كتاباتكتابات المنتدى

الأولويات في ساحة الأمة (4) – د. محمد يسري إبراهيم

الأولويات في ساحة الأمة (4) – د. محمد يسري إبراهيم

 

(خاص بالمنتدى)

 

رابع الأولويات في ساحة الأمة: ‏استعادة التيار العام في الأمة:

وذلك باستعادة وجود هذا التيار وتأثيره وإدارته، وهو إنما يتحقق بتقارب الدعوات والتجمعات والشخصيات السنية، برؤاها وأفكارها النظرية، وتوجهاتها العملية، لتنسق في الشأن العام مواقفها، وتوجه من خلال المؤسسات الجامعة طاقتها؛ لتحمي ثوابت الملة، وأصول العقيدة والشريعة.

‏إن للتيار الإسلامي العام مؤسساته المجتمعية، التي حمت الأمة في معظم تاريخها المجيد من تغول حاكم، أو تسلط طائفة متغلبة.

ومؤسساته في العلم والفتيا والدعوة والاحتساب، وفي الصناعة والاقتصاد والإعلام، كما هي في السياسة والإدارة، والتكافل ورعاية المحتاجين والوقف، وصناعة الكفاءات في كل ميدان.

‏ومن أسف فإن الاستعمار ما عمل على شيء كما عمل على تمزيق تيار الأمة الجامع، وإضعاف رأيها العام، بحيث تسلط على كثير من المؤسسات فأضعفها:

  • بنقل تبعيتها للدولة العلمانية القومية.
  • وبالقضاء على موردها المالي المستقل وهو الأوقاف.
  • وبسن القوانين التي تمنعها من أداء رسالتها.
  • وبتولية غير الأمناء ولا الأكفاء عليها!

‏واستعادة وجود وتأثير التيار الإسلامي العام هو في الحقيقة تفعيل لعقيدة الولاء بين المسلمين، وتربية على الولاء لأهل السنة، مع الاختلاف في المنحى العملي، والاهتمام الدعوي.

‏فهو تعزيز لفقه الاجتماع، وتربية للأجيال على التصالح والوفاق.

قال تعالى:

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
(49 : 10)
[الحجرات:10].

وتحذيرًا من مغبة‏ المخالفة قال تعالى:

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌۭ كَبِيرٌۭ
(8 : 73)
[الأنفال:73].

‏وإيجاد تيار الأمة الجامع اليوم فريضة على كل مسلم، وقد ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة، قال تعالى:‏

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
(3 : 103)
[آل عمران:103].

‏والولاء بين أهل الإيمان لا تقطعه راية دعوية، ولا انتماءات حزبية، ولا تكدره اجتهادات إصلاحية.

‏والانتماء للأمة وإلى السنة مقصد وغاية، تقدم على الانتماء لجماعة ودعوة إذ هو وسيلة.

‏إن التيار الإسلامي العام يمثل ضرورة واقعية عملية لمواجهة تحديات صهيونية، وصليبية، وعلمانية، ورافضية، ومشاريع تجزيئية، تضرب بقوة في تماسك المجتمعات، وتهدد الجماعات والدول على حد سواء!

‏ومن دروس الواقع السني وعبره: ‏أنه لا انفراد لطائفة أو حزب مهما بلغت قوته بالتمكين وإقامة الدين.

إن التيار الإسلامي العام يمثل تجديدًا دعويًا للخروج من مأزق وأزمة، وكما مثلت فكرة العمل الجماعي بعد سقوط الدولة العثمانية الجامعة حلًّا تجديديًّا؛ فكذلك التيار العام يمثل تجديدًا مستحقًا في العمل الجماعي، وتطويرًا في الجهد الدعوي، وتقوية لجانب الولاء للحق، وتغليبًا لمصالح الأمة، وتنمية لفقه التطاوع بين أهل السنة.

‏إن التيار العام يضبط التعددية في الساحة الدعوية والسياسية على حد سواء؛ ليكون التعدد نعمة لا نقمة، تتعدد معه أسباب القوة، من غير أن تتفرق به الكلمة في مهمَّات الأمة! ‏ويمنع من تغليب مصالح جزئية على المصلحة الكلية، ويمهد لاجتماع كلمة أهل الحل والعقد في كل بلد من كل عالم متبع، وذي أمر مطاع.

‏وهكذا فإن الطاعات الجماعية على مستوى الأمة لابد لها من اجتماع العقول والسواعد والأموال في إطار من مؤسسات التيار العام في كل بلد وإقليم؛ وبهذا تخطو المجتمعات المسلمة بإيجاد التيار الإسلامي الجامع في كل بلد خطوة مهمة في طريق الأمة الواحدة.

قال تعالى:

ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ
(22 : 40)
[الحج:40].

‏وصفوة القول: إنه كما على الأفراد والكيانات السعي في تحقيق اجتهاداتهم الإصلاحية، فإن على الجميع واجبًا مهمًا في إقامة التيار العام الجامع لأهل السنة، وإدارة مؤسساته وأعماله ونشاطاته المشتركة، التي تقوي جانب المحبة والنصرة والولاء بين أهل الإسلام والسنة وتدفع عن البلاد والعباد الفتن والمحن.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق