحت إشراف الدولة الإسلامية .

والصحيح في جواب ذلك أن عمل العالم ليس حجة .

 

ثالثاً: خروج النبي صلى الله عليه وسلم الى مكة في ظل سيطرة قريش عليها .

والجواب على ذلك :

1- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً دون علم قريش ودون استئذان منهم، وفى البداية لم يكن معه سلاح لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجلب السلاح، لأنهم مقدمون على قوم أهل حرب، فاستجاب النبي صلى الله عليه وسلم لمشورة الفاروق رضي الله عنه، وهذا يعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه إلى بيت الله الحرام  ،لأداء العمرة ومعه السلاح الذي يدافع به عن نفسه وعمن معه ،أما هؤلاء فلن يخرجوا من ديارهم إلا بتأشيرة صهيونية، ولسوف يمنعون حتى من اصطحاب أي شيء معهم مهما كان تافها .
2ـ أن قريش هم أهل مكة وهم ملاك أرضها الأصليين، وهذا يعنى أنهم يتمتعون بشرعية الوجود في مكة فهي بلدهم الذي نشأوا أما اليهود فليسوا سكان فلسطين الأصليين، بل لقد تجمعوا من بلاد شتى وجاءوا من كل حدب وصوب وطردوا أهل البلاد الأصليين وقتلوهم واغتصبوا أرضهم ثم نسبوها إليهم وأقاموا عليها دولة عسكرية لم ترسم حدودها حتى اللحظة، وزيارة القدس وهى تحت السيطرة الصهيونية تعنى الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني اللقيط، ولا شك أن الاعتراف بشرعية هذا الكيان حرام حرمة عظيمة، وخيانة لله ولرسوله وللمسلمين، وتفريط في وقف إسلامي لا يجوز بحال التفريط فيه .
3ـ إن مكة لم تكن بلداً إسلامياً بعد، وبالتالي فإن زيارة النبي للبيت الحرام لا تعطي المشركين شرعية لسيطرتهم على مكة والبيت الحرام ، في حين أن زيارة هؤلاء للقدس تعطى شرعية لسيطرة اليهود على القدس ، وتعطى الكيان الصهيوني حجة لكي يقولوا للعالم كافة ، إن القدس تحت سيطرتنا ، ومع ذلك لا نمنع المسلمين منها ، فقد زارها فلان وفلان وفلان……. ، بل قد يقولون أيضا –من باب الخداع السياسي- أنهم يرحبون بأي شخص يريد زيارة القدس ، وفى الخفاء يضعون شروطا تمنع أي مسلم من زيارة القدس إلا إذا كان من أصدقاء الصهاينة وحلفائهم .

4ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفاوض رسل مشركي قريش من منطق القوة ، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا يوافق على الفتات الذي تعرضه عليه قريش ، بل لقد كان يطالب بحقه آنذاك ، وهو أن يزور بيت الله الحرام كسائر العرب.

5ـ أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان يخبر قريش بمراده صلى الله عليه وسلم ، ولكن جاءته الأخبار التي تفيد مقتل عثمان رضي الله عنه، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن دعا أصحابه على مبايعته لقتال المشركين فبايعوه كلهم إلا واحدا لأنه كان من المنافقين ، فمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد العمرة ، إلا أنه لما جاءه الخبر بالغدر ، قرر قتال المشركين .

واليوم الصهاينة يقتلون المسلمين في فلسطين بدم بارد ، وكانت الحرب ظالمة على قطاع غزة قتل فيها ألف وخمسمائة مسلم منهم رجال ونساء وأطفال وعلماء أجلاء، ولا يزال العدو الصهيوني يفرض حصارا ظالما على أهلنا وإخواننا في قطاع غزة ، فأين هؤلاء الذين يريدون زيارة القدس مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم .

6ـ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة بعد الاتفاق مع قريش في صلح الحديبية، إنما دخلها من منطلق القوة، فكان هو القائد المنتصر ، وقد استطاع في صلح الحديبية أن يحصل على هدنة لمدة عشر سنوات كاملة بين المسلمين وبين قريش ، وفى ذات الوقت لم تستطع قريش أن تعترض على أي مسلم كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلم تستطع قريش أن تفرق بين مسلم ومسلم آخر ،ولم يتعرض المسلمون لأي إهانة ولم يظهروا في موقف ضعف أبدا ، بينما سيقوم الكيان الصهيوني بمنع من يشاء من زيارة القدس ، وسوف تعاملهم الحكومة الصهيونية أسوأ معاملة، ولسوف تفرض قيودا على تحركاتهم ، ولا يدعى أحد أن هذا الأمر من باب التكهنات التي لا دليل عليها ، فالواقع هو الدليل .

 

المطلب الرابع : مناقشة أدلة المانعين لزيارة المسجد الأقصى في ظل الاحتلال :
يرى أصحاب القول بالجواز لزيارة المسجد الأقصى أن المانع من الزيارة لا يملك معارضاً من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس.
إذ أن دليله الذي يعارض به هذا الأصل هو أن هذه الزيارة تؤدي إلى التطبيع مع العدو المحتل
وهذا الاستدلال – إن صح – يمكن تصنيفه أنه من قبيل الاستصلاح لا غير وعليه فهل يسلم كون المنع من الزيارة مصلحة راجحة ؟.
وهل هذه المصلحة قد اعتبرها الشارع أم لا ؟
وإن لم يعتبرها فهل هي من قبيل المرسلة التي لم يشهد لها الشارع باعتبار أو إلغاء أم من قبيل ما ألغاه الشارع مع علمه به ؟.
مباحث ثلاثة: فهناك:
أولها: يقول المانع من الزيارة: إن منع هذه الزيارة فيه مصلحة وهي منع التطبيع مع العدو المحتل لأن زيارتك للقدس بإذن العدو المتمثل في التأشيرة وغيرها يعد اعترافاً بملكهم للمحل المأذون فيه وإقرارا لاحتلالهم.
والرد: ان الممنوع شرعاً إقرار المحتل على احتلاله وكذا الرضا بذلك ولا نسلم أن الحصول على إذن العدو في دخول أرضنا المحتلة يلزم منه الرضا باحتلاله أو الإقرار له بذلك وإلا لكان النبي صلى الله عليه وسلم راضيا باحتلال العدو الكافر لمكة عندما دخل بإذنهم لأداء العمرة.
وفي كون هذا المنع مصلحة معارض بمفسدة بل مفاسد منها:
– قلة المصلين والعمار في هذا البيت المقدس مما يؤدي لهجره.
– ضعف اتصال الأمة وأجيالها بهذا البيت لأن البعد يورث الجفاء وهو ملموس واقعنا فأين شباب الأمة اليوم وكبارها وصغارها من الانتهاكات المتواصلة والمتصاعدة في هذا الحرم الشريف .

– قلة المصلين ووحدة وجهتهم – أي كونهم فلسطينيين فقط – يقوي مشروع المحتل في عزل الأقصى عن المسلمين وهدمه لا سيما مع تعمده زيادة وفود اليهود لزيارة هذه البقعة المقدسة .
كما أنه يلزم من هذا القول تعطيل الصلاة في المسجد الأقصى لأن الزائر الفلسطيني لا يدخله إلا بموافقة إسرائيلية فالمعنى الموجود هنا هو الموجود في منعه لغير أهل البلد فإما ألا يفرق بينهما فيقع في المحظور أو لا فيتناقض .
ثانيها: إن سلمنا أنها مصلحة راجحة فهل اعتبرها الشارع ؟
والرد على ذلك: إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الأقصى في رحلة الإسراء والمعراج وحثه على شد الرحال إلى الأقصى وقت احتلال الروم لها كذا دخوله مكة للعمرة والصلاة في الحرم بإذن قريش دليل على أن هذه المصلحة لم يعتبرها الشارع الحكيم بل ألغاها مع علمه بها.
ثالثها: هل هذه المصلحة يصح الاحتجاج بها فضلا عن صلاحية المعارضة المؤثرة بنقل الحكم عن الأصل؟
والجواب:

1- أن الوصف المعلل به إما ان يكون مؤثراً أو ملائماً أو غريباً أو مرسلاً والوصف المرسل وهو المصلحة المرسلة إما أن يكون ملائماً أو غريباً أو ثبت إلغاؤه، فأما الملائم فليس بحجة في المذهب الحنبلي وأما الغريب فليس بحجة عند الجمهور وأما الذي ثبت إلغاؤه فليس بحجة إجماعاً.
وعلى هذا فالوصف المذكور هو من قبيل ما ثبت إلغاؤه عند التحقيق . ولكن مع التنزل والافتراض بأنه وصف مرسل ملائم بأن اعتبر الشارع جنسه البعيد في جنس الحكم فالمذهب على أنه ليس بحجة.
فالمصلحة المرسلة ليست بحجة في المذهب.
قال ابن النجار في الكوكب وشرحه (4/169) : [وليست هذه المصلحة بحجة عند الأكثر خلافا لمالك وبعض الشافعية وتسمى المصلحة المرسلة].
وقال ابن قدامة في روضة الناظر (170): [والصحيح أنها ليست بحجة].
وعلى هذا فلا معارض يقوى على النقلة عن حكم الأصل إلى غيره بل نبقى عليه كما بقي عليه سلفنا الصالح لا سيما أيام الاحتلال الصليبي إذ لم ينقل عن أحد تحريم زيارة المسجد الأقصى .

ولذا قال الشيخ محمد الأمين أكتوشني الشنقيطي في الرد على المانعين للزيارة:

وأما كون الزيارة مخالفة للمصلحة فالمصلحة هنا إذا تنزلنا نقول أقوى حالاتها أن تكون من المصالح المرسلة التي شدد إمام الحرمين الجويني النكير على الإمام مالك في اعتبارها مع أنها لم يخل مذهب من اعتبارها شاء أم أبى ولا شك أن كثيرا من الفروع الفقهية في مختلف المذاهب كانت هي مدركه. ولا شك أن حسن الظن بالسادة الأفاضل المعارضين للزيارة يقتضي أنهم إنما عارضوها حمية للدين وغيرة على القدس وأنهم يرونها مخالفة للمصلحة، لكن الذي يظهر أن هذه المصلحة لا تصل حتى لأن تكون مرسلة فيصح التعليل بها عند من يعتبر المصالح المرسلة؛ إذ الوصف المرسل في اصطلاح الأصوليين هو ما لم يشهد له شرع باعتبار ولا بإلغاء، بل الواضح أنه من باب الوصف الغريب الذي علمه الشارع وألغاه والذي أطبق الأصوليون على أنه لا يعلل به .

2ــ لقد شكك المانعين من زيارة الإمام الغزالي لبيت المقدس وهو إذ ذاك محتل، وهو غير صحيح فإن الشيرازي في طبقات الفقهاء 1/ 248 وقاضي شهبة في طبقات الشافعية 1 /293 ذكرا أن الغزالي بعد ما حج رجع إلى دمشق ومكث عشر سنين بمنارة الجامع وصنف فيها كتبا منها الأحياء ثم سار إلى القدس والأسكندرية. وقد ذكر السبكي في طبقات الشافعية الكبرى 6/193 ومعاصره نجم الدين الطرسوسي في تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك 1 /77 أن حجه كان عام 488 هـ ومعروف أن احتلال القدس كان عام 492 فإذا حسبنا السنين العشر من بعد عام الحج حتى ولو لم نحسب ما يأخذه السفر إلى دمشق من الوقت سيكون زار القدس على أقرب تقدير عام 498 وهو قطعا بعد الاحتلال. وهذه المدة قد تفهم أيضا من الطرسوسي حيث قال إن الغزالي رجع بعده ( الحج ) إلى دمشق ثم سار إلى بيت المقدس بعد ما بنى مدرسة ورباطا في مسقط رأسه.
بل ذكر عبد الحي الحنبلي في شذرات الذهب 4 /11 ما هو صريح في ذلك ولفظه [فخرج إلى الحجاز في سنة ثمان وثمانين فحج ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين بمنارة الجامع وصنف فيها كتبا يقال إن الإحياء منها ثم سار إلى القدس والإسكندرية].
ولو فرضنا أن الغزالي لم يزر بيت المقدس أيام احتلاله فقد زاره في هذه المدة أبو المظفر السمعاني الذي لا يقل جلالة عن الغزالي والذي ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء20 /460 بما نصه:
[الإمام الحافظ الكبير الأوحد الثقة محدث خراسان أبو سعد عبد الكريم بن الإمام الحافظ الناقد أبي بكر محمد بن العلامة مفتي خراسان أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار التميمي السمعاني الخراساني المروزي صاحب المصنفات الكثيرة، ولد بمرو في شعبان سنة ست وخمس مئة …… زار القدس والخليل وهما بأيدي الفرنج تحيل وخاطر في ذلك وما تهيأ ذلك للسلفي ولا لابن عساكر].
كما زارها أيضا المحدث أبو المظفر سعيد بن سهل المشهور بـ”الفلكي” بعد ما أخذ له نور الدين محمود زنكي الإذن من الإفرنج. ذكر ذلك ابن أبي جرادة في بغية الطلب في تاريخ حلب 9 /310 والصفدي في الوافي بالوفيات 15/ 140.

الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث نعرض فتوى الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي رئيس اتحاد علماء المسلمين في هذه القضية حيث قال :

إن الإسلام يفرض على المسلمين أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، لاسترداد أرضهم المغصوبة، ولا يقبل منهم أن يفرطوا في أي شبر أرض من دار الإسلام، يسلبها منهم كافر معتد أثيم، وهذا أمر معلوم من الإسلام للخاصة والعامة، وهو مجمع عليه إجماعاً قطعياً من جميع علماء الأمة، ومذاهبها كافة، لا يختلف في ذلك اثنان.
وهذا الحكم في أي جزء من دار الإسلام، أياً كان موقعه، من بلاد العرب أو العجم، فكيف إذا كان هذا الجزء هو أرض الإسراء والمعراج، ومربط البراق، ودار المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله أولى القبلتين في الإسلام، وثالث المساجد العظيمة التي لا تشد الرحال إلا إليها ؟!.
إن هذا يؤكد وجوب الجهاد والقتال في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وإذا قصر المسلمون في الجهاد للذود عن أوطانهم، والدفاع عن حماهم، واسترداد ما اغتصب من ديارهم، أو عجزوا عن ذلك لسبب أو لآخر، فإن دينهم يفرض عليهم مقاطعة عدوهم مقاطعة اقتصادية واجتماعية وثقافية لعدة أسباب:
أولها: إن هذا هو السلاح المتاح لهم، والقدر الممكن من الجهاد، وقد قال الله تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم” (الأنفال: 60)، فلم يأمرنا الله إلا بإعداد المستطاع، ولم يكلفنا ما لا طاقة لنا به، فإذا سقط عنا نوع من الجهاد لا نقدر عليه، لم يسقط عنا أبدًا ما نقدر عليه، وفي الحديث الصحيح: “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم” متفق عليه.
وثانيها: إن تعاملنا مع الأعداء ـ شراء منهم وبيعًا لهم، وسفراً إلى ديارهم ـ يشد من أزرهم، ويقوي دعائم اقتصادهم، ويمنحهم قدرة على استمرار العدوان علينا، بما يربحون من ورائنا، وما يجنونه من مكاسب مادية وأخرى معنوية لا تقدر بمال، فهذا لون من التعاون معهم، وهو تعاون محرم يقينًا؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان، قال تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” (المائدة: 2).
وثالثها: إن التعامل مع الأعداء المغتصبين استقبالاً لهم في ديارنا، وسفرًا إليهم في ديارهم، يكسر الحاجز النفسي بيننا وبينهم، ويعمل ـ بمضي الزمن ـ على ردم الفجوة التي حفرها الاغتصاب والعدوان، والتي من شأنها أن تبقي جذوة الجهاد مشتعلة في نفوس الأمة، حتى تظل الأمة توالي من والاها، وتعادي من عاداها، ولا تتولى عدو الله وعدوها المحارب لها، المعتدي عليها، وقد قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء” (الممتحنة: 1)، وهذا ما يعبرون عنه بـ (التطبيع)، أي: جعل العلاقات بيننا وبينهم (طبيعية) سمناً على عسل، كأن لم يقع اغتصاب ولا عدوان، وهم لا يكتفون اليوم بالتطبيع الاقتصادي، إنهم يسعون إلى التطبيع الاجتماعي والثقافي وهو أشد خطرًا.
ورابعها: إن اختلاط هؤلاء الناس بنا، واختلاطنا بهم، بغير قيد ولا شرط يحمل معه أضراراً خطيرة بنا، وتهديدًا لمجتمعاتنا العربية والإسلامية، بنشر الفساد والرذيلة والإباحية التي ربوا عليها، وأتقنوا صناعتها، وإدارة فنونها، وما وراءها من أمراض قاتلة فتاكة، مثل: (الإيدز) وغيره.. وهم قوم يخططون لهذه الأمور تخطيطًا ماكرًا، ويحددون أهدافهم، ويرسمون خططهم لتحقيقها بخبث وذكاء، ونحن في غفلة لاهون، وفي غمرة ساهون.
لهذا كان سد الذرائع إلى هذا الفساد المتوقع فريضة وضرورة: فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع.
وفي ضوء هذه الاعتبارات يرى القرضاوي أن السفر أو السياحة إلى دولة العدو الصهيوني ـ لغير أبناء فلسطين ـ حرام شرعًا، ولو كان ذلك بقصد ما يسمونه (السياحة الدينية) أو زيارة المسجد الأقصى، فما كلف الله المسلم أن يزور هذا المسجد، وهو أسير تحت نير دولة يهود، وفي حراسة حراب بني صهيون، بل الذي كلف المسلمون به هو تحريره وإنقاذه من أيديهم، وإعادته وما حوله إلى الحظيرة الإسلامية، وخصوصًا أنه يتعرض لحفريات مستمرة من حوله ومن تحته لا ندري عواقبها، إنما يدري بها اليهود الذين ينوون أن يقيموا هيكلهم على أنقاضه “ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين” (الأنفال: 30).
إننا جميعًا نحن إلى المسجد الأقصى، ونشتاق إلى شد الرحال إلى رحابه المباركة، فإن الصلاة فيه بخمسمئة صلاة في المساجد العادية، ولكنا نبقي شعلة الشوق متقدة حتى نصلي فيه إن شاء الله_بعد تحريره وما حوله، وإعادته إلى أهله الطبيعيين وهو أمة العرب والإسلام، ويستطيع المسلم الذي يريد أن يكسب أجر مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى: أن يشد رحاله إلى المسجد النبوي الشريف، فإن الصلاة فيه بألف صلاة في المساجد العادية، أي أن أجرها ضعف أجر الصلاة في المسجد الأقصى.
بل يستطيع أن يشد رحاله إلى المسجد الحرام الذي هو أفضل بيوت الله على الإطلاق، وأول بيت وضع في الأرض لعبادة الله تعالى، والصلاة فيه بمئة ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد النبوي والمسجد الأقصى.
ومعنى هذا أن الصلاة في المسجد الحرام بمكة المكرمة تعدل مئتي صلاة في المسجد الأقصى، فمن اشتاق إلى المسجد الأقصى اليوم فليطفئ حرارة شوقه بالسفر إلى المسجد النبوي بالمدينة، أو المسجد الحرام بمكة، حتى يمكن الله الأمة من إعادة الحق إلى نصابه، ورد الأمانات إلى أهلها “وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ” (الروم: 4، 5).

نسأل الله تعالى نصراً وعزاً وتمكينا للاسلام والمسلمين، كما نسأله تعالى أن يمكن للمسلمين من تحرير المسجد الأقصى، إنه على ما يشاء قدير.

ولا يزال هذا الموضوع مفتوحاً للباحثين وبحاجة لمزيد من البحث العلمي الشرعي…

وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين ….

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق