كتاباتكتابات المنتدى

الأمير عبد القادر الجزائري (رحمه الله) … الأمير المصلح في ذكرى وفاته

الأمير عبد القادر الجزائري (رحمه الله) … الأمير المصلح في ذكرى وفاته

 

بقلم د. علي محمد الصلابي (خاص بالمنتدى)

 

توفي الأمير عبد القادر الجزائري في عام 1300 ه/ 26 مايو 1883م، ودُفن في حي الصالحية بدمشق (رحمه الله تعالى)، ويصل نسب الأمير عبد القادر بن محيي الدين بن مصطفى بن محمد بن مختار الجزائري إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد كانت أسرة الأمير عبد القادر تعتز بامتداد حلقاتها إلى هذا المعدن الشريف، ففي القرن الثامن هاجر إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ إلى المغرب، هارباً من بطش العباسيين، وأنشأ دولة الأدارسة وعاصمتها فاس، ودام حكمها حتى النصف الثاني من القرن الثاني عشر. وبعد أن سكنت بعض سلالات العائلة الكبيرة الأندلس، انتقل أحد أجداده عبد القوي الأول في نهاية القرن الخامس عشر ـ بعد سقوطها عام (1492م) ـ واستقر بقلعة بني حماد قرب سطيف. (حوار مع الأمير عبد القادر ص 9)

وذكر محمد محمد الجوزي أن عبد القادر بن أحمد المعروف بابن خده ـ وهي مرضعته ـ كان حاكماً لمناطق غريس، عالماً مهيباً فقيهاً تولى الرئاسة بعد موت من خلفهم من أجداده الأدارسة، وألف كتباً كثيرة، وتوفي رحمه الله في القرن العاشر للهجرة، وأما جده مصطفى فقد أسس الزاوية القادرية، نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، بعد أن زار مدينة بغداد عام (1791م). واشتهرت أسرته بالورع، وكانت قدوة للناس في الجهاد والعلم، وتوفي جده مصطفى بعين غزالة، قرب مدينة درنة في إقليم برقة شرق ليبيا عام (1797م) عند عودته من الحج، ودفن في نفس المكان وما يزال قبره معروفاً حتى الان.

ولد والده محيي الدين بقرية القيطنة عام (1776م)، ودرس على يد أبيه مصطفى، وورث عنه مشيخة الزاوية القادرية، واشتهر والده بسداد الرأي، وغزارة العلم، وقاوم ظلم بايات الغرب الجزائري منذ عهد علي قارة الذي حكم من عام (1812م) إلى (1817م). واخرهم حسن بن موسى الذي حكم من (1827م) حتى (1830م).

مولده ونشأته:

ولد في (25 سبتمبر 1807م) في قرية القيطنة، وأمه السيدة بنت عبد القادر ابن خدة، وهي تنحدر من بيت علم وتقوى، من أولاد سيدي عمر بن دوحة، تلقى دروسه الابتدائية في مسقط رأسه تحت إشراف والده ؛ الذي بذل قصارى جهده، ولم يدخر جهداً في سبيل ذلك، فأخذ منه القراءة والكتابة وأتقنها في سن مبكرة جداً، ولفت نظر والده ذكاؤه ونبوغه، وختم القرآن الكريم قبل أن يبلغ الحادية عشرة، وأصبح فارساً يشار إليه، وبرع في تلقي العلوم التاريخية والفلسفية والفقهية، وتعلم مبادئ شتى العلوم اللغوية والشرعية، ونال درجة الطالب، وكلف بتحفيظ القرآن للأطفال، وإلقاء الدروس والتفسير في الزاوية. ومن أجل إتمام دراسته

سافر عام (1821م) إلى مدينة أرزيو الساحلية ؛ التي تقع شمال مدينة معسكر، على بعد حوالي سبعين كيلو متراً، وذلك على يد القاضي الشيخ أحمد بن الطاهر البطيوي ؛ الذي كان مشهوراً بغزارة العلم وسعة الاطلاع، وبعدها رحل إلى مدينة وهران إلى مدرسة العالم الفقيه أحمد بن خوجة، صاحب رائعة در الأعيان في أخبار وهران، وتوسع في المعارف اللغوية والفقهية والنحو والبيان والفلسفة والمنطق وصقل ملكاته الأدبية والشعرية، واجتهد في حضور حلقات العلم لعلماء وهران، مثل الشيخ مصطفى الهاشمي والشيخ بن نقريد، وقضى عامين كاملين في هذه الرحلة العلمية، وعاد إلى مسقط رأسه وتزوج بابنة عمه الانسة خيرة بنت أبي طالب عام (1823م) وأقام في القيطنة معلماً. (حوار مع الأمير عبد القادر ص 92)

وكانت له رحلات علمية للقرويين والزيتونة، وكانت البيئة التي عاش فيها بيئة إسلامية وتربوية إيمانية واجتماعية متماسكة، وفي ظلها تكونت شخصيته، وهي التي أثرت في تكوينه النفسي والجسماني والفكري والاجتماعي والسياسي، وهذا التكوين يعود إلى عوامل منها:

ـ العامل الوراثي والبيولوجي والعقلي للأمير.

ـ البيئة الثقافية والاجتماعية التي نشأ في ظلها وعاش فيها.

لقد سمع الأمير عن ذلك التصوف من والده الذي لا شك قد حُفر في ذاكرته، وهو محاربة والده لأصحاب الطرق الصوفية الشاذة.

فقد جاء في كتاب تحفة الزائر: أصل ابن الشريف من الكسانة قبيلة بوادي العبد قرب غريس، أخذ العلم في صغره عن سيدي محيي الدين في مدرسة القيطنة ثم رحل إلى المغرب الأقصى ولقي الشيخ العربي الدرقاوي، وسلك طريقته وقفل راجعاً إلى وطنه، وجاء إلى حضرة سيدي محيي الدين زائراً، وفي بعض الأيام تكلم بحضرته بما يوجب تأديبه شرعاً، فأدبه سيدي الجد بالسياط واستتابه. (تحفة الزائر، محمد باشا (1/75 ـ 76)

فهذا الحادث التاريخي ليس دليلاً فقط على منزلة والد الأمير عبد القادر ومكانته الاجتماعية والدينية، إنما هو دليل على الوقوف في وجه أصحاب الطرق المنحرفة، ومحاربة البدع ومحاربة الابتعاد عن الشرع والسنة والإجماع، والأمير عبد القادر أيضاً أثناء حكمه وفي عهد دولته حارب أصحاب الطرق المنحرفة، ووقف في وجه نشر دعوتهم وفضح أمرها. (فكر الأمير عبد القادر ص 68)

فالطرق الصوفية في شمال إفريقيا أحد الروافد الثقافية والفكرية، وقد تعامل معها العلماء وفق المعايير العلمية القائمة على العلم والإنصاف في الأفراد والمناهج، لقد كان السيد محيي الدين والد الأمير عبد القادر من الشخصيات المهمة في التأثير على ابنه الأمير، وكان رجلاً مهاباً محترماً، ليس لكونه قادرياً كما تردده أقلام الدعاية ـ فقط ـ وإنما لكونه عالماً فقيهاً وحكيماً وشجاعاً، امتاز بالأخلاق الإسلامية، والصفات الحميدة، والنبل الكريم، وعلو منزلته العلمية، وهيبة قبيلته بني هاشم التي يمتد نسبها إلى الإدارية وحتى عند ولاة العثمانيين كانت له منزلة خاصة، وكان مرهوب الجانب من قبلهم جميعاً بدافع تقدير ومحبة، فأمر طبيعي ظهور هذه الاثار الوراثية على أولاده، ومنهم الأمير عبد القادر، فقد برزت هذه الاثار على الأمير في سن مبكرة، من ذكاء ومواهب فكرية وسرعة بديهة وشجاعة ومهارة بفنون الفروسية، من ركوب الخيل والسباحة واستعمال السيف، إلى جانب نفس أبية وإيمان قوي ومحبة وجدانية وعقلية لخالق هذا الكون ومبدع تلك الطبيعة الغناء التي نشأ في أحضانها، فالحياة البسيطة في هذه المزرعة والمناخ السياسي الذي نشأ فيه، كان صحياً ومتماسكاً في جزء من دولة كبرى أمنت الاستقرار والازدهار للجزائر وحاربت البدع وأصحابها.

شهادة العلماء فيه وصلته بزعماء العمل الإصلاحي:

شهد المؤرخون والعلماء من أمثال مفتي المالكية العلامة محمد عليش وولده الشيخ الأزهري عبد الرحمن عليش، والعلامة عبد الرزاق البيطار وحفيده الشيخ محمد بهجة البيطار والعلامة جمال الدين القاسمي، ومفتي الحنابلة الشيخ محمد جميل الشطي، واخرون كثر شهدوا للأمير عبد القادر الجزائري بالفضل والديانة والغيرة على دين الإسلام، وأشادوا بحرصه على إقامة أحكام الشريعة وحدودها، وسعيه الحثيث لنشر علوم الدين، كما كان للأمير دور كبير في إحياء وتجديد فريضة الجهاد ورفع رايتها إلى جانب بعث علوم الحديث النبوي الشريف ونشرها، والحث على العمل بها، والسعي في القضاء على البدع ونبذ التقليد الأعمى الممقوت، والدعوة إلى استعمال العقل والنظر في فهم ونشر مختلف العلوم. (حوار مع الأمير عبد القادر ص 182)

فالعقل مناط التكليف ومحور الثواب وأساس النقل، ولا تعارض بين العقل والنقل، ولا يمكن للإنسان المخلوق في هذا الكون أن يدرك بعقله وبنظرياته وفلسفاته أسرار الحياة والكون ووجوده وخباياه وبداية خلقه

والسبب من ذلك وفناءه ؛ بالعقل وحده، فكل ما يتصل بمسائل الغيب والعقيدة عن الله والملائكة والكتب السماوية والرسل واليوم الاخر والقضاء والقدر وغايات الحياة وأسرار الكون، ليس له مصدر إلا وحي الله المنزل، القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين، وأما عن علاقة الأمير بزعماء الإصلاح والتجديد، فقد كان مواكباً للتطورات التي حدثت في عهده، وتواصل مع شخصيات إسلامية لها مكانتها في الجهاد والإصلاح، أمثال الشيخ كامل الداغستاني، وخير الدين التونسي، والشيخ محمد عبده الذي يبدو أنه جالس الأمير عدة مرات، عندما كان الشيخ منفياً في بيروت، ولاشك أن الشيخ محمد عبده تحدث مع الأمير عن التجديد والإصلاح، وعن جمال الدين الأفغاني وجمعية العروة الوثقى.

وأما ميل الأمير للإصلاح الإسلامي فيظهر في الرسائل المتبادلة بينه وبين خير الدين باشا التونسي صاحب كتاب «أقوم المسالك» فقد أهدى خير الدين كتابه إلى الأمير عبد القادر، فقرأه وأعجب بمحتواه واراء صاحبه، ثم وجه خطاب شكر وإعجاب إلى خير الدين، والعبارات التي وردت في هذا الخطاب تصور رأي الأمير في مفهوم الإصلاح الذي دعا إليه خير الدين، فبعد أن عبر له عن شكره لدفاعه عن الشريعة الإسلامية وصلاحيتها للحكم لكل زمان ومكان، قال: وقد اطلعنا على «أقوم المسالك» فرأينا فيه ما بهر العقول، وأدى الأفكار إلى الذهول من قضايا المعقول، فاتفقت القلوب على تفضيله، واختلفت الألسنة في تمثيله، أما نحن فقد تركنا التشبيه وقلنا: ما له في فنه مثيل ولا شبيه، كتاب تنفس الدهر به تنفس الروض في الأسحار.. يزرى بتاج تراجم الأعيان وكأنه مراة انعكست فيه رسوم أخبار الملوك وأفاضل الزمان، فاتخذته مرتع ناظري، ومنتعش خاطري، ولا يخفى أن لكل عصر رجال يقومون بأعبائه ويهيمون في أودية أنبيائه.. فلله درُّك ودرُّ ما به ألمعت، وما قربت من فنون المعارف وبعدت، ثم إنك حميت ضمار الشرع المحمدي وعضدته، وقطعت عنه ضرر الملحدين وخضدته. ورغم هذا السجع والعناية بالبديع فإن رأي الأمير يتلخص في الإعجاب بالكتاب، للأسباب التالية:

ـ دفاع صاحبه عن صلاحية الشريعة الإسلامية للحكم في كل زمان ومكان.

ـ اهتمامه بقضايا المعقول والمنقول، وفنون المعارف العصرية والإشارة إلى أن لكل عصر رجالاً يقومون فيه بدور الدعاة إلى الله.

ـ كونه كتاباً نادراً في أخبار الملوك وأفاضل الزمان ـ مسلمين وأوروبيين ـ لذلك اتخذه الأمير منتعش خاطره، وهو تعبير لماح وكاشف عما نحن بصدده. (حياة الأمير عبد القادر، تقديم أبو القاسم سعد الله ص 15)

المراجع:

  • حوار مع الأمير عبد القادر، د. عبد الكريم منصور بن عوف.
  • فكر الأمير عبد القادر، للأميرة بديعة الحسني الجزائري.
  • تحفة الزائر، محمد باشا.
  • حياة الأمير عبد القادر، شارل هنري، تقديم أبو القاسم سعد الله.
  • كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي، د. علي محمد الصلابي، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، 2015م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق