كتاباتكتابات مختارة

تركي الحمد يكذب على المسيح

بقلم عبد الواحد الأنصاري

تركي الحمد

كأن الباحث السياسي الدكتور تركي الحمد تحول فجأة من تخصص السياسة، وخرج إلينا في معطف ماركسي، وأخذ يلقي علينا دروساً جديدة استخلصها من انتقاله إلى المزج بين تخصص اللاهوت والمستحضرات الدوائية، وكأنما لم يكفه قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون).

بل إنه كأنه لم يكفه قول الله تعالى قبيل تحريم الخمر: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما).

كل ذلك ربما لم يكف الدكتور تركي الحمد، فلجأ إلى الإنجيل! لكي يمرر لنا (بحذلقة) مقولة ماركسية هي (الدين أفيون الشعوب).

فقال ما نصه على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر):

(قليل من الدين يوقظ الروح وينعشها،كما قال المسيح عن الخمر في العشاء الاخير،وجرعات عالية منه تصيب بالدوار..كما هو حالنا اليوم..ونحن من يختار).

ولكي أؤكد للقارئ الكريم أن هذه العبارة ذات أرضية ماركسية إلحادية، فما عليّ لكي أقرّب إليه الصورة إلا أن أترجم له هذه العبارة، وأقول: (قليل من الدين قد يصلح علاجاً، مثل الأفيون، وجرعات عالية منه تدمر خلايا الدماغ)!

بل إننا قد نستخدم بدلاً من الأفيون شيئاً آخر (حرّيفاً)، وهو الكوكائين، فنقول: (احذر يا رجل الدين أن تخطئ في الدين كما أخطأ سيغموند فرويد في الكوكائين، فقد كان يعالج به مرضاه، غير أنه أخطأ ذات مرة وقتل به أحدهم إثر جرعة زائدة).

ومع كل ما سبق، فإن هذا ليس بموضوع المقالة، وإنما هو كلام في أطراف الموضوع، ونأتي الآن إلى العمق:

يقول الباحث السياسي الدكتور تركي الحمد:

(قليل من الدين يوقظ الروح وينعشها،كما قال المسيح عن الخمر في العشاء الاخير،وجرعات عالية منه تصيب بالدوار..كما هو حالنا اليوم..ونحن من يختار).

وأنا أقول بكل يسر:

هذا خلط، وغلط، وتحريف.

فلا يوجد ذكر للخمر أصلاً في العشاء الأخير، وإن المسيح لم ينطق بهذه الجملة في الإنجيل، لا في العشاء الأخير ولا في غيره.

وقد يتساءل القارئ:

فمن أين أخطأ الباحث السياسي الدكتور تركي الحمد إذن؟

الجواب المتبادر إلى الذهن: أنه ربما حفظ هذه الجملة من أحد الأفلام، أو من إحدى الخطب الأحدية التي ربما حضرها، بمعنى، أن الباحث السياسي الدكتور (سمع كذبة رجل دين وصدقها، وربما: كذبة ممثل في فيلم يمثل أنه رجل دين وصدقها)! بعبارة أخرى: إنه ربما (أصيب بالدوار).

وإذا كان القارئ لا يرضى بهذا الخيار للإجابة عن تساؤله، وقد أكون أنا كذلك، فإن ثمة إجابة أخرى قد تكون أشد إقناعاً، لكنها مع الأسف أشد إحراجاً من (قصة الفيلم، أو قصة استماع الدكتور إلى خطبة الكنيسة)! وهي حتماً ليست بعيدةً عن (الإصابة بالدوار)! وربما كان من أسبابها تدخل المتخصص في العلوم السياسية في علوم اللاهوت والمستحضرات الدوائية!

الخيار الآخر هو أن الباحث الدكتور (سيئ التلقي، أو سيئ الذاكرة، أو لا يعي ما يسمعه، وهذه صفات صالحة لشخص مصاب بالدوار دون شك).

فهذا النص الذي يشير إليه الباحث السياسي الدكتور تركي الحمد لا وجود له في الكلام المنسوب إلى المسيح في الإنجيل، وإنما (جزء منه شبيه بجزء من كلام بولس، في رسالته إلى تيموثاوس)، والدكتور لم ينقل الرسالة كما هي، بل حرّفها أيضاً! تحت تأثير الدوار!

وبيان ذلك أن ما هو موجود في رسالة بولس هذا نصه:

(5 :23 لا تكن في ما بعد شَرّاب ماء، بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة).

فإذا كان هذا كلام بولس، فكيف أصبح كلام بولس كلام المسيح فجأة، وفي العشاء الأخير! مع أن بولس لم يسبق له أن لقي المسيح قبل رفعه أصلاً، وإنما ادعى أنه رأى نوراً، وأن المسيح هو الذي لقّنه بعض ما يقول، وليس كل ما يقوله، وإذا كان هذا هو كلام بولس، فلماذا يحرفه الباحث السياسي الدكتور تركي الحمد ويقوّل المسيح ما لم يقله، ولا في الكتب المحرّفة؟!

الموجود في العهد الجديد من كلام بولس إلى تيموثاوس: (استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة).

وهو كلام منسوب إلى بولس، وليس إلى المسيح، ولا عشاء أخير (ولا هم يحزنون)!

فلماذا يحرف الباحث السياسي الدكتور عبارة (من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة)، لتصبح: (يوقظ الروح وينعشها)! ثم يضيف إليها وصفاً ناعماً وهو أن (الجرعات العالية من الخمر)، أي الكثير (يصيب بالدوار)! يصيب بالدوار فقط يا أيها الدكتور الباحث السياسي؟!

نحن هنا أيها السادة القراء أمام باحث يحرف لنا تحريف الإنجيل المحرفّ!

إن بولس يقول في رسالته إلى أهل أفسس في الإصحاح الخامس، ما نصه:

(17من أجل ذلك لا تكونوا أغبياء بل فاهمين ما هي مشيئة الرب.

18ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة، بل امتلئوا بالروح).

أما بولس نفسه، فإنه لم ينسب جميع كلامه إلى المسيح، ولا إلى الرب، بل إنه أحياناً يتنصل من ذلك، وينسب الكلام إلى نفسه، كما جاء في رسالته إلى كورنثيوس؛ فهو أحياناً ينسب الكلام إلى الرب، وأحيانا ينسب الكلام إلى نفسه.

يقول في رسالته إلى كورنثيوس، الإصحاح السابع:

(10 وأما المتزوجون، فأوصيهم، لا أنا بل الرب: أن لا تفارق المرأة رجلها.

11 وإن فارقته، فلتلبث غير متزوجة، أو لتصالح رجلها. ولا يترك الرجل امرأته.

12 وأما الباقون، فأقول لهم أنا، لا الرب: إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة، وهي ترتضي أن تسكن معه، فلا يتركها).

فهو يقول مرة: (فأوصيهم، لا أنا بل الرب)، ويقول مرة: (فأقول لهم أنا، لا الرب).

وأما الباحث السياسي الدكتور تركي الحمد، فإنه يريد أن يخاطبنا بمقولة ماركسية، فيتحذلق في المعطف الماركسي، ثم يخلط لنا كلام ماركس بكلام بولس، ثم يحرف كلام بولس، ثم ينسبه إلى المسيح، وتحديداً على مائدة العشاء الأخير! وأثناء ذلك يحذرنا من الوقوع في (الدوار) الذي هو أقرب إلى الاتصاف بالوقوع فيه! وكيف لا يكون واقعاً في (الدوار) من يُخيّل إليه أن عبارة (من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة) مرادفة لعبارة (من أجل إيقاظ روحك وإنعاشها)!

هذا مع أنه كان يغنيه عن كل هذا العناء أن يقرأ بضع آيات من سور البقرة والنساء والمائدة… والحمد لله الذي عافانا، ونسأل الله القصد في القول والعمل، واللهمّ حسنَ الخاتمة.

(المصدر: موقع المثقف الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق