علماء من عصرنا

الشيخ محمد بدر الحسيني البابي

الشيخ محمد بدر الحسيني البابي

كاتب الترجمة: عبدالله مسعود

هو العالم الفاضل، والولي التقي الكامل الشيخ محمد بدر بن عبد الرزاق الحسيني، من أفذاذ علماء بلدة الباب، وأكابر صالحيها، ومن أهل الحال القويّ مع الله سبحانه.

1-نشأته وتعليمه:

ولد هذا التقي الفاضل في بلدة الباب بعام 1299هـ / 1881م من أبوين فاضلين صالحين، ونشأ في حجر والده، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة في الكتاتيب الموجودة آنذاك،

كتب الشيخ محمد زكريا المسعود- عن الحالة العلمية في الباب ونهضتها العلمية على أيدي شيوخها الأجلاء:

فيما أدركناه وحكاه لنا آباؤنا وعلماؤنا، بدأت النهضة العلمية في أواخر القرن الثالث عشر الهجري في مدينة الباب بقدوم:

أ-الشيخ محمد الطرابيشي إليها ثم بعد وفاته 1302هـ

ب-تابعها الشيخ العلامة عبد القادر اللبنية الذي غادر الباب إلى منبج بعد سنتين من مقامه فيها ناشراً للعلم بعد الشيخ الطرابيشي.

ج- ثم تابع المسيرة العلمية الشيخ مصطفى أبو زلام في المدرسة (الحسبية) واتخذها مقراً لنشاطه العلمي.

في هذا الجوّ العبق بالإيمان، والعلم نشأَ الشيخ محمد البدر – رحمه الله-

ولما صار عمره /12/ عاماً توفي والده، وتركه وحيداً مع أمه وست بنات، وكان قد ابتدأ في طلب العلم وذاق حلاوة مجالسة العلماء ولذة طلب العلم.

متابعته العلم في حلب:

وبعد أن حصل مبادئ العلوم الأولية لدى الشيخ مصطفى أبي

زلام، انتقل إلى حلب ليتابع التحصيل فيها، ولم تكن المدرسة الخسروية قد انتظم أمر

الدراسة فيها بعد، إذ كان هذا حوالي عام 1319هـ/ 1901 م

فالتزم دروس الشيخ المرشد عبد القادر اللبنية في جامع البكرجي في حلب، فأخذ عنه العلم والطريق النقشبندي حيث كان مأذوناً به عن طريق الشيخ عيسى الشوزي الكردي بدمشق، وبقي لديه سنتين يحضر دروسه. فيبقى طيلة أيام الأسبوع في حلب، ويأتي ليلة الجمعة إلى الباب لتزوده أمه ما يكفيه من مؤونة لأيام الأسبوع الستة ثم يعود إلى حلب سيراً على الأقدام مثلما أتى.

وحضر أثناء إقامته في حلب دروس ومجالس علامة حلب الشيخ محمد نجيب سراج الدين،

كما حضر دروس المدرسة الرضائية (العثمانية)، ودروس الشيخ أحمد الكردي فيها والذي أصبح مفتياً لحلب بعد الشيخ عبد الحميد الكيالي.

وبعد حضور الشيخ اللبنية للباب تابع دروسه لديه، كما أكمل علومه لدى الشيخ مصطفى أبي زلام.

2-ملازمة الشيخ عبد القادر اللبنية والتخرج به.

لعل الفترة الذهبية التي كان الشاب محمد بدر متفرغا لملازمة اللبني تعلما وذوقا هي ما بين 1895 – 1910 تلميذا، فلازمه ملازمة كاملة،وتخرّج به.

صحب الشيخ محمد بدر أستاذه اللبني كما صحب أبو يوسف أستاذه أبا حنيفة

أقول: أما مكانة الشيخ عبد القادر اللبني- رحمه الله- العلمية، فقد حدثني فضيلة الشيخ كامل بدر – رحمه الله-:أن الشيخ عبد القادر اللبني- رحمه الله- كان جبلاً راسخا في العلم يضاهي ابن عابدين، وإقامته في الريف هي التي لم تجعل له شهرة كبيرة..

وحين توفي شيخه اللبني 1926 كان عمره 47 سنة يقول الدكتور محمود عن قوة صلته بشيخه اللبنية-رحمهما الله:

لقد أعطى أكثر كتبه للشيخ بدر:

-فنسخة بولاق والتي قبلها من حاشية ابن عابدين هما في مكتبتي من كتب الشيخ اللبني ثم الشيخ بدر.

-وكذلك فإن أكثر كتب مكتبتي في حلب هي كتب اللبني ثم الشيخ بدر كالفتاوى العالمكيرية وأمثالها،وكتب الوالد أكثر من نصفها موروث من والده.

3-التربية الإيمانية والسلوكية

أ-الشيخ الأول: الشيخ عبد القادر اللبني- رحمه الله-

يقول الدكتور محمود:لم يفرغ الشيخ اللبني علومه النقلية والعقلية والشرعية في غير الشيخ بدر ولم يجز بالإرشاد والتربية في الطريق النقشبندي غير الشيخ بدر فيما أعلم..وأخذ عنه الطريق والأوراد كثير..

ب- الشيخ الثاني: التقى بمرشد عصره الشيخ محمد أبي النصر خلف الحمصي النقشبدي، وأخذ عنه الطريق أيضاً، وكان محل توقير واحترام من الشيخ -رحمهما الله تعالى.

4-وظائفه،ونشره العلم

أ-مدرس ديني للباب:

ظل ملازماً للشيخ مصطفى متعلماً ودارساً إلى أن أُسندت إليه وظيفة مدرس ديني (رسمياً) لمدينة الباب وذلك بواسطة صديقه قاضي الباب آنذاك (أحمد عويدان) الذي كان يحضر دروسه في البيت، ودرسه العام في المسجد، فأحبه القاضي واستعذب حديثه وخشوعه، فسعى لدى والي حلب (نبيه المارتيني) فعيّنه مدرساً دينياً، وذلك بعام 1339هـ /1920م تقريباً.

ب-فانتقل درسه إلى الجامع الكبير، مع إمامة الأوقات الخمسة في جامع (حاج خليل) في الباب.

ج-مدرساً لمنبج:

ولما توفي شيخه الأستاذ عبد القادر اللبنية في منبج بعام 1340هـ / 1921م كلف شيخنا (محمد بدر) بالإفتاء في منبج، فاعتذر عنه، فنقل مدرساً إلى منبج نظراً لعدم وجود مدرس ومفتي فيها فقبل، وانتقل إلى منبج بعام 1341هـ / 1922م وظل في منبج مدرساً رسمياً، ومفتياً (عملياً) وإن لم يقبلها رسمياً، لأنه لم يكن عالم غيره فيها حتى نقل إلى الباب بعام 1352هـ / 1932م. ونقل شيخه الشيخ مصطفى أبو زلام إلى منبج مدرساً بدلاً عنه.

5- فقهه وفتاواه:

كان رحمه الله فقيهاً معتبراً وكان الناس يستفتونه كسائر شيوخ البلدة في أمور المعاملات والطلاق وغيرها، وكان يجيبهم ويحرر لهم الفتاوى، ويستوثق منها ويراسل الشيوخ المعتبرين أهل العلم والتدقيق في حلب، وأطلعنا على مراسلة له في قضية طلاق سأل فيها أكابر علماء حلب وهم السادة الشيخ محمد الزرقا والد الشيخ أحمد الزرقا، وجد الشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ نجيب سراج الدين، والشيخ محمد سعيد الإدلبي، وأجاب كل واحد منهم عن هذه المسألة.

وهي الرسائل التي نحن بصددها.

6-دروسه وأثر وعظه في النفوس:

كان لدروسه وعظه أثرٌ بالغ في النفوس، ووقعٌ عميق في قلوب من يحضره ويستمع إليه، لأنه كان الغاية في صفاء السريرة، وقوة الحال، والخشية لله، وإخلاص النية له، في أقواله وأفعاله وكافة أحواله، وفي تركه ما لا يعنيه، واشتغاله بالذكر والمراقبة، وكانت ملامح الهيبة والتقوى ظاهرة عليه، دالة على أن قلبه عامر بالإيمان وخشية الرحمن، مع خضوع وخشوع، وانكسار لله وذلة له، منذ صغره، وقد قدمنا أن العناية الإلهية والإكرام الرباني كان يحوطه، منذ أن أكرم الله والدته وأخواته ـ بسببه ـ بالقوت وأمدهم بالطعام، يوم عز القوت، وفقد الطعام، وكانت تلك المعونة إشارة واضحة إلى أن هذا الولد اليتيم محوط بعناية الله، وموجه لنفع عباد الله.

ولقد كان سيدي الوالد الشيخ محمد علي المسعود يحرص على حضور مجالسه ودروسه عندما يحضر إلى الباب مسلماً على والديه وزائراً لهما وكان يصحبني ويصحب إخوتي الحاضرين معه إلى دروسه ومجالسه. وقد سمعت سيدي الوالد مراراً عندما يذكر الشيخ محمد بدر يقول عنه: (كان يمتاز بالصلاح ودروسه الوعظية المؤثرة، وكان من أهل الخشوع والخشية لله) لذلك كان له في قلبه منزلة خاصة ومحبة ظاهرة.

ولا يزال العامة من أهل البلد يذكرون كلماته ومواعظه متأسفين مترحمين، خاشعين معتبرين داعين إلى الله سبحانه أن يجعله مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.

7-صلته بعلماء عصره

كان يسافر بعد وفاة شيخه ويلتقي بشيوخ حلب ودمشق،

وهذه الرسائل والفتاوى التي أرسلها الى أكابر علماء حلب تدل على الصلة العلمية والودية معهم.

وحين أُخرجت صورة الشيخ بدر للشيخ عبد الرحمن الشاغوري قال لي: أعرفه ورأيته كثيرا في دمشق..

أقول: كانت له مودة خاصة مع جدي الشيخ محمد المسعود-رحمه الله- وأذكر وأنا ابن العاشرة من عمري كان يأخذني جدي وأخوتي الى الجامع الكبير -في مدينة الباب- لحضور درس الشيخ محمد البدر قبل صلاة الجمعة.

8-عبادته وتقواه:

كراماته:

أ-الاستقامة على شرع الله تعالى

إنَّ أعظم كرامة للمؤمن هي الاستقامة على أمر الشرع، والتخلّق بآدابه، والثبات على ذلك، كما قرره علماؤنا مع التمسك بالهدي النبوي، وكان بفضل الله من أهل التقوى والصلاح والاستقامة، وهذا ما يشهد له به الناس، وألسنة الخلق أقلام الحق.

ب- شعوره بظلمات الغيبة

يقول حفيده الدكتور محمود أبو الهدى: وكنت أراه جالسا للذكر الخفي، وكان يكثر من الجلوس للذكر في غرفة الاستقبال الكبرى وكان يغلق عليه الباب فأتسلّل لأراه.

فإذا حصلت غيبة أو نميمة أو كلامٌ على الدنيا في بعض غرف البيت البعيدة عنه ( وكان ذلك يحصل عند اجتماع بعض النساء ) فكان يصيح تخرج ظلمات من غرفة في هذا البيت..

فيتوب الجالسون فيها…!!

ج- الشفاء برقية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم

ويضيف الدكتور محمود: لما أُصيب في عمر السبعين بالشلل وبقي في غيبوبة أسبوعا وقررت لجنة الأطباء أنه لا أمل في شفائه..

فوجئت جدتي فجر الجمعة به ينهض من غيبوبته ويلبس القبقاب للوضوء وكأنه نشط من عقال… فظنت جدتي أنها تحلم.. وقطع اندهاشها قوله لها بلسانه الفصيح.. زارني سيد الوجود حبيبي رسول الله وقال لي: هل أرقيك يا بدر ؟

فقلت نعم يا رسول الله فمسح عليه.. فبرئ..

وكان بعدها يسابق الشباب ويسبقهم في صعود جبل الباب وعاش بعد هذه القصة عشرين عاما..

د-حادثة عجيبة: مشابهة أمه لأمِّ القاضي أبي يوسف

قدمنا أنه لما صار عمره /12/ عاماً توفي والده وتركه وحيداً مع أمه وست بنات، وكان قد ابتدأ في طلب العلم وذاق حلاوة مجالسة العلماء ولذة طلب العلم.

ومرت على الناس آنذاك سنة عجفاء قلّت فيها المؤن والحبوب في البلدة، وضاقت أمور الدنيا على أهلها، وبالأخص الأيتام.

وأصابت ذلك البيت عصّة القوت وطلبه، وحارت والدته ماذا تفعل لتأمين الخبز لبناتها ولما نفَد آخر ما يدّخرونه من قمح في بيتهم (وكان يوضع في (الكواير، ج كوارة) وهي مستودع يبنى من الطين يوضع في البيوت وتحفظ فيه المؤن من الحبوب والبرغل وغيرها) قالتْ الأم لولدها طالب العلم: قُم وابحث عن عمل يجلب لك ولأخواتك الخبز، ماذا تفيدنا كتبك؟ فقال الولد الحليم لأمه: طولي بالك، اصبري عليَّ، ولن أُقَصِّر. ولما ذهبت أمه عنه، بكى بخشية لله، وتذلَّل إلى الله، وقال: يا رب، كيف أترك طلب العلم؟ وكان أثناءها يلازم في الطلب مدرسة الشيخ مصطفى أبي زلام في( المدرسة الحسبية )في الباب ويحضر عليه مبادئ العلوم الأولية التي يتلقاها المبتدئون من نحو وفقه وحديث، فما اكتفت والدته بذلك فجاءت تشكوه إلى الشيخ مصطفى، فأمده الشيخ مصطفى ببعض ما تيسر لديه من تموين وحوائج البيت، ولما أشرف الخبز في البيت على الانتهاء، شكت والدته أمرها إلى جارتها العجوز التي كانت تتردد عليها وتبث كل منهما أشجانها وأحزانها إلى الأخرى، وذكرت لها مصيبتها في هذا الولد العاطل عن العمل، ودخلت الأم على ابنها تنهره وقالت بشدة: لا تزال جالساً هنا، والطحين انتهى ؟ وأثناءها دخلت إلى البيت إحدى الجارات تطلب جمرة من نار، تشعل بها موقدها (حيث لم يكن كبريت ولا قداح) وفوجئت الجارة عند دخولها بمرأى (الكوارة) ينهمر منها القمح، وكانت أمه كنستها من قبل فصار يسيل من فم الكوارة السفلي ويملأ أرض البيت، فقالت لها: أنت دائماً تشكين قلة الطحين، وهذا القمح يملأ البيت ؟! فأسرعت الوالدة لترى ما رأته الجارة، فقالت لها: لعله من الكوارة الأخرى التي لم أكنسها (لم أنظفها) وأعطتها جمرة النار وصرفتها. ثم جاءت إلى ابنها تقول له: قم يا بني وانظر، لقد فرج الله علينا. فلما رأى القمح يتدفق من (الكوارة) صاح بخشوع: (هو) ومدّها، وأصاب أمه أيضاً الخشوع والخشية وعلمت أن هذا معونة إلهية، وإكرام رباني لهذا الولد الذي اختار طلب العلم، وسلوك طريق العلماء، فأكرمه الله لصدقه، وكفاه ما أهم والدته وأهمه، فكفت عن لومه وتأنيبه، ورضيت له طلب العلم.

خاتمة: وبالجملة، فقد كان هذا الشيخ مجموعة كمالات وأخلاق، وحب ونصح للمؤمنين، وظل ملازماً مجالس النقشبندية وبالأخص مجلس الجامع الصغير صباح الجمعة حتى وفاته.

9-حياته الأسرية

أ-زوجته

تزوج شيخنا (محمد بدر) من أخت الشيخ مصطفى أبو زلام وأنجب منها البنين والبنات الصالحين والصالحات.

ب-أولاده

كان له ثلاثة من الأولاد: أكبرهم الحاج عبد الرزاق (لم يطلب العلم ولكنه حصّل ثمرة العلم وهو الخلق والتقوى والاستقامة والتدين، والصلاح، والناسوت الصالح، كما وصفه سيدي الوالد) وذلك ببركة ملازمته وخدمته للشيخ أبي النصر، (وأفردنا للشيخ عبد الرزاق ترجمة في بحث أثر الشيخ أبي النصر في عامة المحبين)،

والثاني: العالم الفاضل، والوارث العامل (الشيخ محمد كامل) فقد درس في الخسروية وتخرج منها وعين مدرساً لمدينة منبج بعد والده وسكن حلب آخر حياته، وسنفرد له ترجمة خاصة.

وثالثهم (عارف) الذي سكن حلب، رحمهم الله جميعاً.

ج – أحفاده

أحفاده كثيرون -بارك الله فيهم- ذوي سمعة حسنة واستقامة، ومراكز اجتماعية مرموقة، اشتهر منهم اثنان:

1-الدكتور محمود أبو الهدى بن الشيخ كامل البدر، طبيب، ومشارك في العلوم الشرعية، واستلم إمامة وخطابة جامع العادلية بحلب، ثم عيِّن مديراً لأوقاف حلب.

2-الدكتور عبد الباسط بن الحاج عبد الرزاق البدر، دكتوراة في الأدب العربي، ومؤسس مركز بحوث المدينة المنورة، وعضو رابطة الأدب الإسلامي، له عدة مؤلفات، رحمه الله.

1-وفاته ولحوقه بالرفيق الأعلى

قد انتقل إلى رحمة الله تعالى في مدينة الباب 1388هـ / 1968م ودفن بجانب الجد الشيخ محمد المسعود رحمه الله ونور ضريحه. وكان يوم جنازته مشهودا فقد خرج خلق كثير فيها لا يعلم عددهم إلا الله وحملوا النعش على رؤوس الأصابع..

مراجع البحث:

(أفادني بعضاً من ترجمته حفيده الدكتور محمود أبو الهدى).

الشيخ محمد زكريا المسعود: أعلام الطريقة النقشبندية

معلوماتي الخاصَّة

المصدر: رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق