كتاباتكتابات مختارة

الهند.. سياسة البقرة بين القداسة والنجاسة

بقلم صبغة الله الهدوي – مدونات الجزيرة
إنه غريب جدا، أن تبدو جمهورية الهند التي تفتخر بدستورها الشامل ومجدها التليد في منصة المجرمين والمتهمين، وتشير إلى بشاعة سياسة حكامها الحوادث القريبة المخجلة، من قتل وإرهاب وإبادة وغصب وانتهاك تحت عنوان قداسة البقرة ورفض تناول لحومها وإقامتها في كرسي الآلهة، ولكن هذا القرار الذي لا يجدي بشيء أصبح سهما مسموما نحو الأقليات من المسلمين وغيرهم من الطبقات السُفلة المشردة.

وقد جرت سلسلات من القتل والتدمير من قبل متطرفي الهنادكة، ومن أفضح أحداثها أنهم قتلوا ولدا مسلما لم يناهز إلا ستة عشرة من عمره بشكل خطر فادح، مع أنه كان يغادر إلى وطنه بعيديته التي أعطته أمه الرحيمة، وتلاشت ويلاتها وتنهداتها في صرخات التصنع والرياء، ولم تسمع الآذان الصماء ولم تفتح العيون العمهة، وقد أثارت هذه الحادثة سيلا من الاحتجاجات والغضب مما دعت الحكومة إلى تلبية الأقليات واستجابة طلباتهم، ولكن الحكومة تتغاضى عن هذا الخطر المرعب، ولم تتخذ أي إجراءات نحو هذه الحالة الهائلة.

أما البقرة وسائر أنواعها من الأنعام كانت من أهم مأكولات الهنديين منذ أزمان، ولم يتعرضوا لشيء من الكره والضجارة في أكل أضحيتها، ولكن بعدما اعتلت الحكومة التي تتمايل إلى الكيان الهندوسي والتي تبث دائما رسالة العنف والكراهية لعبت دورا رياديا في تحريك هذه الحركات الهدامة، ومنذ أن رأى المسلمون هذه الواقعات الأليمة المرعبة زادت نبضات خوفهم وأحسوا باليأس والاضطراب من هذه الحكومة الشرسة، وقد أطلقت الحكومة عديدا من الحملات باسم قداسة البقرة ودعوا إلى تنزيهها وتقديسها من كل الأوضار، حتى أقبل بعض متطرفي الهنادكة إلى شرب أبوالها واستخدام سرجينها ترياقا رغم نتانته ونجاسته بل أجبروا عليها سائر الهنود والمواطنين.

وفي الحقيقة إن الهند منذ الاستقلال لم تتورط في مثل هذه الدعايات الكاذبة إلا بعد اعتلاء الحزب الهندوسي الوطني عرش الهند، ولعل أشد بواعثها بأنهم سجلوا تصويتهم وبرروا قضاياهم على متن مستوى الهند باسم حماة البقرة وديانة الهنادكة، وأججوا نار الحماسة الدينية وأضرموا لظاها في كل قرية وقرية، خاصة في شوارع شمال الهند، ولأن شمالها يتحمل أكثر عددية المسلمين، ولأن الأمة الإسلامية في تلك الشوارع والمدن تتمثل عبأ الاختلاف والتشتت القومي، ويستطير في مثلهم شرر العصبية والحمية الغبية، ومن الجديرة بالقراءة أن صفحات هذا الحزب الهندوسي تمركز في جميع مدن الهند حتى عجزت في ولايات جنوب الهند قوة وسيطرة، وأفاضوا من النقود والفلوس وغيرها من التمكينات والمغريات لترويج خواطرهم وتعميمها في شمالي الهند وجنوبها.

وقد حصدوا الآن ما زرعوا وبذروا وذاقوا طعم القوة والحكومة في شتى الولايات لكن جنوب الهند تحدى شراستهم وفاشيتهم، فغمره الكبر والعنف نحو الأقليات والمسلمين، فبدأوا عدة حركات وحملات باسم الدين والمعتقد، ولكن حصالتها وحصادها لا تهدف إلا إزعاج المسلمين الذين يشكلون نسبة 20 في المائة. وتاريخ العنف ليس هو من حديث العهد ولا هو من أجد الأخبار، بل هو سلسلة من العداء والعناء، حيث طبع المسلمون بختام تأسيس دولة باكستان، وفي كل تدمير وهجمات ترتفع هذه النداءات المضجرة باكستان أو قبرستان.


مسلمو الهند.. تاريخ من الصبر والصمود

إن تاريخ المسلمين في سياسة الهند لتعجب القراء والمراقبين، حيث ألووا راية الحرية والمقاومة الوطنية في ماضيهم وحالهم، وفدوا بنفوسهم ونفائسهم في حماية الوطن من الأعداء وقوات الاحتلال، لكن المكافئة ردت إليهم بعين الحقد والشراسة، واعتبروا من رجال الفوضى والجواسيس رغم سعيهم وصمودهم ضد الموجات العالية على الوطن، ويأسر كل من يتصفح تاريخ الهند من تشريف محمد بن قاسم وجولته في السند إلى عهود مملكة المغول، أيام الرفاهة والخصب والرخاء، وثقافتها كانت ممزوجة بدماء المسلمين، ولم تسع أي مملكة إسلامية من الخلجية والغزنوية والغورية وحتى المغول في تزوير الحضارة الهندية بل زينوها وطرزوها وصمموها بعدة من الأعجوبات والفنون المعمارية، وتلوح مآثر همتهم وبراعتهم في دلهي وممباي وكلكاتا وحيدآباد، مع أن هذه المدن هي التي تمثل الهند في مستوى العالم، ولكنهم تساقطوا من بناء الحضارة والتاريخ إلى حضيض الماكرين والمسيئين.

ولم تتم هذه الحملة الهجمية التي مدت نحو تاريخ الإسلام والمسلمين إلا بدعم وتأييد من المكر والدس والخيانة، فسهر بعض من المؤرخين والكاتبين وحرثوا تاريخها ثم بذروا حبات العصبية والتحزبية، فاختبأت من ألواح الهند تلك التضحية والفداء، ولم تر آثارها لائحة ولم تتوقف محاولاتهم حتى الآن بل تجري هذه الغباوة والبلادة بأم أعين المثقفين والسياسيين.

والمسلم لا يخاف القتل والغصب والانتهاك بل هو يتوجل ويختلج من الصمت الرهيب والبسمة الجوفاء والوعود الكاذبة من حضرة الحكام وفخامة الوزراء، يغضون أبصارهم عن التدمير والإبادة العرقية ويبنون منه هالة العلمانية ولمعة الديمقراطية، وإن استقصينا عن الجذور الراسخة تحت هذه الهجمات والصراعات إنها هو كراهية الإسلام ومهابة المسلمين، مع الأمة الإسلامية تعشق الأمن والسلام ولا تتدخل في أمور الحكام، والحقيقة الوقحة أن الجرائد والقنوات تبذل أقصى جهدهم في تهميش هذه الأخبار وتضربون دفوف الإطراء والثناء على قرارات الحكام، في كل واد عيون الشك والتخمين ويجبر المسلمون لإظهار الوطنية علنا، وإلا انتقلوا إلى جوار ربهم.

فقضية الوطنية الهندية بالنسبة للمسلمين هي قضية الموت والحياة وهي مسألة تتعلق بمعيشتهم وبقائهم، ولو ماتت بقراتهم مرضا لأصبحوا متهمين مجرمين ولو شاهدوا رياضيات باكستان أو أنشدوا نغمات الباكستانيين لصاروا من أخوف الأعداء وفرائس السجون، وهذه لهي الحقيقة وإن سكتت عنها الأخبار والقنوات، وأما مواقع التواصل الاجتماعي لهي المواد والآلات الحادة التي تستخدم لتشويه وجه الإسلام وإساءة كرامة الرسول والقرآن، ويعمل نشطاء مدربون لاقتناص الشريعة وإشاعة الأنباء الزائفة، فلا بون بين مسيحي ويهودي في تقاسم الأرباح.

المسلم في معتقل مفتوح
يخاف كل مسلم أن يسافر إلى أقصى الهند عبر القطار، والقطار هو رمز الأخطار، يتعرضون للسخرية والاحتقار، ولا جدوى للشكاية والاعتذار، والمسلم يطلب دفاعا يقضي على هذه الإجراءات والمبادرات ولا يحب هو الإرهابية والتطرفية بل على سبيل الدستور والمنظور العلماني، لكن الدستور والمحكمة العليا بمنأى بعيد عن طلباتهم ويراها سرابا، لما أنه وإخوانه يواجهون تحديات متعقدة من قبل القضاة حيث يصدرون قراراتهم وفق الهواية الحكومية، وهم دميات ولعبات تتمايل فوق الفلوس ليل نهار.

وعادت جميع أحلام العلمانيين مبعثرة منذ أدركوا عمق الخطر، بأن الهدف الرئيسي لهؤلاء العصابات هي المناطق الأكثرية إسلاما، والتي يفوز فيها المسلمون في الانتخابات التشريعية، وتقوم ولاية كيرالا في طليعة هذا الهدف الوقح، لما تلقوا عرقلة شديدة في ترسيخ دعاياتهم وأفكارهم المخفية، ولم تستضف هذه الولاية الصغيرة حجما أحدا من هؤلاء المدمرين، وهي تلقن درس العبقرية والهمة والإعجازية دون هذه الجيوش المنجرفة من كل مكان، مع أن مسلميها في حالة من الأمن والسلام ولا يعتريهم شيء من أطياف الفاشية، ويتمكنون في إظهار شعائرهم وإقامة معتقداتهم بدون أي كراهية أو عصبية، وقد حققت هذه الولاية ما رآه الغيرون مستحيلا، هي متحدة في جسدها وأعضاءها، تترفرف فيها رايات الوطنية والعلمانية الصافية، وكأنها تمثل الهند الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق