كتب وبحوث

أثر تولية “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه “الشفاء” -رضي الله عنها- السوق

أثر تولية “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه “الشفاء” -رضي الله عنها- السوق

اسم البحث: أثر تولية عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الشفاء- رضي الله عنها- السوق؛ دراسة نقدية وفقهية.

اسم الكاتب: محمد عبد الرؤوف القفاش.

عدد الصفحات: 21 صفحة.

إنّ للخبر المشهور المتداول بين الباحثين أنّ عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ولّى الشفاءَ- رضي الله عنها- حسبةَ السوق أهميةً كبيرة في الفقه الإسلامي، سواءً القديم منه والحديث، فإنّ هذا الأثر هو أحد أعمدة أدلة القائلين بجواز تولي المرأة القضاء في الإسلام، وهو مذهب منسوب لبعض أهل العلم، وقد طار به كثير من الكائدين للإسلام من العلمانيين والليبراليين، وكأنهم من شدة تطبيقهم لأحكام الدين تمسكوا بهذا الأثر حرصًا منهم على إتباع آثار السلف، وليس الأمر كذلك فهؤلاء أبعد الناس عن التمسك بما عُلم من الدين بالضرورة فضلاً عن واجبات الدين وسننه، وما بهم إلا كيد الإسلام ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

والأثر موضع الدراسة رواه الإمام ابن أبي عاصم (ت: 287)، في “الآحاد والمثاني”، ولفظه: “أَنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ الشِّفَاءَ عَلَى السُّوقِ، قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ امْرَأَةً اسْتَعْمَلَهَا غَيْرَ هَذِهِ”.

وليس غرض هذا البحث أولئك الكائدين المعاندين لشرع الله، وإنما يخاطب بالأساس المسلمين الذين يخضعون لشرع الله تعالى، لبيان الحق في المسالة، وحتى لا يغتر أحد وينخدع بتقريرات المجوزين لمسألة ولاية المرأة للقضاء.

وعليه يسعى هذا البحث لمناقشة أثر تولية عمر بن الخطابِ- رضي الله عنه- السيدةَ الشفاء- رضي الله عنها- للسوق، من حيث السند والمتن، وهل يثبت الأثر من الناحية التاريخية أم لا؟، وما هي طبيعة هذه الولاية؟، ثم هل يصح الاستدلال به على جواز تولي المرأة القضاء؟

وعليه جاء هذا البحث موزعاً على عدة عناوين أساسية، متبعاً إياها بخاتمة جمع فيها أهم ما توصل إليه من نتائج، على النحو التالي:

دراسة الأثر من حيث السند:

ذكر الباحث الأثر موضع الدراسة، ثم قام بدراسته من الناحية الحديثية، فخرَّج الأثر بذكر مواضعه في مظانه، ثم ترجم لرواته، ثم أتبع ذلك بذكر علة السند، فذكر علتين، أما الأولى فهي جهالة الراوي عن ابن لَهيعة، وأما الثانية فهي الانقطاع بين يزيد بن أبي حبيب (ولد بعد سنة خمسين، وتوفي 128)، وعمر بن الخطاب- رضي الله عنه- (ت:23).

ولتمام دراسة هذا الأثر ذكر الباحث ترجمة الشفاء وولدها سليمان- رضي الله عنهما- وقد علل الباحث ذلك بأنه لا يتم تذوق هذا الخبر، إلا بمعرفة أفراده، وكيف كانت روايته، ثم انتشاره بين العلماء.

أقوال أهل العلم في الحكم على هذا الأثر:

ذكر الباحث اختلاف أهل العلم حول هذا الأثر، مشيراً إلى أن أهل العلم قد اختلفوا في ثبوت هذا الأثر على قولين، فأما الأول فيقضي ببطلان هذا الأثر، وأول من رُويَّ عنه ذلك هم ولد الشفاء رضي الله عنها في حدود أوائل المائة الثالثة من الهجرة.

وأما القول الثاني فيقضي بصحة هذا الخبر، وهو قول أكثر منْ ترجم للسيدة الشفاء-رضي الله عنها-، وإلى هذا القول ذهب الباحث.

فقد بين الباحث أنه بالنظر إلى هذا الأثر من خلال منهج النقد الحديثي لا من خلال أحكام المحدثين الحديثية، نجد أنَّ راوي الخبر هو الإمام يزيد بن أبي حبيب (وُلِد بعد الخمسين ومات 128)، فانتشار هذا الخبر في حدود المائة الأولى من الهجرة، وقرب العهد بالحدث (تولى عمر رضي الله عنه الخلافة سنة 13 ومات سنة 23)، وكذلك قول الإمام يزيد بن أبي حبيب عَقيب روايته لهذا الخبر: “وَلَا نَعْلَمُ امْرَأَةً اسْتَعْمَلَهَا غَيْرَ هَذِهِ”، كل ذلك يرجح صحته، وإن كان منقطعًا كما سبق بيان حكم المحدثين فيه، كما استند الباحث في إثبات صحة الأثر إلى أمور أخرى.

فقه الأثر:

تحت هذا العنوان عرض الباحث لسبب ورود هذا الأثر، ونوع الاختصاص القضائي الذي ولاه عمر- رضي الله عنه- للشفاء- رضي الله عنها- – فيم تقضي وعلى مَنْ تقضي؟ – وهل ولاها قضاءً أم حسبة؟.

فأما عن سبب توليه عمر- رضي الله عنها- للشفاء وولدها- رضي الله عنهما- للقضاء، فبين الباحث أن ذلك راجع إلى كون منزلهما قريب من السوق، مع ما كانا يتمتعا به- رضي الله عنهما- من دين متين ورجاحة عقل وعلم وغير ذلك من الصفات التي أهلتهما لهذه الوظيفة.

كما بين الباحث أن الولاية التي تولتها السيدة الشفاء- رضي الله عنها- لا تعارض ما تهيأتْ له النساء بطبيعتهن وفطرتهن، إذ كانتْ هذه الولاية شيئًا من ولاية حسبة السوق، والسوق يشتري ويبيع فيه النساء كما الرجال، فاحتيج لمنْ يقوم بالحسبة فيه على النساء.

وعن نوع الولاية أهي حسبة أم قضاء؟ بين الباحث أن ولاية الشفاء إنما كانت لبعض حسبة السوق مشاركة مع ابنها، وهو ما لا تدفعه النصوص، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختص بالرجال دون النساء، بل هو عام لكل مكلف.

الخاتمة:

وفيها ذكر الباحث أهم ما توصل غليه من نتائج، وتتلخص في الآتي:

1- قد استعمل عمر- رضي الله عنه- السيدة الشفاء وابنها سليمان بن أبي حَثْمَة على السوق.

2- كانت ولاية كلٍ من السيدة الشفاء وابنها سليمان- رضي الله عنهما- للسوق لما قد توفر فيهما من الصفات والملكات والعلم التي هيئتهما لهذه الوظيفة الشريفة.

3- يظهر في هذه الأخبار فقه عمر- رضي الله عنه- وحسن سياسته وتدبيره، فقد حرص أن يكون حسبة السوق مشاركة بين رجل وامرأة، ولعلمه بأن الحاجة ماسة للتعاون بينهما اختار المرأة المحرم للرجل، وهو فقه دقيق، نستطيع أن ندعو إليه أصحاب القرار أن يقتدوا بعمر- رضي الله عنه- في ذلك، فاختيار رجل وامرأة محرم له لحسبة السوق أو غيره سنة الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا أنْ نلتزمها.

4- إنّ الاستدلال بجواز تولي المرأة القضاء قياسًا على هذا الأثر هو أعجب العجب، ودعوى لا برهان عليه، وقياس باطل لا يصح بحال من الأحوال.

وختاماً نسأل الله أن يجزي الباحث خيراً على ما قام به من جهد لتحرير هذه المسألة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

والدراسة موجودة على موقع “مركز التأصيل للدراسات والبحوث”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق