تقارير وإضاءات

“الشباب والإقصاء والحاجة إلى الاستدراك والتغيير” | قراءة في “تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016”

“الشباب والإقصاء والحاجة إلى الاستدراك والتغيير”

قراءة في “تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016”[1]

إعداد د. محمد الصادقي العماري (تخصص العقيدة والفكر الإسلامي، مدير مركز تدبير الاختلاف للدراسات والأبحاث)

 

(خاص لمنتدى العلماء)

 

تعتبر فئة الشباب في أي مجتمع عماد وأساس التنمية والبناء، لذلك كان الاهتمام بها، وعدم إقصائها، من أولى الأولويات في المجتمعات والدول التي قطعت أشواطا مهمة في التنمية والتقدم على كل المستويات، ولا نقول أن وضع الشباب في هذه الدول التي تنعت بالمتقدمة هو القدوة لنا، أو هو النموذج الذي ينبغي أن يحتذى، إلا أن وضع الشباب داخلها أفضل منا بكثير، حيث ننعت بالتخلف مقارنة معها، كل التقارير الداخلية والدولية تقول ذلك وتؤكده كل سنة، ومنها هذا التقرير الذي نحن بصدد التعليق عليه.

ونؤكد هنا على المدخل السياسي، وهو ما عبر عنه التقرير، عندما أشار إلى المخاطر التي تواجه الشباب ب”عنف الجسم السياسي وهشاشته”، لأنه في اعتقادنا المسؤول الأول عن وضع الشباب في بلداننا العربية والإسلامية، فلو وجدت الإرادة السياسية الحقيقية، لتجاوزنا الكثير من الأزمات المرتبطة بالشباب، وذلك ببناء دولة المؤسسات، دولة الحق والقانون، دولة إقرار الحريات ..، دولة الاحتكام إلى الدساتير، والقوانين والتشريعات المصادق عليها، بعيدا عن أساليب التلاعب بطاقات الأمة، ومواردها البشرية والطبيعية ..، أو استغلالها لصالح شخص، أو فئة من المواطنين على حساب الآخرين.

وقد أدى تراجع الوضع الشبابي في بلادنا، إلى هجرة الشباب إلى الضفة الأخرى، يهاجر الشباب لضيق الأفق الاقتصادي، والحقوقي في بلاده، تهاجر الأدمغة ليستفيد منها الأخر، لأن سوق الشغل يحتكره أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، وانعدام الإنصاف والمساواة، وعدم اعتبار الكفاءة المعيار الوحيد لتقلد المهام والوظائف، والحق في التعليم.

بل الحق في الحياة الكريمة، حيث نجد مناطق مهمشة لا تستفيد من حقها في البنية التحتية، ولا المؤسسات والمنشآت الحيوية، ولا الماء والكهرباء ..، يقول التقرير” والشباب العرب المترعرعون في هذه المناطق الفقيرة يتعرضون بازدياد إلى الإقصاء الاجتماعي وعنف وفقر وهو ما يؤجج التوتر ..” تهاجر الطاقات والكفاءات السياسية، ليستفيد منها الأخر، لأن الأفق الحقوقي والسياسي في بلداننا –للأسف-، لا يقبل وجهات النظر السياسية المختلفة.

وتراجع الوضع الشبابي في بلادنا كذلك، لهيمنة الشيوخ على مؤسسات الدولة، والمؤسسات الحزبية والنقابية ..، في حين أن المفروض هو تشبيب هذه القطاعات الحيوية، وعدم إقصاء الشباب والكفاءات الواعدة، فإنهم -الشباب-  كما يقول التقرير “احتلوا المقدمة في الانتفاضات العربية لأنهم يشعرون بقدر أقل من الرضا، كما أنهم أكثر قلقا بشأن القضايا الاقتصادية ممن هم أكبر سنا”.

فإنه إن لم نتدارك الوضع، والوفاء بما تم التعاهد عليه مع الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع في الحراك العربي الأخير، تعبيرا منهم عن رفض الإقصاء يقول التقرير “فلسوف يرث الشباب العرب مجتمعات راكدة أو عنيفة أو على نحو أخر فاشلة”، مجتمعات راكدة عنيفة فاشلة ..، عبارات معبرة على واقعنا العربي، الواقع في حاجة إلى تغيير واستدراك سريع لاستيعاب الوضع.

وفي الختام أشير إلى أن هذا الاستدراك والتغيير السريع يقوم على معلمين كبيرين:

  • الإصلاح السياسي وبناء دولة المؤسسات أولا: لنتجاوز حالة “إقصاء الشباب” وتجاوز ذهنية “قمع الاختلاف والتعبير عن الرأي باستقلالية” كما يعبر التقرير.
  • إصلاح التعليم ثانيا: لأنه المدخل الأول لأي إصلاح، يصف التقرير وضعية التعليم في بلداننا بكونها “رديئة”.

في الحقيقة التقرير فيه تفاصيل كثيرة، ومواضيع متنوعة، استفدت من تصفحه، ومتابعة بعض تفاصيله، الأمر في الحقيقة يحتاج إلى قراءة وصفية لما جاء به التقرير، ومناقشة قضاياه، لكن حسبي هذه القراءة السريعة، ولمن أراد الاستزادة الاطلاع على التقرير.

______________________________________

[1]– ينظر: تقرير التنمية الإنسـانية العربية للعام (2016م)، “الشباب وآفاق التنمية الإنسانية في واقع متغير”، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المكتب الإقليمي للدول العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق