
تشظّي الولاء في التيار المدخلي: بين مدخلية السعودية ومدخلية الإمارات
من خطاب عقدي إلى اصطفاف سياسي عابر للحدود
د منصور منور
مدخل
لم تعد “المدخلية” كما كانت تُعرَّف في بداياتها تيارًا دعويًا محصورًا في سجالات عقدية أو مناظرات منهجية حول مفاهيم الطاعة والفتنة والتحزب، بل تحوّلت، مع مرور الزمن وتغيّر السياقات السياسية في المنطقة، إلى ظاهرة إقليمية ذات امتدادات عسكرية وأمنية، وأذرع خطابية وإعلامية، تتشكل وتتحرك بحسب مراكز القرار السياسي التي ترعاها أو توفّر لها الغطاء والحماية.
وقد أعادت الأحداث التي شهدها جنوب اليمن في ديسمبر 2025 ويناير 2026 هذا التيار إلى الواجهة من جديد، لا بوصفه “سلفية طاعة” فحسب، بل كشبكة ولاءات متشظّية، انقسمت بوضوح بين محورين:
محور يتجه بخطابه ومواقفه حيث تتجه السياسة السعودية، ومحور آخر لم يُخفِ انحيازه الكامل للمشروع الإماراتي، حتى وإن اقتضى ذلك مناكفة الرياض ذاتها.
ذلك الانقسام لم يكن مجرد اختلاف في التقدير السياسي، بل كشف تحوّلًا أعمق في بنية التيار نفسه:
إذ لم يعد “ولي الأمر” مفهومًا مجرّدًا أو إطارًا نظريًا عامًا، بل أصبح في لسان الحال تجسيدًا لدولة بعينها، يتبدّل بتبدّل الرعاية، ويُعاد تعريفه بتغيّر مركز النفوذ.
ومن هنا، لم يعد الحديث عن “مدخلية” بصيغة المفرد كافيًا، بل بات أدق أن نتحدث عن مدخلية سعودية ومدخلية إماراتية، تشتركان في الأصول الفكرية الكبرى، لكنهما تختلفان في وجهة الولاء، وخرائط التحالف، وطبيعة الخصوم، وميادين الاشتباك.
من رحم السعودية إلى فضاء التوظيف السياسي
نشأت المدخلية في السعودية في مناخ سياسي استثنائي، تزامن مع حرب الخليج الثانية، وما رافقها من توترات داخلية وخلافات حادة بين السلطة وجزء معتبر من العلماء والدعاة الذين رأوا في الاستعانة بالقوات الأجنبية مساسًا بالسيادة، وخطرًا على هوية البلاد الدينية.
في ذلك السياق، برز خطاب يتسم بحدة غير معهودة في تجريح المخالفين، والتشكيك في نياتهم، وربط أي اعتراض أو نقد علني ببوابة “الفتنة” و”التحزب” و”الخروج”، وسرعان ما وجد هذا الخطاب طريقه إلى دوائر القرار، بوصفه أداة مناسبة لضبط المجال الديني وتحييد الأصوات غير المنسجمة مع الخط الرسمي.
لم يكن هذا التحول فجائيًا، بل تراكم عبر سنوات من التقاطع بين خطاب يرفع شعار “السنة” و”السلف”، وسلطة تبحث عن غطاء ديني يبرر سياساتها، ويمنحها شرعية أخلاقية أمام جمهور متديّن بطبعه.
ومع الوقت، لم تعد المدخلية مجرد تيار فكري، بل وظيفة دينية داخل منظومة أوسع من التحكم في المجال العام، تتوسّع أو تنكمش بحسب الحاجة السياسية، وتُستدعى كلما دعت الضرورة إلى تفكيك خصوم السلطة من الداخل.
حين تغيّر المركز تغيّر الخطاب
ظلّ هذا التيار لسنوات طويلة مرتبطًا بالسعودية، لا فقط من حيث الجغرافيا، بل من حيث المرجعية الرمزية والسياسية.
فالسعودية لم تكن في نظر أتباعه مجرد دولة، بل موطن النشأة، ومصدر الرعاية، وإطار الشرعية الذي نبت التيار في كنفه، وتشكّل خطابه في فضائه.
غير أن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة بعد 2011، وصعود الدور الإقليمي للإمارات، ولاحقًا تمدّد نفوذها العسكري والأمني في اليمن وليبيا، أوجد واقعًا جديدًا:
واقعًا سمح بظهور نسخة مدخلية جديدة، تحتفظ بنفس البنية الخطابية، لكنها تغيّر وجهتها السياسية.
لم تعد الطاعة في هذه النسخة مرتبطة بالسلطة السعودية، بل تحوّلت إلى ولاء صريح للمشروع الإماراتي، يُبرَّر بنفس المفردات:
الاستقرار، محاربة الفتنة، مواجهة “الإسلام السياسي”، حماية الدولة.
وهكذا، وُلد ما يمكن تسميته بـ مدخلية الإمارات، التي لم تتردّد في الاصطفاف مع أبوظبي حتى حين تعارض ذلك مع سياسات الرياض، أو مسّ بنفوذها في ساحات مشتركة.
اليمن: المرآة التي عكست التشظّي
كانت اليمن الساحة الأوضح التي انكشف فيها هذا الانقسام.
في الجنوب، حيث رسّخت الإمارات نفوذها العسكري والسياسي، برزت شخصيات وتشكيلات تحمل خطابًا مدخليًا واضحًا، لكنها في الوقت ذاته تُعلن ولاءها الكامل لأبوظبي، وتبرّر سياساتها، وتهاجم خصومها، حتى وإن كانوا محسوبين على معسكر تدعمه السعودية.
وأصبح المشهد أكثر وضوحًا خلال أحداث ديسمبر 2025 ويناير 2026، حين ظهرت خطابات متناقضة داخل التيار نفسه:
خطاب يبرّر تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا،
وآخر يلتزم الصمت أو يعبّر عن موقف أقرب للرؤية السعودية.
ولم يعد الخلاف يُدار في الخفاء، بل خرج إلى العلن عبر بيانات، وخطب، ومنصات إعلامية، كشفت أن “الطاعة” لم تعد مبدأ ثابتًا، بل أداة قابلة لإعادة التوجيه بحسب الراعي السياسي.
حين يصبح الدم لغة الولاء
في اليمن، لم يقتصر الأمر على خطاب، بل تجاوز إلى واقع دموي، حيث تورّطت تشكيلات محسوبة على التيار المدخلي في عمليات قتال واعتقالات وانتهاكات، وُثّق بعضها في تقارير حقوقية، وكل ذلك تحت لافتة “حفظ الأمن” و”محاربة الفوضى”.
وفي المقابل، ظهرت مدخلية السعودية في ساحات أخرى، أبرزها ليبيا، حيث انحاز مداخلة ليبيا إلى اللواء خليفة حفتر، وشاركوا في حملات عسكرية وتحريض ديني ضد خصومه، معتبرينهم مصدر فتنة، ومبررين عملياته العسكرية.
كما تكرّر المشهد في العراق، حيث برز خطاب مدخلي متشدد، ترافق مع حوادث اعتداء وتحريض، وصلت حدّ القتل لأئمة مساجد وعلماء في بعض الحالات، ما جعل خاصية جديدة ترتبط بهذا التيار ارتباطًا مباشرًا، وهي: عدم التورع عن القتل وسفك الدماء للمخالفين حماية لمصالح من يتبعه هذا التيار ومن يوجهه.
هاني بن بريك: من “سلفية التعليم” إلى “سياسة الولاء”
يمثّل هاني بن بريك نموذجًا كاشفًا لهذا التحوّل. فقد انتقل من فضاء سلفي تقليدي بعد دراسة في معهد دماج في محافظة صعدة إلى موقع سياسي وأمني في المجلس الانتقالي الجنوبي. ويعد هاني بن بريك أكثر أحد الشخصيات الإجرامية المحسوبة على التيار المدخلي الإماراتي، إذ تفيد التحقيقات والوثائق تورطه في عمليات اغتيال العلماء والأئمة الذين كانوا يعارضون التوغل الإماراتي المطلق في جنوب اليمن، وتم اغتيال أكثر من ٢٠ عالما وإماما ومؤثرا، وظل في المشهد السياسي والأمني والديني ينفذ الأوامر التي يتلقاها من الضباط الإماراتيين المتواجدين في الجنوب، وقد ظهر مرات عديدة في ضيافة رئيس الإمارات محمد بن زايد.
وفيذروةالتصعيدأواخر 2025، صدرت عنه تصريحات حادة تجاه السعودية في سياق ضربات المكلا وحضرموت، في مشهد يعكس لحظة كسر في صورة نمطية: تيار تربّى على أن الطاعة جوهر المنهج، فإذا به يدخل معركة اصطفاف إقليمي بلغة مواجهة سياسية.
إلى جانبه، ظهرت فتاوى من شخصيات مدخلية في الجنوب تُبيح قتال جنود “الشرعية” المدعومة سعوديًا إذا كانوا من الشمال، ما مثّل انتقالًا صريحًا من خطاب “تجريم الفتنة” إلى تسويغ القتل باسم حماية المشروع الذي ينتمي إليه هذا التيار.
خاتمة
حين أنشأت السعودية هذا التيار، واحتضنت خطابه، واستثمرت لغته في مواجهة كل من خالفها أو يمكن أن يخالفها، لم يكن يبدو للوهلة الأولى أن هذا المسار سينتهي إلى ما انتهى إليه اليوم. لم يكن يظهر أنه سيتحوّل من وسيلة لتبرير السياسات إلى وسيلة لإنتاج العنف نفسه، ولا أن خطاب “الطاعة” سيغدو في لحظة ما لغةً لإقصاء المجتمع، ثم تبرير قهره، ثم تسويغ سفك دمه، ثم الإيغال في التقل مباشرة.
غير أن ما جرى في اليمن وليبيا والعراق، وما تكشّف من اصطفافات متناقضة داخل التيار نفسه، أثبت أن التحذيرات التي صدرت عن علماء كُثر منذ بدايات هذا المسار لم تكن انفعالية ولا متعجلة، بل كانت قراءة مبكرة لمسارٍ يحمل في بنيته خطرًا كامنًا. لقد كانوا على مستوى من الوعي والإدراك جعلهم يرون ما وراء اللغة الناعمة: أن خطابًا يُجَرِّم النقد، ويُقدّس القوة، ويُفرغ مفاهيم الشريعة من مقاصدها، لا يمكن إلا أن ينتهي إلى العنف وتجاوز كل الخطوط الحمراء حين تتبدّل الظروف.
لا شك أن السعودية، وهي التي مهّدت الطريق أمام هذا التيار، ودفعت له، ومكّنته من الاستفراد بالخطاب الشرعي داخلها، بعد أن سجنت وشرّدت وأقصت كل من خالف مزاجها السياسي أو الفكري، تجد نفسها اليوم أمام مشهدٍ لم تحسب حسابه: نموذجٌ إماراتي يستخدم الأدوات نفسها، واللغة ذاتها، ولكنه ليس موجّهًا ضد خصومها، بل مسلّطًا على نفوذها ذاته.
لقد أصبح ما صُنع بالأمس ليكون أداة ضبط، أداةً خارج السيطرة. وما جرى في الجنوب اليمني ليس استثناءً، بل علامة على أن هذا التيار تحوّل إلى سلاحٍ قابل لإعادة التوجيه مع من يدفع أكثر.
ولا تزال الوقائع تكشف مدى التوحّش الذي أنتجه هذا المسار حين تزاوجت الفتوى بالقوة، وتحولت “السنة” إلى شعار اصطفاف، وصارت الطاعة تعريفًا سياسيًا لا مبدأً شرعيًا. وحين يبلغ الخطاب هذه المرحلة، لا يعود السؤال: من أخطأ في التقدير؟ بل: كيف يمكن إعادة الاعتبار للخطاب الشرعي بوصفه ميزانًا أخلاقيًا، لا أداة فجور وتسلط ضد الخصوم؟




