كتاباتكتابات مختارة

الذباب الإلكتروني.. هل يسيء لمكانة السعودية الدينية؟

الذباب الإلكتروني.. هل يسيء لمكانة السعودية الدينية؟

بقلم عادل أعياشي

عندما كانت الأمم السابقة تريد إخضاع أمم أخرى واكتساحَها، كانت تُجيّش لها جيوشاً ضخمة لا يُرى آخرها، فتقتحمُ بلدانها من كل باب لتستولي على كل مراكز القرار فيها، ثم تسيرها بعد ذلك وفق مصلحتها كيف تشاء، وهكذا تتحكم في كل مفاصل الدولة لتنزلَ مشروعها الذي جاءت به. كل هذا أصبح اليوم من درب الماضي، فجيوش اليوم لا تُحدث هديراً ولا تُخلّف وراءها غبارا، جيوشٌ تعمل في صمتٍ مطبقٍ لا تتحرك من مكانها خطوةً واحدة إلى الأمام، والغريبُ في الأمر أنها تقوم بدورها على أكمل وجهٍ وهي مستلقية بمئات الآلاف فوق كراسٍ ثابتةٍ فخمة وأمام شاشات رقمية تحتسي قهوتَها بكل أرْيحية.

أطلَقُوا على هذه الكائنات العجيبة اسمَ الذُّباب الالكتروني، وسُمّيت كذلك لأن هذه الحشرة كما هو معروف لا تتجمع سوى حول القاذورات والتفاهات لتزيد من تعفّنها وتحلّلها، إلا أنَّ الأمر لا يتعلّق هنا بذبابٍ حقيقي، وإنما بذباب إلكتروني افتراضي لا يُهاجم الأجساد ليفتك بها بل يهاجم الأفكار ليُسيطر عليها، فإما أن يُكرّس فكرةً في وسائل التواصل الاجتماعي وينشرها على نطاقٍ واسعٍ فتبدو حدثاً عادياً يُساير المعتقد السائد ويتّفق معه، وإما أن يهاجمها هجوماً شرساً ليُظهرها في مظهر الضعف وليُقلّل من قيمتها فتفقد قوّتها وتأثيرَها على المجتمع.

ويعمل الذباب الالكتروني على تخريب النقاشات الإلكترونية التي تنتقدُ في الغالب الحكومات، برفع مستوى الهجوم الشخصي بألفاظ بذيئة ونعوت مقيتة عبر روبوتات رقمية يصنعها مبرمجون متخصصون، فتبدو كأشخاصٍ حقيقيين يدعمون وجهة نظرٍ لجهات عليا معادية لتوجه الغالبية العظمى، فتُصبح التغريدات التي تنتقد حدثاً معيناً أو قراراً حكومياً مثلاً غارقة في كمٍّ هائلٍ جداً من التغريدات المؤيدة لها.

بهذا الشكل يمكن للذباب الالكتروني أن يُغيّر تركيبة مجتمعات بكاملها ويوجهها وفق المسار الذي يتلاءمُُ ومخطّطات أصحاب القرار، وبالتالي فتأثيرُه بالغُ الخطورة وسريع المفعول ونتائجه قد تُغيّر مجرى التاريخ بأكمله. وظهر ذلك جليا في سوريا طيلة سنوات الثورة، فبمجرّد أن يرتكب نظام الأسد مجزرةً بالسلاح الكيماوي في حق شعبه يتحرك الذباب الالكتروني بآلافِ الحسابات الوهمية ويقوم بإعادة نشر تغريداتٍ مشبوهة من أناس ضد الثورة السورية فحواها أن المجزرة قد ارتُكبت من طرف المجموعات الإرهابية وليس من النظام، مستنداً في ذلك على صورٍ مفبركةٍ وفيديوهاتٍ مزيّفة حتى يتمكن من التأثير على نفسيّة رواد الشبكة العنكبوتية فتَتيقّن نسبةٌ كبيرة منهم أن المجزرة فعلاً ارتُكبت من قبل الجماعات الإرهابية، وهكذا تذهب دماء الأبرياء سدى بسبب هذا الذباب الذي يحرّف الحقيقة ويغير الوقائع باحترافية كبيرة.

مصر صاحبة المائة مليون نسمة تقريبا ينشط فيها الذباب الالكتروني بشكلٍ واسع، وهو أحد الأسباب الرئيسية لسقوط حكم الإخوان وصعود السيسي للسلطة، فبعد ثورة 25 يناير بدأت حربٌ رقميةٌ طاحنة بين المؤيدين للرئيس محمد مرسي والهادفين لإسقاطه، خصوصاً وأنّ هذه الحرب كأي حربٍ أخرى تتقوّى شوكتها تماشياً مع حجم الاستثمارات المالية التي تُضخُّ فيها، لكنّ المفاجأة كانت صادمة حينما تمكنت بالفعل هذه الجيوش الرقمية من تغيير بوصلة الثورة المصرية وإسقاط الشرعية المتولدة من صناديق الانتخابات، فأصبحت فكرة المُنقلب على الشرعية الديمقراطية والمُسيطر على مفاصل السلطة بالحديد والنار وكأنها فكرةٌ استساغها الشارعُ المصري وتقبّلها وتعايش معها في نهاية المطاف، وكل هذا من تأثير الذباب الالكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي الذي لا يتحرّك من منطلق الغيرة على الوطن وإنما سعياً وراء فتاتٍ حقيرٍ أقرب إلى الاستعباد منه إلى المكافأة.

واشتدَّ طنين الذباب الالكتروني بعد حصار قطر، حتى اشتكت منه منظومة الانترنت بكاملها من ضغط التغريدات التي تهاجم كل من ينتقد الحصار أو يدعو لتهدئة الأوضاع بين الطرف القطري والسعودي، إلى درجةٍ أصبحنا فيها نستحي من فتح الانترنت وإلقاء نظرةٍ على مستجدّات الأحداث، أما إن فكّرتَ في ترك تعليق توضّح به رأيك من منظورك الخاص -وهذا حق مكفول للجميع- فانتظر أن تنهال عليك الردود من كل حدبٍ وصوب بالشتم والسباب بشكل فظيع، مجبرين إياك على الانسحاب بهدوء وترك الفضاء لهم وحدهم ليفعلوا فيه ما يريدون، وقد لا نجد إشكالاً في حالِ صدر هذا الخبث اللفظي من إسرائيليين أو حتى أوروبيين وأمريكيين لأننا قد نتفهّم ذلك نظراً للحساسية التي تطبع العلاقات العربية الإسرائيلية من جهة، والعلاقة العربية الأوروبية التي خرجت للتو من استعمار ظالم من جهة أخرى.

لكن أن يصدر هذا من دولة بحجم المملكة العربية السعودية موطن الرسالة المحمدية ومهد الأخلاق والشيم العربية فهذا ما لا يمكن تصديقه، وبدل أن تكون السعودية قدوة لما فيه صلاح الأمة وتوفيقها، تصون كرامتها بين الأمم وتحفظ مكانتها إن مسها أذى من أعدائها، إذا بأفضل أمة أخرجت للناس تنال منها من القدح البغيض والسب الفاضح ما يتردد أصداؤه في أرجاء مكة المكرمة والمدينة المنورة، فتتأذى منه أستارُ الكعبة، ويحزن له الحرم المكي والمسجد النبوي الشريف.

لا أحد يُنكر أن المملكة العربية السعودية كانت قطباً إسلامياً بامتياز، ومركزاً تدور حوله أنظار المسلمين وتطلعاتهم، وبالتالي فالمسؤولية على عاتقها كبيرة في استرجاع ذاك الإشعاع الديني

وكيف لجيلٍ تربى في كنف الذكر العظيم ونفحات القرآن الكريم، بدلَ أن يكون قدوةً لشباب المسلمين في التزامهم وأخلاقهم لقربهم من روحانية المقدسات الإسلامية السمحة أن تصدر منه هذه التهجمات اللفظية الساقطة لتقمع الرأي المخالف وتَقلب الحقائق وتؤثر في الرأي العام وتلعب على أوتارٍ حساسةٍ كالدين والعرق من مكان طاهر يُفترض أن يكون مصدراً للأمن والاستقرار والسلام الداخلي والخارجي، وبدل أن يجيّش المسؤولون هذه الجيوش لنصرة القضية الفلسطينية عبر العالم، ولمؤازرة القضايا العربية والإسلامية المضطهدة فتُؤثر في الإعلام الغربي وتُقربه من الحقائق وتُبعده عن الأكاذيب، تجدها تنساق وراء الانحرافات السياسية والخلافات البينية التافهة فتُستنفذُ طاقات مهمة كان الأولى أن تُستغلّ في ما ينفع الأمة لا فيما يضرها.

لا أحد يُنكر أن المملكة العربية السعودية كانت قطباً إسلامياً بامتياز، ومركزاً تدور حوله أنظار المسلمين وتطلعاتهم، وبالتالي فالمسؤولية على عاتقها كبيرة في استرجاع ذاك الإشعاع الديني الذي طالما احترمناهُ وقدّرناه، وأنا أخشى أن تتراجع مكانة السعودية في قلوب المسلمين فيخلق ذلك حاجزاً بينهم وبين شعائرهم الدينية، والأخطر من ذلك أن ينفلتَ شعورٌ واعٍ ومؤثر إلى الهوية العربية الإسلامية وهو أن السعودية تضع يدها في يد من باعوا فلسطين واحتلوا العراق ودمروا أفغانستان وقطعوا أوصال سوريا، فيتأصل فيها، ثم لا يميزون حينئذ بينها وبين العدو الحقيقي، غير أن تمادي السعودية في سياسة مضطربة غير واضحة المعالم لا على المستوى الداخلي ولا على المستوى الخارجي وسعيها لتشتيت وحدة الأمة وتمزيقها والإيغال في توسيع الخلافات بينها، جعل منها محط انتقادات كبيرة، خصوصا وأنها تُنفق لأجل ذلك الملايير من الدولارات، الشيء الذي يُنبئ بتحولاتٍ استراتيجية فارقة في الشرق الأوسط ستعود بعواقب وخيمة جداً عليها وعلى الأمة العربية والإسلامية برمتها.

(المصدر: مدونات الجزيرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق