كتب وبحوث

السلام الديني العالمي في خدمة المشروع الصهيوني (2من2)

السلام الديني العالمي في خدمة المشروع الصهيوني (2من2)

 

الكتاب: “الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي المخطط الاستعماري للقرن الجديد”
الكاتب: هبة جمال الدين محمد العزب
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى بيروت،شباط- فبراير 2021
(256 صفحة من القطع الكبير)

الدبلوماسية الروحية مخطط غربي مدعوم صهيونيًا وغربيًا

ترى الباحثة هبة هبة جمال الدين أنَّ هذا الطرح “ما هو إلا مخطط استعماري بدأنا بالوقوع في براثنه، تحت دعاوی اتهام العرب والمسلمين بحجة الحقد والعداء والعنف وخطاب الكراهية، رغم عدم إدراكنا أنَّ الكراهية ليست من تعاليم الإسلام في شيء، وأن المنطقة العربية شهدت وتشهد حالة من التسامح والتعايش المشترك. فما يجمع العرب هو رابطة المواطنة المستمدة من احترام الأديان واحترام حقوق الجوار والجيران، ورابطة التاريخ المشترك تتعلق بالتاريخ الحقيقي، وليس ما يحاول تأريخه وتزويره وإعادة كتابته وفقا للهوى بما يحقق مطامع استعمارية واستيطانية في الأرض العربية ومواردها.

“الكراهية التي تستخدم ضد العرب بحجة نشأة الإرهاب الذي يستعمل الإسلام كستار؛ ما هو إلا صنيعة غربية؛ فعلينا أن نتساءل من يدعم داعش والقاعدة والنصرة وبوكوحرام وغيرهم؟ هل السيارات والمدرعات والأسلحة صنعتها الدول العربية؟ هل الدول العربية هي التي تتحدث عن الخروج الآمن لسفاحي داعش؟ هل المنظمات العربية هي التي تتشدق بحقوق الإنسان لمجرمي داعش؟ كلها أسئلة لا بد من إعادة النظر فيها، وبخاصة في ظل الحديث عن أن هذا الإرهاب ذا الستار الإسلامي سيمهد الطريق للقبول بالمشترك الإبراهيمي”(ص183- 184).

لقد جاء طرح “المشترك الإبراهيمي” في سياق عالمي جديد، أي في إطار ما يسمى النظام العالمي الجديد وترجمته إلى عدد من المفاهيم المتداخلة التي تتضمن مخاطر جمة، يأتي في إطارها تحديات خطيرة تتواطأ فيها دول ضد دول أخرى في المنطقة تقدم في سياق مخطط إقامة الولايات المتحدة الإبراهيمية، الذي بدأت إرهاصات الإعلان عنه سیاسيا خلال ملامح صفقة القرن، الأمر الذي يدعو إلى طرح عدد من التساؤلات التي تتطلب وضع سياسات تصحيحية مهمة من أجل مواجهة هذا المخطط.

يعمل هذا المخطط على تعميم سياسة التطبيع بين الكيان الصهيوني و الدول العربية في محاولة جادّة لتعويم هوية العرب وتاريخهم وفضاء وجودهم الجغرافي، وتمييع ذلك كله في أفق إدماج الكيان الصهيوني في الوطن العربي ، وتطبيع وجوده واحتلاله، وليس التطبيع معه فحسب. ومن يأتي إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على وضع اتفاقيات التطبيع بين الكيان الصهيوني وكل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب أو الدول العربية الأخرى القادمة قريباً، تحت لافتة “اتفاق أبراهام” أو مفهوم “المشترك الإبراهيمي”.

“الكراهية التي تستخدم ضد العرب بحجة نشأة الإرهاب الذي يستعمل الإسلام كستار؛ ما هو إلا صنيعة غربية؛ فعلينا أن نتساءل من يدعم داعش والقاعدة والنصرة وبوكوحرام وغيرهم؟ هل السيارات والمدرعات والأسلحة صنعتها الدول العربية؟ هل الدول العربية هي التي تتحدث عن الخروج الآمن لسفاحي داعش؟ هل المنظمات العربية هي التي تتشدق بحقوق الإنسان لمجرمي داعش؟

من وجهة نظر رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق بنيامين نتنياهو،أسهمت  قوة الكيان الصهيوني ، وطبعاً من ورائه أميركا، في جلب الإمارات والبحرين إلى واشنطن، لتوقعا اتفاقين استعراضيين في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، إذ قال: “لقد كرست حياتي لتأمين مكانة إسرائيل بين الدول، ولضمان مستقبل الدولة اليهودية الوحيدة القائمة. لتحقيق هذا الهدف، أعمل على جعل إسرائيل، قوية، وقوية جدًا. لقد علمنا التاريخ أنَّ القوة تجلب الأمن، والقوة تجلب الحلفاء، وفي المحصلة، كما قال الرئيس ترامب غير مرة، القوة تجلب السلام”.

إن قراءة الفصول الأولى من الكتاب قد تجعلنا نعيد قراءة الدبلوماسية الروحية بوصفها السياق الفكري والاستراتيجي للمرحلة الجديدة التي تعد الآن. فنحن نشهد مرحلة مخاض لظهور قوى عالمية جديدة تنافس الولايات المتحدة الأمريكية على رئاسة العالم في ظل نظام متعدد الأقطاب. هنا تطرح الولايات المتحدة، بدعم من حلفائها من المعسكر الغربي، هذا المخطط لضمان التأثير والنفوذ وتأمين الموارد، بل والأهم هو تحقيق تصور الصهيونية المسيحية التي تسيطر على الولايات المتحدة، وتتلاقى في طرحها مع الإنجيليين والبروتستانت والكاثوليك في الدول الأوروبية.

ويمكن قراءة هذا النهج بوصفه تصورا لمرحلة إعادة الاستعمار بسبل جديدة للاستيلاء على الموارد في ظل ندرتها، وذلك وفقا للدول الأوروبية الداعمة ورغبة في دعم الكيان الصهيوني لتحقيق حلم أرض إسرائيل الكبرى للإسراع بمعركة هرمجدون ونهاية العالم وفقا لرؤية الإنجيليين في الولايات المتحدة.

في المقابل، تحاول الولايات المتحدة الحصول على دعم القوى العالمية الجديدة الصاعدة كالصين بمزاعم التهدئة في حربها التجارية التي شنتها على الصين منذ أكثر من عام، بل ووجدت ضالتها في زيارة نائب الرئيس الصيني لإسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2018 لطلب توسط الإيباك (اللوبي الصهيوني) لدى الولايات المتحدة لتخفيف الحرب التجارية الأمريكية عليها، ومن ثم كان المقابل عدم التدخل في بداية تطبيق المخطط الجديد (الولايات المتحدة الإبراهيمية) الذي تسعى لتنفيذه على الأرض بشمال و شرق سورية، الأمر الذي بدأ يحصد دعما روسيا أيضا على الجانب الآخر.

تُحَدِّدُ الباحثة هبة جمال الدين أبرز ملامح النظام الجديد في العالم:

ـ نشأة أقاليم جديدة قائمة على التكامل الجغرافي والاتحاد السياسي.
ـ إضعاف الدول القومية واختفاؤها وإعلان نهايتها.
ـ انتشار نمط الحكم الفدرالي بين أقاليم الحكم الجديدة .
ـ الحفاظ على البيئة والربط الاقتصادي لتحقيق الرفاه الاقتصادية هو مدخل الوصول والقبول بالنظام العالمي الجديد.
ـ السيطرة على الموارد من جانب الدول الاستعمارية التي تمتلك التكنولوجيا وليس الموارد.
ـ انتشار أديان عالمية جديدة تجبّ الأديان السماوية بحجة شمولها وقدرتها على تحقيق السلام الديني العالمي.
ـ بزوغ دین عالمي جديد (الدين الإبراهيمي) لن يكون الارتباط بالأرض فيه سببا للنزاع.
ـ ظهور مفهوم المواطن العالمي والجنسية العالمية التي لا ترتبط بالأرض.
ـ نزع القدسية عن الأرض والمدن الدينية مقابل مقدسات جديدة وضعية تحمل اسم الروحي أو الإبراهيمي.
ـ الصراعات الجديدة على الموارد ومعیار الحسم فيها هو امتلاك التكنولوجيا، فالتكنولوجيا أهم من الموارد
ـ حروب دينية بين أنصار الدين الإسلامي السنة والشيعة وبين الدين الإسلامي والمسيحي، وبخاصة الأرثوذكس في الدول العربية والإسلامية.
ـ الكراهية أحد المداخل المحركة للقبول بالمشترك الإبراهيمي” (ص 187).

الأدوات العالمية لتطبيق “المشترك الإبراهيمي”

تجدر الإشارة هنا إلى أن فكرة استغلال المكانة المقدسة لنبي الله إبراهيم عليه السلام جاءت بيد عربية للأسف “الإرهابي سيد نصير”، الأمر الذي يوحي بالأسى الشديد أن تأتي الفكرة الشيطانية بيد عربية مسلمة (وهو ما يمثل خطورة استغلال الغرب للعقول العربية الجيدة والسيئة على السواء)، ولكن اختبارها وتوظيفها وتطويرها كانت مهمة الأمريكان؛ وزارة الخارجية الأمريكية بالتعاون مع الجامعات ومراكز الأبحاث الأمريكية والغربية.

فجامعة هارفرد أرسلت الكثير من فرق البحث لاختبار نجاعة الفكرة، ومدى قدسية النبي إبراهيم لدى العرب والمسلمين والمسيحيين في المنطقة منذ مطلع الألفية، وبالتأكيد فإنَّ فاعلية الفكرة تم تطبيقها على الأرض على أكثر من مستوى؛ يأتي في مقدمها المنظمة الأممية (هيئة الأمم المتحدة) التي تعتبر فرعًا من وزارة الخارجية الأمريكية، وتساهم الولايات المتحدة والدول الغربية في النصيب الأكبر من تمويلها، وبدأت في تبني مشروعات وتقديم المنح والدعم عبر مؤسساتها ومنظماتها المختلفة، وكذا تفعيل آلية القمم والمؤتمرات الدولية التي تجمع رجالات الدين والساسة معا، كبداية لجلسات الحوار والدعم.

ويأتي في مقدمة هذه المؤسسات والمنظمات منظمة اليونيسكو التي تتزعمها أودري أزولاي، اليهودية الفرنسية ابنة المستشار اليهودي لملك المغرب. ولكن المد أكبر وسابق لتوليها المنصب، فبتوليها زاد النشاط والدعم، إذ بدأنا نسمع بقمم عالمية تحت شعار “السلام الديني العالمي” و”معا نصلي” على الأرض العربية أبرزها منتدى سانت كاترين للسلام عام 2018 مستخدمة فيها أدوات الجذب المقبولة والتي لا تمثل محل شك كالسياحة، والثقافة، وحوار الأديان وتقاربها، ومكافحة الكراهية والتطرف والعنف، ومسارات الحج المشتركة… إلخ، الأمر الذي لم يكن محل شك أو ريبة، ولن يرفض مجتمعا أو سياسيا.

ومن أبرز المؤتمرات الدولية التي تمثا تطبيقًا عمليًا “للمشترك الإبراهيمي” هي مؤتمر دافوس الذي تعقد على هامشه لجنة المئة التي تهدف للوصول للمشترك الإبراهيمي، والتقارب بين القيادات الروحية و الساسة والإعلام وتوفير سبل الدعم الممكن.

تقول الباحثة هبة جمال الدين:”مع الدعم الأممي بدأ الدعم الحكومي، وأبرزه الدعم الأمريكي. بل إن بعض الحكومات ربطت برامجها التمويلية بمشروعات تتحدث عن المشترك الإبراهيمي، كبرامج الدعم الحكومي الألماني. وأخذت الجهات المانحة تقدم الدعم وتم تأسیس مراکز المشترك الإبراهيمي والدبلوماسية الروحية التي بدأت بدورها في الانتشار. ومسارات الحج الديني المشتركة هي من أخطر الآليات المنفذة على الأرض، يأتي في مقدمها مسار إبراهيم کمسار جامع على الأرض مطبقا بالفعل في أغلب البلدان العربية وهو مزمع توسيعه ليصل طوله إلى 5000 كم، ويضم إيران أيضا.

وأبرز مصادر خطورة المسار هو عدم اعترافه بملكية الدول التي يمر المسار في أراضيها رغم تنسيقه السياسي معها، ولكن وفقا لوثائق إنشاء المسار سيظل التساؤل قائما، لأن ملكية المسار لن تكون للشعوب أو الحكومات التي لا تعلم شيئا عن المسار، علاوة على تبنيه منهج إثارة النزعة المحلية كنهج للتغيير)، الأمر الذي يطرح الكثير من علامات الاستفهام.

ويتكامل مسار إبراهيم مع مسارات أخرى، كالمسار الصوفي الذي تقيمه ترکیا کمسار مسيس يصل بدوره إلى مكة والمدينة، وبخاصة أنه لم يتم الإعلان عن مسار إبراهيم في السعودية رسميا حتى الآن، وهو ما يعطي انطباعا بقبول تكامل المسار الصوفي التركي مع مسار إبراهيم ليصل إلى مكة والمدينة. هذا علاوة على مسار فرسان المعبد الذي يخطط له أن يمتد عبر التنظيم الحربي المقدس، لحماية الكنائس كافة التي تتعرض للاضطهاد الديني، ومن ثم سيكون مسارا عالميا ممتدّا”(ص 190).

المخطط الصهيوني وتوظيف “المشترك الإبراهيمي”

يقوم المخطط الصهيوني على قبول تسمية الديانات السماوية الثلاث (الإسلامية و المسيحية واليهودية) بالديانات الإبراهيمية التي تقوم بدورها على البحث عن المشترك الإبراهيمي عبر إعادة تأويل النصوص التي سيكون لها القدسية، وحل النزاعات عبر المشترك الإبراهيمي، من خلال إعادة تأويل النص الديني المشترك لإعطاء الحق للشعوب الأصلية أصحاب الحق الأصلي على الخريطة السياسية.

وفي ظل وجود ثلاثة أديان لا تتقاطع تشابكاتها إلا في ديانة واحدة، هنا يأتي التساؤل حول من هم أصحاب الحق الأصلي؟ من هم الشعوب الأصلية؟ ويظهر في المقابل، مشروعات صهيونية لإثبات أنهم أصحاب الحق على الخريطة السياسية، وأن لهم حقوقا في الأراضي العربية، بل ويطالبون بتعويضات في المقابل.

ومن أبرز هذه الجهود:

ـ إنشاء جمعيات حفظ التراث اليهودي في البلدان العربية والغربية والأفريقية، التي تسعى لتجميع وثائق حول وجود اليهود وتراثهم في البلدان التي توجد فيها هذه الجمعيات، وذلك من أجل تأریخ وجودهم كإحدى الأدوات التي يبرعون فيها لاستغلالها لاحقا لتزييف الحقائق، ضمن مشروع صهيوني عالمي.

ومن الجدير بالذكر، أن عددا من الجمعيات العربية الكائنة في البلدان العربية، بالتعاون مع جمعية ميمونة في المغرب وجمعية اليهود السفارد أو اليهود الشرقيين، قامت بتنظيم مؤتمر في 27 – 28 كانون الثاني /ینایر 2019 بالولايات المتحدة الأمريكية يحمل اسم “أفريقيا اليهودية” ويستخدم الإبراهيمية كشعار للتشديد على الأصول اليهودية للقارة كشعوب أصلية. وهذا الأمر يؤشر إلى مخطط قاري ليشمل النفوذ الصهيوني في القارة ككل من منطلق ديني مشترك. وقد ظهر في أفريقيا عدد من المؤسسات العاملة على نشر هذا النهج كمنظمة Mercy Corps، وظهر فيها أديان جديدة؛ والحديث عن المشترك الإبراهيمي بدأ بقوة في بعض بلدان القارة.

هنا سأطرح تساؤلا مهما دون إجابة لأنني لا أملك الإجابة:

ـ من هم أصحاب الحق الأصلي، ولماذا تُرِكَتْ مفتوحة مبهمة؟ ولماذا تحديدهم سيتم عبر المشترك الإبراهيمي من خلال إعادة قراءة النص الديني؟ كيف سيتم تحديدهم عبر الاتفاق حول المشترك الديني فقط في ظل نفي كل دين للآخر وتقاطع الثلاثة فقط على الاعتراف بالنبي موسى عليه السلام وبالتوراة؟

ـ من هي الشعوب الأصلية التي يحاولون التأصيل لها بادعاء أن الجنس اليهودي أصل كل الأجناس البشرية وأتباع الأديان، ومن ثم سيكون لهم الغلبة، لأنَّ نتائج دبلوماسية المسار الثاني ستقوم على إعطاء الشعوب الأصلية الحق على الخريطة السياسية بوصفهم أصحاب الحق الأصلي، إذ تحاول الصهيونية إثبات أنَّ اليهود هم الشعب الأصلي.

ـ مطالبات مالية لعدد من الدول كتعويضات لليهود بسبب خروجهم من البلدان العربية، كالمطالبة بتعويضات مالية وجهت ضد مصر والسعودية عن ممتلكات اليهود التي تركوها في البلدان العربية بعد خروجهم منها.

ـ خرائط وزارة الخارجية الإسرائيلية التي توضح أماكن وجود اليهود وخروجهم من بلدان العالم المختلفة مع التركيز على المنطقة والقارة الأفريقية.

ـ ظهور کتب ودراسات تتحدث عن الحق في عودة اليهود إلى الأرض العربية ککتاب آفي ليبكن ضابط الموساد السابق بعنوان العودة إلى مكة الصادر عام 2016 (عن دار نشر أمريكية متطرفة فكريا تنادي بنهاية العالم وحدوث هرمجدون تسمى “مرصد النبوة”)؛ ومطالبته بأحقية اليهود في مكة والمدينة، وأنَّ الكعبة هي رمز للديانة اليهودية وليس للإسلام، وربطه المدينة بتاریخ سیدنا شعیب وارتباطهم بالأرض وتأريخه لوجودهم مستخدما أسفار التكوين والخروج والعهد القديم والعهد الجديد، ومؤصلا للعداء لمصر وأحقيتهم في الأرض، فضلا عن طرحه أن الإسلام هو الخطر على البشرية وأن الحل هو التخلص من الإسلام عبر السيطرة على الكعبة لتكون تحت سيادة يهودية مسيحية غربية تمهيدا لتدميرها وهدم الركن الخامس للإسلام لإسقاطه.

يقوم المخطط الصهيوني على قبول تسمية الديانات السماوية الثلاث (الإسلامية و المسيحية واليهودية) بالديانات الإبراهيمية التي تقوم بدورها على البحث عن المشترك الإبراهيمي عبر إعادة تأويل النصوص التي سيكون لها القدسية، وحل النزاعات عبر المشترك الإبراهيمي، من خلال إعادة تأويل النص الديني المشترك لإعطاء الحق للشعوب الأصلية أصحاب الحق الأصلي على الخريطة السياسية.

ويرى ليبكن أن هذا الأمر سيتحقق عبر إثارة النزاع بين الشيعة والسنة فيأتي الشيعة من اليمن وإيران ولبنان ودول الخليج، والسنّة من كل مكان من الشام ومصر و الجزيرة العربية وبقية البلدان الإسلامية،وتنشأ حرب دموية بينهم تؤكد على عدم قدرتهم على حماية المقدسات. ومن ثم يكون تأمين حماية المقدسات إما عبر التدويل و إما عبر سيطرة سلطة دينية سمحة كإسرائيل لإدارتها، كخطوة للقضاء عليها لتغيِّر المسلمين فيتحولوا نحو الحداثة ومن ثم ليكونوا أناسًا صالحين، حسب رأي لبكينالذي أسس حزبًا سياسيًا تم إشهاره عام 2018، يحمل اسم “الحزب التوراتي المسيحي اليهودي، وهو قريب من نتنياهو.

استنتاجات

ما توصل إليه الكتاب لا يوجه ضد الديانة اليهودية على الإطلاق فهي أسمى مما يوظفونه، إنَّما يوجه ضد الصهيونية والمخطط الاستعماري المتمثل بالكيان الصهيوني والمطامع الاستعمارية الأمريكية الغربية، التي تحركها دوافع متطرفة ترفعها الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل كإطار للقرن الجديد والنسق العالمي الجديد الذي أعلنه بوش الأب عام 1990 تحت مسمى “النظام العالمي الجديد”، وسارعت في ضوء ذلك مراكز الفكر الأمريكية مع المؤسسات العسكرية والأمنية بالولايات المتحدة للعمل عليه حتى توصلوا إلى مخطط مدمر نسير فيه الآن بلا إدراك.

إن مراجعة كتاب فوکویاما حول سبل الوصول إلى نهاية التاريخ وسيادة النموذج الديمقراطي وسيادة القانون عبر البوتقة الإبراهيمية أمر خطير جدا، ويجب قراءته بعمق لأنه يؤكد بالفعل أنَّ نهاية التاريخ ستحدث عقب هيمنة إسرائيل وصعودها، وهو ما سيقرب من معركة هرمجدون ومن ثم نهاية العالم. وهذه الهيمنة طريقها وسبيلها هو الاتحاد الإبراهيمي الفدرالي تحت مسمى “الولايات المتحدة الإبراهيمية”، التي تروجها مراكز الأبحاث الأمريكية البيئية بحجة نقص الموارد وندرتها وتشاركها في ظل الحاجة إلى تكنولوجيا متقدمة لاستغلالها وتنظيم استخدامها، وهي تتوافر فقط في إسرائيل وتركيا.

هنا تكمن الخطورة التي تنتشر على الأرض بفعل قوى متقاطعة ترفع من الأديان شعارًا لها، كالحركة الصوفية الروحية العالمية الممولة من مؤسسات صهيونية مخربة كمؤسسة جورج سورس التي أدَّتْ دورًا بارزًا خلال خراب المنطقة العربية في ما يسمى “الربيع العربي”. هذه الصوفية الروحية العالمية تساوي بينها صراحة وبين الماسونية القديمة، الأمر الذي يرفع الكثير من علامات الاستفهام، وبخاصة في ظل تقاطعها مع عدد من الحركات الصوفية الإسلامية في البلدان العربية، بل وتقديمها لمفهوم صوفي مغاير يسمى المسار المفتوح كمدخل لاستقطاب الشباب، بغض النظر عن إيمانه، فلا تمانع من إلحاده کمسار مفتوح للجميع، وتنتشر شبكيًا عبر عدد من الآليات، منها أصدقاء المسار من الفقراء الذين يتم دعمهم بمبالغ ضئيلة؛ من أجل ضمان ولائهم لضمان قدرتهم على التغيير السلمي عبر ربطهم محليا بشركاء دوليين قادرين على تقديم الدعم والمساندة والتأثير.

لقد توصل الكتاب في حدود ما تسنى للكاتبة بلوغه من معلومات ودراسات إلى جوهر وخطورة هذا الطرح”المشترك الإبراهيمي” باعتباره مخططًا مدعومًا أمريكيًا وصهيونيًا وغربيًا. ولذا فأمام عالم متغیر، في نظام عالمي بدأت تتغير ملامحه، ستكون الممانعة للإرادة الغربية أمرًا مقبولاً، ولكنَّ الأمر يحتاج إلى رفع الوعي بالخطر كي يمكننا أنْ نتحرك سويًا بالتنسيق مع القوى المناوئة للقوى الغربية التي ستؤدي بالوطن العربي إلى الهاوية. بيد أنَّه ينبغي أنْ نعي أنَّ عامل الوقت مهمٌ لإيقاف المخطط الذي بدأ يتكون على الأرض، وكذا للتنسيق والسبق قبل نجاح الغرب في الحصول على تأييد القوى غير الغربية كالصين وروسيا؛ وهو أمر بدأ يتضح جليًّا.

من هنا ترى الباحثة هبة جمال الدين أنَّ المستقبل مرهونٌ بإرادةٍ عربيةٍ رافضةٍ للطرح الإبراهيمي ومُؤيدةٍ لمشروعٍ قوميٍّ عربيٍّ أو عربيٍّ ـ إفريقيٍّ مشتركٍ. كي لا نقبل بالمشترك الإبراهيمي الذي سيصل بنا إلى اتحاد فدرالي إبراهيمي، ثم في النهاية إلى أرض “إسرائيل الكبرى” التي ستحقق معركة هرمجدون، التي تتلاقى مع أهداف الصهيونية المسيحية التي تسيطر على الإدارة الأمريكية والإدارات الأمريكية السابقة وستسيطر على الإدارات المقبلة.

المصدر: عربي21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق