كتاباتكتابات مختارة

امحمد جبرون وعلم أصول الفقه .. تجديد أم تبديد؟ | الحلقة (2) موقف جبرون من علم أصول الفقه ومؤسسه الشافعي | د. محمد عوام

امحمد جبرون وعلم أصول الفقه .. تجديد أم تبديد؟ | الحلقة (2) موقف جبرون من علم أصول الفقه ومؤسسه الشافعي | د. محمد عوام

وجه الأستاذ امحمد جبرون نقده الشديد إلى علم أصول الفقه، ومؤسسه الأول الإمام الشافعي رحمه الله، صاحب كتاب (الرسالة) الشهيرة، ونحن مبدئيا لسنا ضد نقد الأصوليين، ولا حتى نقد الإمام الشافعي، وإنما الذي نرغب فيه، أن يكون النقد علميا مفيدا ومنهجيا بناء، ولا يكون كذلك إلا بعد فهم البناء المنهجي الذي بناه الإمام الشافعي، والذين جاؤوا من بعده، مع الإحاطة بالظروف التاريخية التي كانت من وراء انبثاق هذا المنهج الأصولي. وإلا سيصدق على الناقد قول الإمام الغزالي: “رد المذهب قبل فهمه والإطلاع على كنهه رمي في عماية.”[1] وهذا لا يليق بباحث جاد وأصيل أن يقع فيه.

        في هذا السياق نعرض موقف جبرون من علم أصول الفقه ومن مؤسسه، بنقل كلامه كما هو:

        يقول الأستاذ جبرون: “إن السعي لفهم النص الشرعي، وفي مقدمه النص القرآني، مازال خاضعا في عمومه لـ”براديغم” الإمام الشافعي، والتحسينات التي لحقته مع الأصوليين الآخرين الذين جاءوا بعده. وعلى الرغم من مرور أكثر من اثني عشر قرنا على “اختراع” الشافعي، لم ينجح المسلمون في ابتكار منهج في الفهم يؤسس لعقل فقهي جديد، يخلصهم من العيوب التي ظهرت على “أصول الشافعي” بفعل التطور التاريخي الذي عرفه واقع المسلمين والعالمين من حولهم، وهو ما يؤدي ثمنه الاجتماع الإسلامي الذي بات يعاني التعارضات بين التدين والواقع بصورة أشد من أي وقت مضى، وظهور التدين بمظهر المقاوم الشرس للتقدم والتطور…

        عندما نتحدث عن أزمة فهم، فإننا نعني بالدرجة الأولى قصور الآليات المستعملة في استخراج الدلالة وبنائها عن إنتاج دلالة تسعف في تجديد التدين لدى المسلمين المعاصرين، وإدماجهم في اللحظة التاريخية التي يحيون فيها”[2]

        ويعتبر جبرون أن “أصول الفقه قد نجحت إلى حد كبير في تسوية عدد من المشكلات والتوترات بين النص بشكل عام، وبصفة خاصة القرآن والظرف التاريخي.”[3] ولكن مع ذلك عند الكاتب “لم تكن تسويات مطلقة وإلى الأبد،…والحاجة ماسة إلى مراجعتها.”[4]

        ويبني جبرون على هذه “التسويات” غير المرضية عنده، والتي حاكها الأصوليون، بناء على المنهج التاريخي الذي ما فتيء به يحلل ويعلل،  نتيجة وهي “أن التاريخ يحث على التجاوز والتغير، ويبطل المناسبات، بينما يسعى الفقه للثبات والاستقرار.”[5]

ولست أدري على أي أساس بنى هذه النتيجة وقرر، فإذا كان التاريخ يتغير ويتبدل بفعل حركية الإنسان العامل في التاريخ، وأن التجاوز والتغير رهين التطور والوعي الاجتماعي، فإنه لا جرم أن الفقه منذ وجوده، وعلى رأسه فقه الصحابة رضي الله عنهم، في تجدد وتطور، حتى فقه الإمام الشافعي، الذي يذهب جبرون إلى أن أصوله قد ساهمت في تدهور الفقه، فإن علماء الفقه والأصول يذكرون أن له مذهبين، مذهب قديم بالعراق، ومذهب جديد بمصر، ومعنى هذا أن الإمام الشافعي جدد النظر في كثير من القضايا الفقهية والأصولية التي سبق أن قال بها. وقد قرر الفقهاء بناء على ذلك قاعدة أن الفتوى تتغير بتغير المكان والزمان والأحوال، ولم يقرروا هذه القاعدة هكذا جزافا، إلا بعدما لاحظوا سريان العمل بها جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، إلى يومنا هذا.

        فالمفاضلة بين التاريخ هنا والفقه ليست من جيد القول، ولا هي صادرة عن نظر حصيف، أولا لاختلاف مجال التاريخ عن مجال الفقه، وإن كان أحيانا قد يقع التداخل بينهما، وخاصة في القضايا ذات الطابع السياسي، فقد تكون للفقيه نظرته الخاصة المبنية على الأدلة، وهذا لا يعني أن ما يقوله قد يكون مصيبا مائة بالمائة، ولكن ننظر في اجتهاده وبحسب ظروفه الواقعية التي تحتم منحى اجتهادي معين، وقد تكون للمؤرخ تحليلاته واعتباراته، والفعل التاريخي الذي هو محل النظر والتتبع مشترك بينهما.

        وفي هذا السياق ينبغي على أستاذ التاريخ جبرون أن يفرق بين التاريخ من حيث كونه روايات وأحداث لما مضى، وبين دراسة هذه الروايات تحليلا وتعليلا واستخلاصا للقوانين الاجتماعية الكامنة فيها، وهذا ما قرره العلامة ابن خلدون رحمه الله بقوله: “أمّا بعد فإنّ فنّ التّاريخ من الفنون الّتي تتداوله الأمم والأجيال وتشدّ إليه الرّكائب والرّحال، وتسمو إلى معرفته السّوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهّال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيّام والدّول، والسّوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال، وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تقلّبت بها الأحوال، واتّسع للدّول فيها النّطاق والمجال، وعمّروا الأرض حتّى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزّوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق.”[6]

        وهنا ينبغي التفريق بين ما يمكن أن يعتري الفقه من أعراض غير صحية، كالتعصب المذهبي والتوظيف السياسي، والميل مع الهوى والنزعة الذاتية، وهي بالمناسبة أعراض بشرية قد تصيب بعض المؤرخين أنفسهم من التشيع لنحلة أو الانخراط في نصرة حاكم ظالم وهلم جرا.

        لكن لا يعني هذا أن علم أصول الفقه هو السبب في تدهور الفقه، إذ قد تكون القاعدة سليمة في نفسها، لا اعتراض عليها، لكن قد يساء تطبيقها، وكيفية تنزيلها، وهذا ليس خاصا بأصول الفقه والفقه، وإنما لا تخلو منه كافة العلوم بما فيها العلوم التطبيقية. وهذه القضية تحتاج إلى دراسة وتحليل للعلاقة الجامعة بين القواعد من جهة تصورها نظريا، وتنزيلها وتفعيلها تطبيقيا.

لماذا الشافعي بالذات لا غيره؟

        لطالما تساءلت عن سبب التصدي للشافعي المدون أو المؤسس الأول لعلم أصول الفقه، وانتقاده بشدة وحدة، ليس من جبرون فحسب وإنما سبقه إلى ذلك نصر أبو زيد ومحمد شحرور، وغيرهما، وما الهدف من محاولة نقض بنائه الأصولي؟

         والذي يرجع إلى دراسة واقع الشافعي الذي هو القرن الثاني الهجري، يجد أنه ظهرت فيه فرق كلامية وعلى رأسها المعتزلة، وآراء فقهية مختلفة إلى حد الاضطراب والخلاف الشديد بين أهل الحديث وأهل الرأي، حتى عبر عن ذلك الإمام أحمد بن حنبل، وهو أحد المعاصرين للشافعي، إن لم يكن أحد تلاميذته، بقوله: “كنا نلعن أهل الرأي ويلعنوننا حتى جاء الشافعي فمزج بيننا.”[7]

        ولم يكن للفقهاء ولا غيرهم يومئذ مرجع أو قانون مدون يحتكمون إليه عند الاختلاف، وإن كانوا عمليا يبنون أحكامهم على الأدلة والضوابط، فكانت بذلك مناهج الاستنباط معلومة ومرسومة في أذهانهم، كامنة في فقههم[8] حتى جاء الشافعي رحمه الله فوضع أصول الفقه التي كانت تسمى أيضا أصول العلم، ليضع حدا لتلك الفوضى التي بدأت تسري وتنتشر، وتشيع وتذيع،[9] وقد صور الإمام فخر الدين الرازي هذه الحقبة قبل تدوين الشافعي لـرسالته بقوله: “الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه، ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة أدلة الشرع.”[10]

        وقال الإمام بدر الدين الزركشي: “وَقَدْ أَشَارَ الْمُصْطَفَى – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي جَوَامِعِ كَلِمِهِ إلَيْهِ، (أي علم أصول الفقه) وَنَبَّهَ أَرْبَابُ اللِّسَانِ عَلَيْهِ، فَصَدَرَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْهُ جُمْلَةٌ سَنِيَّةٌ، وَرُمُوزٌ خَفِيَّةٌ، حَتَّى جَاءَ الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فَاهْتَدَى بِمَنَارِهِ، وَمَشَى إلَى ضَوْءِ نَارِهِ، فَشَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الِاجْتِهَادِ، وَجَاهَدَ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْغَرَضِ السَّنِيِّ حَقَّ الْجِهَادِ، وَأَظْهَرَ دَفَائِنَهُ وَكُنُوزَهُ وَأَوْضَحَ إشَارَاتِهِ وَرُمُوزَهُ، وَأَبْرَزَ مُخَبَّآتِهِ وَكَانَتْ مَسْتُورَةً، وَأَبْرَزَهَا فِي أَكْمَلِ مَعْنًى وَأَجْمَلِ صُورَةً، حَتَّى نَوَّرَ بِعِلْمِ الْأُصُولِ دُجَى الْآفَاقِ، وَأَعَادَ سُوقَهُ بَعْدَ الْكَسَادِ إلَى نَفَاقٍ. وَجَاءَ مَنْ بَعْدَهُ، فَبَيَّنُوا وَأَوْضَحُوا وَبَسَطُوا وَشَرَحُوا،…”[11]

        وبهذا يظهر أن الشافعي بوضعه لعلم أصول الفقه تقعيدا واستدلالا قد أسس مرجعية أصولية للتحاكم إليها، وبناء الفقه والاستنباط عليها، وفي الوقت ذاته ألجم الدخلاء والمتطفلين والخائضين في الفقه وغيره عن الكلام بغير علم وبينة، وقرب الشقة بين الفقهاء خاصة، وبينهم وبين المحدثين وغيرهم عامة. والحق أن الشافعي لم يؤسس منهجا للاستنباط خاصا بالفقه، وإنما أسس منهجا للتفكير العلمي، الذي تجاوز مجال الفقه إلى غيره فكان اتجاهه الجديد في الفقه –كما قال مصطفى عبد الرازق- “هو اتجاه العقل العلمي الذي لا يكاد يعنى بالجزئيات والفروع…بل يعنى بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول تجمعها، وذلك هو النظر الفلسفي.”[12]

        هذا غيض من فيض وإلا من أراد التوسع في بيان الدواعي التي كانت سببا في تدوين علم أصول الفقه، فليرجع إلى البحث الفذ والمتميز الذي أمتع به أخونا الدكتور عبد السلام بلاجي المكتبة الموسوم بـ(تطور علم أصول الفقه وتجدده)، فقد أفاض في ذكر أسباب تدوين علم أصول الفقه، وكيف نما وترعرع.

        ثم الذين جاؤوا بعد الشافعي لم تكن لهم في علم أصول الفقه “تحسينات” كما زعم جبرون، وإنما بنوا على رسالة الشافعي التي كانت لها القيادة والريادة، ثم تجاوزوها كثيرا، تفصيلا وشرحا وتحريرا لكثير من المباحث، وإضافات نوعية وتجديدية، وقد حصل ذلك مع الإمامين الكبيرين القاضيين، قاضي المعتزلة عبد الجبار الهمداني (ت 415ه)، وقاضي السنة أبو بكر الطيب الباقلاني (ت 403ه)، وقد امتزج معهما أصول الفقه بعلم الكلام، امتزاجا كبيرا، فاتخذ بذلك مسلكا فريدا، وطرازا عجيبا، على خلاف ما كان عليه الشافعي، والذين اعتنوا برسالته شرحا وبيانا، وحررت معهما كثير من المصطلحات الأصولية، لأجل ذلك بين الزركشي في محيطه أثر القاضيين في أصول الفقه بعبارة قوية حين قال: “حَتَّى جَاءَ الْقَاضِيَانِ: قَاضِي السُّنَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَقَاضِي الْمُعْتَزِلَةِ عَبْدُ الْجَبَّارِ، فَوَسَّعَا الْعِبَارَاتِ، وَفَكَّا الْإِشَارَاتِ، وَبَيَّنَا الْإِجْمَالَ، وَرَفَعَا الْإِشْكَالَ.”[13]

        والمقام لا يسمح بالإفاضة في بيان تطور علم أصول الفقه، وما طرأ عليه من تجديد كما وكيفا، سواء على طريقة المتكلمين التي تنسب إلى الشافعية، وقد غلب عليها التجريد وقلة التمثيل، أو طريقة الفقهاء الأحناف الذين انتزعوا القواعد من الفروع، تدحض زعم جبرون السابق، ولو كانت الإضافات تحسينية كما ادعى، لما اختفى كتاب (الرسالة) من كونه أحد أعمدة علم أصول الفقه كما قرر ابن خلدون في مقدمته.[14]

عود على بدء

        من هنا ندرك سر الحرب الهوجاء التي اشتدت واحتدّت، مع انعدام العلمية وفقدان التفكير المنهجي، على الإمام الشافعي، لا لشيء إلا لكونه ألجم الدخلاء عن علم الفقه، فأصبحوا منذ كتابته (الرسالة) الأصولية، مكبلين بمنهجية صارمة في التعامل مع النص الشرعي، فأحاطت بهم أغلال القواعد من كل جانب، فوضع بذلك حدا قاطعا للفوضى والدعوة إلى “الحرية” المزيفة التي تأتي بما يناقض النصوص الشرعية.

        والمتأمل في كلام جبرون يلقاه دعوة مبطنة لتحرير الفقه من أصوله، وهي بمعنى آخر تخليصه من كل الضوابط والقواعد المنهجية الضابطة له، والزج به في عالم الفوضى “الفكرية الخلاقة” والانحلال من ربقة التقعيد، فيفقد بذلك هويته ومرجعيته، وهذا بلا ريب تبديد يعود على الشريعة بالنقض والإبطال لقواعدها الضابطة لعملية الاستنباط. من غير أن يدرك أن الفقه مرتبط بأصوله لا ينفك عنه البتة، وفي ذلك يقول الإمام شهاب الدين الزنجاني (656ه): “لا يخفى عليك أن الفروع إنما تبنى على الأصول، وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط، ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها التي هي أصول الفقه، لا يتسع له المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال، فإن المسائل الفرعية على اتساعها، وبعد غايتها، لها أصول معلومة، وأوضاع منظومة، ومن لم يعرف أصولها لم يحط بها علما.”[15]

        ثم إن جبرون، حين ينقض المنهج الأصولي الذي حسب زعمه، كان السبب في تدهور الفقه، مما يقتضي على حد تعبيره “الانفصال عن “نموذج” أصول الشافعي، وبناء علم أصول جديد، يحرر المبادرة التشريعية للعقل الفقهي الإسلامي” فإنه لا جرم يقترح علينا فقها جديدا “من التشريع أكثر مرونة وقدرة على استيعاب الحياة الجديدة للمسلمين وتجاوز الاختلالات الموروثة “، من غير أن يبين خصائصه ولا ضوابطه وقواعده، كأنه فقه جديد مرسل مبني على الهوى والتشهي. وهذا ما عبر عنه محمد شحرور بعبارات صريحة واضحة بقوله: “أننا نزعنا عن عيوننا نظارة الشافعي-رضي الله عنه- وسمحنا لأنفسنا بأن ننظر إلى التنزيل الحكيم بعيون معاصرة، لا بعيون مستعارة، دون مساعدة أحد أو تأطير مسبق من أحد”[16]

        والذي يظهر أن جبرون لا يملك القدرة العلمية، وأنى له ذلك، لبناء أصول فقه جديدة، وإلا كان عليه أثناء نقضه لأصول الشافعي أن يبين في الوقت نفسه “أصوله الجديدة”، وإنما هو ادعاء، المقصود منه التنصل من القواعد والتعامل مع النصوص الشرعية مباشرة بكل “حرية” مطلقة، على النمط الذي دعا إليه عبد المجيد الشرفي ومحمد أركون، ومحمد شحرور، فهم كانوا أشجع من جبرون حينما بينوا منحاهم الأيديولوجي في التعامل مع النص الشرعي (القرآن الكريم). ومضطر هنا لأنقل كلامهم، حتى أبين من خلالهم الدعوة المبطنة والمسكوت عنها في كلام جبرون.

        يقول عبد المجيد الشرفي: “فالرأي الشخصي والاجتهاد الحر هما اللذان كانا موجودين في الفترة التي تلت عصر النبوة، مباشرة وامتدت طيلة القرن الأول كله على الأقل، ولا شيء غيرها البتة، لا العودة إلى النص القرآني في كل حادثة، ولا الاستنجاد بأفعال النبي وأقواله في كل صغيرة وكبيرة، ولا اعتماد قياس الحاضر على الماضي، أو قياس فرع على أصل. ولا شك أن هذا هو السبب الأصلي والرئيسي في الخاصية التي بقي الفقه يتميز بها حتى بعد تدوينه واستقراره، وهي أنه مجموعة متراكمة من الحالات صنفت فيما بعد ضمن أبواب وفصول، ولكنه يعسر-بل يستحيل- ردها إلى مبادئ عامة تستوعبها وتفسر جزئياتها وتفاصيلها، كما هو الأمر في المدونات القانونية. فلا أثر في الإنتاج الفقهي، على غزارته، لشرح الأسباب أو تفسير الغايات.”[17]

        ويقول أركون: “إن القراءة (قراءة النص الديني) التي أحلم بها هي قراءة حرة إلى درجة التشرد والتسكع في كل الاتجاهات، إنها قراءة تجد فيها كل ذات بشرية نفسها.”[18]

        ويقول محمد شحرور: “هذه الاختزالات عكسها محمد بن ادريس الشافعي في كتابه (الرسالة)، الذي حدد فيه أصول الفقه الإسلام، وما زالت هذه الأصول هي المعتمدة عندنا. وإلغاء هذه الاختزالات يجعل أصول الفقه التي وضعها الشافعي بحاجة إلى إعادة نظر.

        ولكن ما دامت هذه الأصول قائمة، فستبقى أطروحة “باب الاجتهاد المفتوح” شعاراً وهمياً، يطلق على المنابر للتسويق والدعاية الجماهيرية، دون أي مجال تطبيقي.”[19]

        فالأستاذ جبرون يلتقي قطعا مع هذه الأطروحات العلمانية اللامنهجية، في نقض أصول الشافعي، بل علم أصول الفقه برمته، فهل استطاع “ابتكار منهج في الفهم يؤسس لعقل فقهي جديد” يخلص المسلمين “من العيوب التي ظهرت على “أصول الشافعي” كما زعم؟ فالعرب بالباب كما يقال؟

        ثم نسأل الأستاذ جبرون هل ما أباح به في حق أصول الفقه يعتبر مبدءا إجرائيا عاما يمكن تفعيله في كافة العلوم النسقية التي مرجعيتها إلى الضبط والتقعيد، مثل علوم الحديث واللغة وغيرهما؟ بمعنى هل يمكن التخلص من قواعد اللغة مثلا، مع العلم أن علم اللغة به مدارس، مدرسة البصرة، ومدرسة الكوفة، ودخلته أيضا الصنعة الكلامية؟. ثم قواعد تصحيح الحديث التي بلغ فيها المحدثون شأوا بعيدا؟ وهلم جرا. فلماذا أصول الفقه وحده؟

        وأنا لست منكرا على من يريد أن يأتينا بـ”أصول جديدة”، غير هذه التي ألِفها الناس، وصارت عندهم معلومة، وقواعدها معروفة ومرسومة، وإنما ننكر على من يطلق أحكاما كبيرة وعريضة فضفاضة ورجراجة، بلا فهم، ثم يقف عندها مشدوها ينظر إليها شزرا، فيصدق عليه قول الشاعر أحمد شوقي رحمه الله:

لا تحذ حذو عصابة مفتونة    يجدون كل قديم شيء منكرا

     ولو استطاعوا في المجامع أنكروا     من مات من آبائهم أو عمرا

من كل ماض في القديم وهدمه    وإذا تقدم للبناية قصرا

وأتى الحضارة بالصناعة رثة        والعلم نزرا والبيان مثرثرا

ثم من أراد نقض أصول الشافعي فلينقضها إن استطاع ذلك في بنائها المنهجي ونسقها العام والوظيفي، أما أن يقفز من جزئية إلى أخرى دون جدوى، فهذا لعمري لدليل على انعدام الرؤية العلمية وفقدان التصور المنهجي في نقد الشافعي وأصوله، وليس هذا ديدن الباحث الجاد، وإنما هو منحى أصحاب الأيديولوجيات الواهيات.

 


[1] المنقذ من الضلال 126.

[2] من هدي القرآن 107،108.

[3] نفس المرجع 105.

[4] نفس المرجع 105،106.

[5] نفس المرجع 106.

[6] مقدمة ابن خلدون 1/

[7] ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض بن موسى السبتي. منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، 3/181.

[8] انظر تطور علم أصول الفقه وتجدده للدكتور عبد السلام بلاجي 21.

[9] قد لاحظ هذا الاضطراب في التشريع والاختلالات قبل الشافعي الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور المتوفي سنة 158ه، انظر المرجع السابق بلاجي 39، ورسالة عبد الله ابن المقفع  لأبي جعفر المنصور التي توضح أن الحاجة كانت ماسة لظهور علم أصول الفقه رسالة الصحابة 316، 317 نقلا عن بلاجي.

[10]  مناقب الشافعي 56،57.

[11] البحر المحيط في أصول الفقه 1/4،5.

[12] مصطفى، عبد الرازق. تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، د.ت.، ص230.

[13] البحر المحيط في أصول الفقه 1/5.

[14] انظر المقدمة ،وقد حصرها في أربعة مصنفات وهي: العهد للقاضي عبد الجبار، والمعتمد لتلميذه أبي الحسين البصري، والبرهان للجويني، والمستصفى للغزالي.

[15] تخريج الفروع على الأصول 44.

[16] الإسلام والإيمان منظومة القيم

[17] الإسلام بين الرسالة والتاريخ 141.

[18] الفكر الأصولي واستحالة التأصيل76.

[19] موقع شحرور. وأفاض شحرور على عادته في إطلاق الاتهامات دون بينة ولا منهج.

(المصدر: مركز المقاصد للدراسات والبحوث)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق