كتابات

إسلاميو المغرب.. ثورة هادئة وتجربة فريدة

حقق حزب العدالة والتنمية الإسلامي فوزا كبيرا بسيطرته على مقاعد جميع المدن الكبرى بالمغرب، في نتائج وصفها رئيسه عبد الإله بنكيران بالمذهلة.

وتشكل تجربة الإسلاميين في المغرب علامة فارقة، إذ انخرطوا في معارضة من داخل النظام إبان ما يسمى بالربيع العربي، وهو الأمر الذي كفل لهم حصد المزيد من النجاحات.

وعلى الرغم من أن الحكم يتركز بالمغرب في القصر والدوائر المرتبطة به، لكن التجربة تؤشر إلى أن الإسلاميين استطاعوا تحقيق جزء هام من برنامجهم، والحصول على المزيد من ثقة السلطة والشعب معا.

وحقق العدالة والتنمية برئاسة بنكيران نجاحات متتالية ضد خصومه الليبراليين واليساريين، من خلال خطابه الجريء والذي يحظى بشعبية كبيرة، مما أفشل سياسات وقف المد الإسلامي بالمغرب، وجعل التجربة مثالا قد يستحق البحث لدى الإسلاميين في باقي البلدان العربية.

وجهة النظر السابقة لاقت تأييداً من الإعلامي المغربي و الناشط الحقوقي علي أنوزلا، الذي اعتبر أن النتائج التي حققها الإسلاميون في الانتخابات تعكس فشل سياسات محاربة الإسلاميين، ومحاولات وقف انتشارهم

هو انتصار رمزي، هكذا يراه “أنوزلا”، الذي أشار إلى عوامل أخرى من مثل ما وصفه “غباء الأحزاب المساندة للسلطة، وضعف خطابها وغياب رؤيتها”، أدت إلى تقدم الإسلاميين المغربيين .

هي ثورة هادئة إذن، ذات استراتيجية متوازنة اتبعها إسلاميو المغرب وكل ما سبق، مؤشرات موضوعية بالنسبة للنخب العربية، ساهمت في صنع فوز مستحق لهم .

بيد أنّ نجاح التجربة الإسلامية في المغرب دون سواها في الأقطار العربية الأخرى، فتح باب المقارنة واسعاً .

يعزو زعيم “حزب العدالة والتنمية”، رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، نجاح حزبه إلى الدور الذي لعبه ولا زال العاهل المغربي الملك محمد السادس في رعاية التجربة الديمقراطية وتطويرها في المغرب .

مثل هذا الخطاب، غير مألوف في تصريحات التيارات الإسلامية، التي عادة ما تقف في طرف استقطاب معارض لأنظمة الحكم العربية .

بنكيران لا يبدو مداهنا حين ينسب الفضل في تقدم حزبه إلى “أمير المؤمنين”، في إشارة إلى الملك محمد السادس، الذي استجاب لحراك الشارع ورعى التجربة الديمقراطية، على حدّ قوله.

الإسلاميون في المغرب كما غيرهم في أنحاء الوطن العربي، عانوا من إعلام ظالم ومناورات كثيرة، يبين أصحاب الرأي، لكنهم بنوا علاقاتهم على التفاهم مع المؤسسة الملكية، وهو ما أسهم على الأقل في عدم الانحدار إلى مآلات الإسلاميين ومصائرهم في باقي البلدان في السنوات الأخيرة .

وهذا ما تتفق فيه صحيفة “القدس العربي”، في رأيها المنشور أمس الأحد، حين تقول “يُحسب لـ(المخزن المغربي) أو (الدولة العميقة)، كما يسميها البعض، أنه كان الأكثر جرأة والأسرع مبادرة من كل الأنظمة العربية في إدراك العلاقة العميقة بين المد الثوري العربي وبين الحاجة لفكّ الحصار الخانق ضد الاتجاهات الإسلامية، فقد ربطت الجماهير العربية بشكل فطري بين تردي شؤونها الاقتصادية والاجتماعية، واحتكار نخب وأحزاب بعينها للسلطات التنفيذية، وما عناه ذلك من إقصاء وقمع تعرّض له الإسلاميّون”.

وتضيف أن “السماح بانتخابات ديمقراطية كان الأسلوب الأمثل لإعطاء الإسلاميين حقّهم في تحمّل مسؤوليات تنفيذية، وتحمّلهم، بالتالي، لحملات المعارضة السياسية والشعبية ضدهم، وهو ما انعكس صعوداً لخصومهم في تونس، وتراجعاً لهم في الانتخابات البلدية المغربية التي حلّوا فيها في المركز الثالث “.

عمل المغرب إذن، على فتح المجال لإدماج الحركات الإسلامية الإصلاحية في العمل المؤسساتي على عكس الدول الأخرى التي تعاملت بمنهج استئصالي، ولم تفتح هذا المجال إلا متأخرة ومنها من لم تفتتحه حتى باغتتها الثورات الهادرة (تونس، ليبيا)، رغم ما سُجل من تضييق وتشديد للخناق في لحظات معينة.

وهكذا تجسدت  قناعة المغرب – في نظر متابعين – باستقلالية البناء الوطني والتاريخي عما يحدث في المشرق دون انفصال عن العمق العربي والإسلامي للمغرب والتأثر الإيجابي مع الأحداث والمعطيات التي تظهر في المشرق، وقد اتضح هذا المنهج جليا في تعاطي الدولة مع رياح الربيع الديمقراطي حين تجاوب بطريقة إيجابية مع الحراك الذي أطلقته تظاهرات 20 فبراير، كما برز هذا المنهج بعد ذلك حين مضت دول المشرق العربي في الانقلاب على منجزات الربيع الديمقراطي وتم إسقاط الحكومات المنتخبة في تونس ومصر وإجهاض الثورات التي لم تكتمل في اليمن وليبيا وسوريا، في حين ظل المسار المغربي محافظًا على تماسكه واستقلاليته عما حدث تجاه إسلاميي المشرق رغم محاولات بعض القوى السياسية تقليد الانقلاب المصري، لكنها اصطدمت برغبة الدولة في الإصلاح تكريسًا للاستثناء المغربي.

ويحلو للبعض التذكير بجملة التقارير الدولية والوطنية، التي توالت مع نهاية سنة 2014 وقدوم سنة 2015، وتبشر المغاربة بتحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

هذه التقارير – متعددة المصادر – أكدت ارتفاع منسوب الثقة في التجربة الإصلاحية التي انطلقت في المغرب منذ ثلاث أو أربع سنوات خلت، حين استقبل المغاربة – في عمومهم – رياح الربيع العربي بطريقة خاصة أطرها شعار “الإصلاح في ظل الاستقرار”.

ومن أهم هذه التقارير الجديرة بالملاحظة، ذلك الذي صدر عن مؤسسة “Heritage” بشراكة مع صحيفة “وول ستريت” الذي أكد أن المغرب يتقدم بـ 14 رتبة في مؤشر الحرية الاقتصادية العالمي، إذ احتل الرتبة 89 عالميًا من أصل 178 دولة في مؤشر الحرية الاقتصادية العالمي لسنة 2015، عوضًا عن الرتبة 103 التي سجلها خلال السنة الماضية، كما صنف المغرب أيضًا في المرتبة التاسعة من أصل 15 بلدًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد أن كان يحتل المرتبة العاشرة سنة 2014، فيما حافظ على المرتبة الأولى على مستوى المغرب العربي.

وقد أثارت هذه التقارير المتواترة والمتقاربة عدد من الأسئلة في قراءتها لمسار التحول الجاري، إضافة لاستقرار النموذج الإصلاحي المغربي،  مقارنة بما أفضت إليه ديناميات التغيير في دول الربيع الديمقراطي، وأغرت عددًا من الباحثين إلى ضرورة فهم أسرار هذا النجاح المتدرج، والذي بات يجترح نموذجًا صاعدًا في الإصلاح والنهوض .

المصدر: الاسلام اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق