كتب وبحوث

التوظيف السياسي للعقيدة .. قراءة في كتاب: ”العقيدة والسياسة” للؤي صافي

قراءة الشيخ أحمد البان

يناقش كتاب (العقيدة والسياسة) للؤي صافي موضوع التوجهات السائدة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر والتي ظلت مشتتة بين ناظر للفكر السياسي الغربي ومتشبث بالتراث السياسي الإسلامي وصاحب نظرية تركيبية بينهما، محاولا من خلال ذلك الوصول إلى قواعد سياسية كلية تقوم على المعيار الإسلامي الذي اجتهد المؤلف في وضعه، ومتصديا لما قد يعترضه من وجهات نظر علمانية تحاول الفصل بين الالتزام الديني والفعل السياسي، وهو في مجمله عندهم ينضم للإسهام في إسلامية المعرفة التي كانت الشغل الشاغل للمعهد وهيئاته.

لكن الإضافة المهمة ـ من وجهة نظري ـ للكتاب هي في فصله الموسوم باسم الكتاب ذاته (العقيدة والسياسة)، والذي قام فيه بتشريح العقيدة كمصطلح تنظيري لاحق وفصلها عن الإيمان كمصطلح قرآني أساس، واعتبار العقيدة ـ بهذا المفهوم ـ ذات علاقة وطيدة بالفعل السياسي، حيث هي الأساس العميق الذي تعتمد عليه الوحدة السياسية للأمة، ومن ثم فدراستها هي المدخل أن دراسة العقيدة وتحديد معناها وعلاقتها بالفعل الأساس لدراسة النظام السياسي الإسلامي.

الإيمان والعقيدة

ينبه لؤي صافي إلى الفرق الجوهري بين مصطلحي (العقيدة والإيمان)، مقررا أن القرآن استخدم مصطلح الإيمان بدل العقيدة، وأن مصطلح العقيدة لم يظهر إلا في القرن السادس الهجري حين ظهرت كتب كلامية تحمل اسم العقيدة مثل:(العقيدة الطحاوية ـ الواسطية إلخ).

فالمصطلح القرآني المتعلق بتصديق تعاليم السماء عبر عنه بالإيمان ومادته، غير أن العقيدة في اصطلاحه تعني “منظومة من المفاهيم والتصورات”، فالعقيدة في تعريفه إذن عمل اجتهادي يتكئ على الوحي وليس هو الوحي نفسه، ولا يعني تأخر مصطلح العقيدة كون من قبل القرن السادس ليست لديه تصورات كاملة ومفاهيم واضحة بل كان حسهم الإسلامي السليم كافيا لجعلهم جماعة واحدة.

لكن طريقة تلقي العقيدة بالنسبة للصحابة والتابعين كانت مختلفة، حيث إن “استبطان الصحابة للتصور الإسلامي لم يتم من خلال عمل فكري تنظيري بل عبر معايشة يومية لنصوص الوحي، وحوار مستمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

كما يعرج الكاتب على الفرق بين العقيدة والمعارف النظرية، فيقول:(الفرق بين العقيدة والمعارف النظرية من حيث البنية المعرفية ولكنهما تختلفان من حيث درجة القطع واليقين في صدق التصورات المعرفية، إن الاختلاف بينهما لا يرتبط بمحتواهما الموضوعي، بل بالبعد الذاتي النفسي للناظر أو المعتقد، فالمعتقد متيقن بصدق ما عرف، جازم بتحققه”.

العقيدة دافع سلوكي

ويؤسس الكاتب لفكرته في الارتباط بين العقيدة والسياسة بأن العقائد ليست تصورات معرفية مجردة بل هي معارف يقينية تنبني عليها سلوكيات وتصرفات ومواقف،”إن الإيمان باليوم الآخر ليس معرفة نظرية كالتيقن بحركة المجرات أو احتراق النجوم، بل هي معرفة تتعلق مباشرة بمسؤولية الإنسان عن أفعاله المكتسبة في زمن وجوده الدنيوي، وتحمله لتبعاتها يوم معاده”.

ويضيف بعدا آخر للعقيدة يربطها أكثر بالفعل السياسي حيث يرى:” إن أهمية العقيدة لا تتأتى، من منظور التحليل السياسي، من اعتبارها القاعدة الذهنية التي يقوم عليها الفعل الفردي، بل من كونها الشرط الضروري واللازم لقيام أي مشروع جماعي”.

وفي تدليله على هذه المسألة يقوم الكاتب بعملية تحليل عميقة للدوافع التي حركت الصديق لقتال مانعي الزكاة، مقررا منذ أول وهلة أن “مسألة مواجهة مانعي الزكاة ليست مسألة كفر وإيمان ـ كما تصورها البعض ـ بل هي مسألة التأسيس لنظام سياسي يقوم على أساس عقدي مختلف تماما عن الأساس الذي يقوم عليه النظام القبلي الجاهلي”.

إن الأرضية التي انطلق منها الصديق لمحاربة مانعي الزكاة ليست متعلقة بكفر المانعين، بل هي ذات بعد استراتيجي سياسي محض، ولذلك لم يناقش الصديق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما حين اعترض عليه في بداية الأمر قائلا:”كيف تقاتل قوما شهدوا أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله!”.

العقيدة بين المعرفة النظرية والتوظيف السياسي

إن العقيدة كما سلف  ليست مجرد معارف نظرية بل هي توليفة من المعارف النظرية والمواقف السياسية والقضايا الراهنة، فالنص يوجه الفعل الفردي والجماعي للمسلم من خلال الفهم والتفسير المستنبط من النص ولكن هذا الفهم والتفسير غير مستقل عن طبيعة المشكلات العملية القائمة وطبيعة الظروف المعرفية والسياسية السائدة، ولذلك فإن المتتبع لكثير من مبادئ الفرق العقدية يلاحظ علاقتها بالظروف والمشاكل والتجاذبات التي كانت قائمة حين نشأتها، أو التي رافقتها بعد ذلك، ودفعت إلى توظيف العقيدة من أجل الحشد والتعبئة السياسيين.

فمثلا، ادعاء الخوارج أن الولاء لإمامهم من أركان عقيدتهم وإصرارهم على هجرة أتباعهم إليه وتكفير مخالفيهم هو نوع من التعبئة والحشد السياسي وتبرير التصفيات السياسية تحت غطاء العقيدة.

وكذلك الشيعة كثير من معتقداتها طورت لتحقيق أغراض سياسية، فـ “استخدام الشيعة الوصية والنص كمبدأ لتعيين القيادة السياسية بدلا من الاختيار، يعود إلى رفض الاجماع السني الذي بارك اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقولهم بعصمة الأئمة نابع من الحاجة إلى إضفاء الشرعية المطلقة على أقوال الأئمة التي تشكل العصب الرئيسي الذي يقوم عليه البناء التصوري الشيعي”.

هل الانقسام العقدي قرين الانقسام السياسي؟

صحيح أن “تساوق الانقسام العقدي في الأمة مع بدية الصراع السياسي العسكري بين مختلف الفرق الإسلامية التي برزت منذ ذلك الحين ذو دلالة بالغة على العلاقة بين الاختلاف العقدي والانقسام السياسي”، فلم يظهر الخوارج والشيعة في فترات حكم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بل ظهرتا مع أيام الفتنة ثم في أيام خلاف علي ومعاوية رضي الله عنهما.

لكن وثيقة المدينة وما وضعته من مبادئ للتعايش السلمي بين مكونات اجتماعية متحاربة أصلا ومختلفة عقديا (مسلمون ـ يهود) تدل على إمكان قيام تعايش سلمي بين الفرق المتغايرة عقديا وسياسيا تحت نظام سياسي واحد، وأن الاختلاف العقدي وإن كان سببا للتنازع فإنه ليس دائما مدعاة للصراع.

وفي مبادئ الإسلام ما يؤكد أن السلاح الإسلامي غير موجه إلى الفكر العقدي المغاير بل إلى العدوان الفعلي الذي يمارسه البعض ضد مبدأ حرية العقيدة وحرية الدعوة إليها، وفي محاورة أبي بكر وعمر بشأن قتال مانعي الزكاة والمرتدين ما يدل على أن المسألة كانت واضحة في تصور الصحابة.

كما أن أمر القرآن بالقسط والبر بالمخالف في العقيدة يؤسس هذا المعنى ويرفده بمعان اجتماعية أخرى تدعو لالتحام أكبر بين تلك المكونات عبر الإحسان المتبادل، وكذلك التزواج (زواج المسلم من الكتابية) وحماية العهد والذمة وخطر خفرها.

الأغوار البعيدة للعقيدة

يقول الكاتب إن تفسير الاختلاف العقدي بالعامل الوحيد يسبب اختلالا في التصور ومن ثم خللا في القدرة على ترتيب العلاقة الودية بين أصحاب الاختلافات العقدية، وعن طريق تحليل خارطة الانتماءات القبلية للخوارج وتحليل المبادئ الأساسية لفكرهم يقرر أن صراع الخوارج مع السلطة منذ علي بن أبي طالب وحتى آخر من قاتلهم من الأمويين لم يكن سوى”يقظة الروح القبلية تحت قناع النقاء العقدي والطهارة الدينية”.

يشترك الخوارج في انتمائهم إلى قبائل نجد والأحساء التي أقامت في الشمال الشرقي من جزيرة العرب، وتميزت ببأسها وقوتها العسكرية، وبتاريخ طويل من الصراع المسلح فيما بينها ومع جيرانها.

إن العقيدة هنا هي مجرد أداة للتوظيف السياسي لا غير، ولذلك ظل سلاح التكفير مشهرا بين السلطة والمعارضة، لأن السلطة تريد من خلال إلصاقه بخصومها أن تبرر قمعهم والمعارضة تريد أن تنزع به الشرعية عن السلطة.

إن المعالجة التي يقدمها الكاتب في هذا الفصل يمكن أن تسهم في دراسة كثير من الظواهر الدينية المعاصرة، والتي يجنح الإعلام التبسيطي غالبا لقراءتها من زاوية واحدة تركز على الشكل والفعل، وبالتالي يظل المهتمون عاجزون عن إيقاف مدها لأنهم لم يستطيعوا فهم ما وراء الظاهرة والفعل.

فمتى سندرس ما وراء العقيدة ؟

(المصدر: إسلام أونلاين)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق