آخر الأخبار
عندما يحارب “المتأسلمون” الأذان… كرها بأردوغان
11 مارس، 2019
العودة إلى التربية القرآنية.. التوحيد وأثره
11 مارس، 2019

المغرب.. كتاب عن تجربة الإسلاميين من الدين إلى السياسة

المغرب.. كتاب عن تجربة الإسلاميين من الدين إلى السياسة

قراءة بلال التليدي

الكتاب: مذكرات عبد الله شبابو.. من منبر الدعوة إلى معترك السياسة تجربة غير منتظرة

الناشر: قسم الإنتاج العلمي والفكري بحركة التوحيد والإصلاح
سنة النشر: ديسمبر 2018
عدد الصفحات: 392

يسد هذا الكتاب جزءا من الفراغ الكبير الذي يعرفه الحقل المعرفي المرتبط بالتأريخ للحركة الإسلامية في المغرب، وبدايات نشأتها والمخاضات التي عرفتها، فضلا عن السيرورات التي قطعتها عملية تحول هذه الحركة من الدعوة إلى السياسة.

ومع أن الكتاب يدخل ضمن الجنس الأدبي المعروف بالمذكرات، التي تعنى أساسا بسرد وقائع وأحداث وتقديم روايات لتطورات الحدث من زاوية صاحبها، إلا أنه يدشن حلقة أخرى من حلقات التأريخ للحركة الإسلامية في المغرب، ويضيف إلى الجهود السابقة، لبنة أساسية كشفت العديد من المعطيات التي كانت مجملة وأحيانا مبهمة في تاريخ هذه الحركة.

ومما يزيد في أهمية هذه المذكرات أنها صدرت من قيادة من قيادات الجيل الأول، ومن أحد مؤسسي العمل الإسلامي في المغرب، ممن كان له فضل في بناء العمل الإسلامي في منطقة الشمال وفي طنجة تحديدا.

مذكرات عبد الله شبابو، قدمت معطيات مهمة عن الشكل التنظيمي السري الذي كانت تتبناه حركة الشبيبة الإسلامية

والملاحظ أيضا على هذه المذكرات ـ في جزئها الأول ـ أن سردها لوقائع وتطورات كثيفة عن تاريخ العمل الإسلامي في شمال المغرب، وبدايات ومخاضات تبلور أبعاده التربوية والدعوية والاجتماعية والثقافية والفنية والسياسية، لم يغط على تاريخ الحركة الإسلامية في سياقها القطري وفي تفاعلاتها مع محيطها الإقليمي والدولي. فالرجل ـ صاحب المذكرات ـ من خلال تقديمه لروايته، بسط معطيات مهمة، يمكن الاستناد إليها في بناء كتابة تاريخية تؤطر مسار الحركة الإسلامية في المغرب وتحولاتها، وبشكل أخص انتقالها إلى المشاركة السياسية.

رواية عبد الله شبابو عن مخاض تأسيس حركة الشبيبة الإسلامية

تقدم المذكرات في مقاطعها الأولى مسار طفل الكتاب القرآني أو” المسيد” بالاصطلاح المغربي، الطفل الذي درس على والده القرآن الكريم والعلوم الشرعية، مقدما معطيات كثيفة عن وضعية الأسرة، ومعالم شخصية الوالد الفقيه، فضلا عن وضعيته الاجتماعية، وتحول الأسرة من القرية إلى المدينة، ثم ينتقل لسرد وقائع احتكاك الأب، ومن ثم الابن، بعالم السياسة، من خلال جرائد الحركة الوطنية التي كان يضطلع الأب بقراءتها وشرح مضامينها لقائد في السلطة في المنطقة، كان يجهل القراءة، ثم يستعرض تفاعل الأسرة والقرية مع واقع الاستعمار الإسباني، وكيف استقبلت محطة استقلال الوطن بكل تفاصيلها، وارتباطها برموز الحركة الوطنية، وبشكل خاص رموز حزب الاستقلال (علال الفاسي) وحزب الشورى والاستقلال (محمد بلحسن الوزاني)، ثم ينعطف لذكر ملابسات تعيينه مدرسا في وزارة التعليم في الدار البيضاء بعدما احتاجت الدولة بعد الاستقلال لأطر تربوية، استقدمت أغلبهم من خريجي الجوامع والكتاتيب القرآنية، ويستعرض لحظة تحوله إلى فكر الحركة الإسلامية في مدينة الدار البيضاء، ويقدم روايته لنشأة الشبيبة الإسلامية في هيئة المعلمين في نهاية الستينيات والسبعينيات، والأنشطة التي كانت تقوم بها، ورهانها على شباب المساجد، وعلاقاتها المتشعبة مع قيادات منبرية بارزة في ذلك الوقت.

غير أن اللافت في مذكرات عبد الله شبابو، هو تقديمه لمعطيات مهمة عن الشكل التنظيمي السري الذي كانت تتبناه حركة الشبيبة الإسلامية، فبعد تقديمه معطيات مهمة عن بداية تأسيس عمل الشبيبة الإسلامية في طنجة بعد انتقاله للتدريس بها، يشرح مضمون التنظيم الخيطي الذي اعتمدته هذه  الشبيبة الإسلامية، وكيف تم تكوين ثلاث مجموعات حركية، يتصدر كل مجموعة مسؤول عنها، حيث لا يعرف المسؤول عن هذه المجموعة المسؤول عن المجموعة الأخرى، حتى والثلاثة ينتمون لحركة واحدة، وكيف تتحكم القيادة في المجموعات الثلاث، دون أن يحصل التعارف بينهم. كما يقدم معلومات جد مهمة عن الاعتقالات التي مست قيادات الحركة الإسلامية في شمال المغرب سنة 1981 و1982، بعد المظاهرة الحاشدة التي خرجت من أحد المساجد (مسجد الموحدين)، تطالب بمنع بيع الخمور، ويقدم شبابو معلومات مهمة تبرئ ساحة الشبيبة الإسلامية من المسؤولية عن هذه المظاهرة، كما يبسط تفاصيل انكشاف المجموعات الثلاث لرجال الأمن عند التحقيقات

شبابو يدعم تحولات بنكيران في منطقة الشمال

وتقدم المذكرات تفاصيل كثيفة عن لحظة تحولات الحركة الإسلامية المغربية من السرية إلى العلنية، ومن الفكر الثوري إلى العمل من داخل المؤسسات، ويستعرض الآثار الخطيرة التي أحدثتها تحولات الشبيبة الإسلامية إلى الفكر الانقلابي، وإصدارها لمجلة “المجاهد” التي أشادت بالعمل العسكري ضد النظام الحاكم، وأنتجت موقفا عدائيا للمغرب بخصوص وحدته الترابية، ودخول الحركة الإسلامية مرحلة الاحتكاك مع السلطة السياسية، والتي أفضت إلى اعتقال قيادات الحركة، ومنها عبد الله شبابو وقيادته إلى أشهر معتقل سياسي في المغرب ” درب مولاي الشريف”.

والمثير في رواية شبابو بخصوص موقف منطقة الشمال من التحولات التي قادها عبد الإله بنكيران، والممانعة التي لقيها من عدد من المناطق، ومنها على الأخص منطقة مكناس، أن منطقة الشمال دعمت بشكل سلس عملية الانتقال، وساندت كل الخطوات التي أقدم عليها عبد الإله بنكيران، لاسيما رسالته التي نشرها في بداية الثمانينات في جريدة “الشرق الأوسط”، وجريدة “الميثاق الوطني”، والتي توضح هوية الحركة الجديدة، ومبادءها ومنطلقاتها ومنزعها العلني، وإيمانها بالعمل من داخل المؤسسات ونبذها للعنف.

تقدم مذكرات شبانو تفاصيل كثيفة عن لحظة تحولات الحركة الإسلامية المغربية من السرية إلى العلنية، ومن الفكر الثوري إلى العمل من داخل المؤسسات

ويستعرض عبد الله شبابو البدايات الأولى للعمل الإسلامي في منطقة شمال المغرب، وكيف تأسست اللبنات الأولى للعمل التربوي والدعوي، ويقدم معطيات تفصيلية عن عمل المخيمات، وحصيلة العمل التربوي والثقافي الذي انخرطت فيه الحركة، ويقدم جانبا مهما من السجال مع المكونات السلفية في طنجة بخصوص العمل الفني، وكيف كان السلفيون يتهكمون على انعطاف الحركة الإسلامية لهذا العمل، والمثير في المذكرات أن صاحبها، يحرص على ذكر كل الشخصيات التي حضرته ممن كان لها دور في بناء هذه المناشط المتعددة في العمل الإسلامي.

وينعطف شبابو في مذكراته إلى التفصيل في سيرته المنبرية، والدور الذي لعبته دروسه الإرشادية والتربوية في المسجد، دون أن يشير في هذا الصدد إلى ضيق صدر السلطة من اعتلائه للمنبر، وسعيها لوأد تجربته المنبرية، نظرا للتأثير الكبير الذي كانت تحدثه خطبه ودروسه ومواعظه وأنشطته الثقافية في مختف المؤسسات.

شبابو يقود البدايات الأولى للمشاركة السياسية للإسلاميين

على أن أهم تفصيل قدمه شبابو في مذكراته، هو ما يتعلق بالملابسات الدقيقة لمشاركة الحركة الإسلامية في الانتخابات البرلمانية الجزئية سنة 1993، بعد أن تقدم ثلاث قيادات إسلامية بالمشاركة باسم حزب الشورى والاستقلال، ويتعلق الأمر بكل من عبد الله شبابو في طنجة، وأحمد المقدم في تطوان، والمقرئ الإدريسي أبو زيد في وجدة، ويستعرض سياق التقارب بين فرع الحركة في طنجة وبين حزب الشورى والاستقلال، وكيف تم اقتراح عبد الله شبابو للترشح على قائمة هذا الحزب، وكيف اقترح الموضوع على قيادة الحركة التي كانت تعيش على تداعيات منع الترخيص لـ”حزب التجديد الوطني” الذي قدمته الحركة، وأيضا على إيقاع الانقلاب العسكري على نتائج الانتخابات في الجزائر، وإسقاط تجربة جبهة الإنقاذ الإسلامية ودخول الجزائر في مستنقع الدم وسنوات الرصاص، وكيف اقتنعت الحركة بهذا الترشيح الجزئي، معتبرة إياه بمثابة جس نبض للسلطة السياسية بعد أن مرت تقريبا سنتان عن التداعيات السلبية المذكورة.

ويقدم شبابو معطيات تفصيلية عن مسار هذه المشاركة والحملة الانتخابية التي قادتها الحركة في هذا الاقتراع، محتفظا بوثائق مهمة تؤرخ للكلمات والفعاليات التي تم تنظيمها، والقصاصات الإعلامية التي تم نشرها، كما يستعرض قصة تزوير السلطة لنتائج الانتخابات، بعد أن تسربت معطيات عن فوز مستحق له، وحجم الاحتجاج الشعبي على هذا التزوير، وأثره في مسار القيادي الإسلامي، وتحوله بالكامل إلى تجربة العمل الإعلامي، والكتابة الصحفية النقدية من خلال جريدة “منبر الشمال” التي أحدثتها الحركة أو من خلال مقاله الأسبوعي في جريدة “الخضراء الجديدة”.

من الدين للسياسة

والمفارقة في مسار عبد الله شبابو، هو التحولات غير المنتظرة التي كانت يعرفها مساره، ففي الوقت الذي مانعت فيه السلطة السياسية دوره المنبري قبل دخوله الأول لمعترك السياسة سنة 1993 في الانتخابات التشريعية الجزئية التي أجريت بمدينة طنجة، يتم دعوته بشكل رسمي من قبل السلطة الدينية، عقب تزوير الانتخابات عليه وانعطافه للعمل الإعلامي، إلى المجلس العلمي (إحدى مؤسسات الحقل الديني الذي كان تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية).

لا يقدم شبابو في روايته أي معطيات حول خلفيات هذه الدعوة الرسمية، لكن، يبدو من خلال كثافة مشاركته الإعلامية، وحجم التأثير الذي كانت تحدثه في الرأي العام الطنجي، أن السلطة فكرت في محاولة امتصاص التداعيات التي تركتها انتخابات 1993، وصرف اهتمام عبد الله شبابو من العمل الإعلامي النقدي، إلى الانخراط في مؤسسات الحقل الديني، التي تتطلب الانشغال بالبعد الديني، مع التزام قدر كبير من التحفظ بخصوص القضايا السياسية.

ويحكي شبابو طرفا من تجربته في الحقل الديني، والتي لم تستمر طويلا، إذ ابتدأت مع سنة 1996، لتنتهي عمليا مع سنة 1999، بعد أن اختار عبد الله شبابو مرة ثانية العودة إلى السياسة، من بوابة الانتخابات التشريعية لسنة 1997، والتي فاز بها بمقعد برلماني ممثلا عن دائرة طنجة المدنية.

ويقدم شبابو معطيات كثيفة عن أول تجربة مشاركة سياسية للإسلاميين، بعد أن أذن الملك الحسن الثاني بذلك ـ كما يحكي وزيره في الداخلية إدريس البصري تفاصيل ذلك في مذكراته، ويحتفظ شبابو بوثائق مهمة عن الأدوار التي قام بها أول فريق نيابي لحزب العدالة والتنمية في البرلمان، من خلال ما يعرف بمجموعة التسعة، وحجم النشاط البرلماني الذي أنتجه هذا الفريق الذي لفت انتباه المراقبين في أدائه وجديته.

الخروج السلس من السياسة والاحتفاء بجيل الشباب

يحكي الأستاذ عبد الله شبابو تفاصيل عن فوزه مرة ثانية في انتخابات 2002 التشريعية، ويقدم مقارنات دالة بين تجربة الفريق الأول لحزب العدالة والتنمية (1997 ـ 2002) وتجربة الفريق الثاني (2002 ـ 2007)، ويحكي بتذمر حالة الإحباط التي أصابته من جراء عدم تفاعل السلطة مع مطالب المواطنين وتطلعاتهم، ومع الإصلاحات التي كان يقترحها فريقه، أو الوساطات التي كان يقوم بها في سبيل رفع الظلم والتعسف والحيف عن بعض الأفراد والأحياء، يقدم المبررات التي جعلته يقتنع بشكل تدريجي بالانسحاب من السياسية، وتركها للأجيال الجديدة، ويقدم بهذا الخصوص تجربة رائدة من الانسحاب السلس من العمل السياسي، رغم حجم الدعم الذي كان يلقاه من طرف إخوانه للترشح مرة أخرى، واقتناعه بضرورة إعطاء فرصة للجيل الجديد، الذي يبدو في نظره أقدر على ممارسة السياسة من الجيل التأسيسي.

واللافت في الانتباه في تجربة عبد الله شبابو، التي سيستكمل حلقاتها في الجزء الثاني ويفصل فيها في الدور السياسي الذي قام به، أنه على الرغم من خروجه من السياسة، وعلى الرغم من استيفائه خمسة عقود في العمل الإسلامي، إلا أنه لم يغادر مناشط الحركة، وبقي في موقع الدعم والترشيد، خلافا للمعتاد في بعض القيادات التي تختار إنهاء مسارها بشكل كامل، مع انتهاء دورتها السياسية.

(المصدر: عربي21)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشورات لا تعبر بالضرورة عن رأي المنتدى