آخر الأخبار
مدى خطورة الاقتحامات المستمرة للمسجد القصى المبارك
8 مارس، 2019
وشاح القمر | الإصدار الأول لمجموعة إيوان
10 مارس، 2019

في ذكرى وفاة شيخنا محمد الغزالي .. الطريق إلى تحرير فلسطين

في ذكرى وفاة شيخنا محمد الغزالي .. الطريق إلى تحرير فلسطين

 

بقلم أ. عماد الدين عشماوي (خاص بمنتدى العلماء)

 

فلسطين، هي قضية العرب والمسلمين الأولى، لأنها تمثّل خلاصة وضع الأمة المسلمة المتراجع.وهي، اليوم، تعاني من خطر عظيم، في ظل الهرولة نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، الذي يجد، نفسه، أمام فرصة سياسية قلما تعوض، يحاول الاستفادة منها لتثبيت مشروعه الاستعماري الإحلالي الاستيطاني من ناحية، ومصالح رعاته الغربيين وداعميه الجدد من الأنظمة العربية المطبعة من ناحية أخرى.

وأمة العرب والمسلمين منذ نكبة عام 1948م، وحتى إعلان ترامب القدس عاصمة الاحتلال نهاية العام 2017م، والقضية الفلسطينية تتخذ مسارات مختلفة غيبتها في عقول وقلوب وحياة غالب المسلمين. وليس بالإمكان، استعادتها إلا من خلال بناء الوعي بحقيقة القضية وأبعادها بالنسبة للوجود العربي والإسلامي بل والإنساني.

وشيخنا محمد الغزالي-رحمه الله-كان من العلماء القلائل الذين أدركوا النكبة وعاصروا ضياع فلسطين والقدس، وظل طيلة جهاده العلمي والدعوي لأكثر من خمسين عاماً، يضع  فلسطين والقدس والمسجد الأقصى في صدارة اهتماماته: تعليماً وتوعية لأجيال الأمة، بضرورة تحريرهم من دنس الصهاينة.

ويحاول هذا المقال، بمناسبة ذكرى وفاته(9 مارس 1996م)، بيان معالم رؤية الإمام الراحل للقضية وكيفية تناولها ومنهج تحرير فلسطين الواجب على الأمة إتباعه.

أمة غافلة

يرجع الإمام الغزالي-رحمه الله-، ضياع فلسطين إلى غفلة الأمة العربية والإسلامية عما كان يحاك لها من تدبيرات استعمارية غربية تهدف إلى توطين الصهاينة اليهود في فلسطين، وهو ما يوضحه في كتاب “الاستعمار أحقاد وأطماع”، قائلاً “أكاد أجزم بأن الأمة العربية والإسلامية في مطالع هذا القرن لم تكن تدري شيئا عن الخطة الهائلة الموضوعة لتمزيقها والتهامها وأن ضياع الوحدة العربية وضعف الجامعة الإسلامية في هذه الفترة العصيبة من تاريخ العرب كانا العون الأكبر للاستعمار في غرس هذا الخنجر المسموم في كياننا، وتركه يعمل عمله الخبيث في التربص بالعرب والكيد لهم”[1].

صراع عقائد لا قوميات

ثم يبين الإمام –رحمه الله- أن السبب الرئيسي لهزيمة العرب في مواجهة الصهاينة، وضياع فلسطين والقدس والأقصى، يرجع إلى المنطلقات التي انطلق منها كل فريق في إدارته للمعركة، فبينما أدار “بنو إسرائيل المعركة على أساس ديني بحت، واستقدموا أتباع التوراة من المشرق والمغرب قائلين: تعالوا إلى أرض الميعاد، تعالوا إلى الأرض التي كتبها الله لأبيكم إبراهيم كما أكد العهد القديم، كان العرب ينسلخون من انتماءهم الديني مؤثرين انتماء عرق لا يقدم ولا يؤخر”[2]. وهو الأمر الذي أسهم في هزائم العرب المتوالية في محاولاتهم لتحرير فلسطين.

فالإمام، يرى أن من الأخطاء الكبرى في التعامل مع قضية تحرير فلسطين، المنطلق العربي القومي، أو حتى باعتبارها قضية صراع مع نظام عنصري، ف”قضية فلسطين خاصة يستحيل تجريدها من طابعها الديني، والقول بأنه يجب طرد المستعمرين اليهود من بلادنا، كما يجب طرد المستعمرين البيض من جنوب أفريقية، وأن كلا النظامين يقوم على نزعة عنصرية، هذا الكلام تغطية سخيفة لحقائق مرة. إن العدوان اليهودي المدعوم بقوى الصليبية العالمية له غاية مرسومة معلومة، هي إبادة وإزالة دين، هي الإجهاز على الأمة العربية التي حملت الإسلام أربعة عشر قرناً، وتريد أن تظل عليه شكلاً إن تركته موضوعاً.. والذين يبعدون الإسلام عن معركة فلسطين، يشاركون في تحقيق هذه الغاية، لأن فلسطين من غير الدفع الإسلامي زائلة، والعرب من بعدها زائلون، والمسلمون بعد زوال العرب منتهون، وهذه هي الخطة”[3].

السلام المستحيل

ويؤكد الإمام الراحل، أن أي ترويج للسلام مع الكيان الغاصب في فلسطين، هو محض وهم وسراب يجري وراءه الواهمين أو المغفلين من الحكام والمثقفين، فلم يكن السلام يوماً هدفاً للصهاينة، ولم يكن الوفاء بالعهد جزءاً من تكوينهم، بل “إن الوفاء يعتصر اعتصاراً من القوم لأنه ليس من خلائقهم”[4].فاليهود “منذ جاءوا إلى فلسطين أيام الاحتلال البريطاني، لم يفكروا في صلح، ولم يخطر ببالهم إلا إقامة إسرائيل الكبرى.وأقول لمن تخدعهم صيحات الصلح: إننا نؤمل في سراب، وإن أعداءنا ماضون حسب مخططهم الديني المعروف.ولن ننجو من أحابيل الخصوم الظاهرين والأخفياء إلا بعودتنا إلى الإسلام في قوة تعادل أو تزيد على عودة خصومنا إلى مواريثهم، واستمساكهم بدينهم، وحماسهم لمقدَّساتهم”[5].

نزاع طويل

وينبه الإمام الغزالي، أبناء الأمة، أن نزاعنا مع الكيان الصهيوني طويل الأمد، لأنه يحتاج إلى إعادة بناء الأمة من جديد على أسسها الإيمانية الصحيحة.فالنزاع بين “العرب والمسلمين وبين بني إسرائيل قد يطول سنين عدداً لانعرف مداها، ولا ندرك بالضبط متى تنتهي الحرب بيننا وبين بني إسرائيل، ولكننا ندرك عن يقين جازم بأن هذه الحرب تتوقف بقدر ما يثوب المسلمون إلى رشدهم ويعودون إلى دينهم”[6].

وهو يؤكد، أن العودة إلى ديننا” ليست بنت يوم أو يومين، أو شهر أو شهرين: إن ما فسد على مدى قرنين من الزمن لا يصلحه حماس خطبة، أو حماس عام كامل.لا، لكن الأمر يحتاج إلي دراسة رجال، وأعمال لجان، وتدبير مخلصين[7].

فلسطين: قضية الإسلام

ويختصر الإمام الراحل، قضية فلسطين في كلمات قلائل توضح طبيعتها ومداها، حتى يكون كل مسلم على بينة من أمره ويدرك خطورة ضياع فلسطين على دينه ومعتقده.

يقول الإمام-رحمه الله-“إن قضية فلسطين هي قضية الإسلام، والمسجد الأقصى ليس أثراً عربياً، إنما هو معلم إسلامي يعني جميع الأجناس التي اعتنقت هذا الدين.والأرض من الفرات إلى النيل هي الامتداد الزماني والمكاني لجهاد السلف الأول، الذي قضى على الإمبراطوريات الكسروية والقيصرية، وأقام الحنيفية السمحة في هذه الأرجاء. وضياع الأقطار الإسلامية من الفرات إلى النيل، معناه ضرب الوسط تمهيداً للإجهاز على بقية الأطراف في الشرق والغرب[8].

طريق التحرير

ويرى الإمام-رحمه الله- أنه “ليس أمام العرب إلا طريق فذ لتطهير أرضيهم وطرد عدوهم واستعادة النضرة إلى وجه كساها الهوان.هذا الطريق هو العودة إلى الإسلام ظاهراً وباطناً، وترسم خطا السلف الأول في صدق الإيمان وحسن العمل[9].

وهو يؤكد، أنه لكي نحسن الوقوف أمام عدو الله وعدونا يجب أن تتوفر لجبهتنا العناصر الآتية:

أولاً:أن يعود الولاء للإسلام ويستعلن الانتماء إليه، وفي حرب تعلن علينا باسم الدين لا مجال لإطفائها بالتنكر لديننا. وإن رفض الإسلام في هذه الساعة هو الانتحار، وطريق الدمار، بل هو قرة عين الاستعمار.

ثانياً:الولاء الشكلي للإسلام مخادعة محقورة، ومن المستحيل أن نرتبط روحياً ومنهجيا بالماركسية أو بالصليبية وفي الوقت نفسه ندعي الإسلام.يجب أن تعود الروح لعقائدنا وشعائرنا وشرائعنا، والمسلم الذي يستحي من الصلاة بينما يستعلن اليهودي بصلاته في أرقى العواصم لا يمكن عده مسلماً.ولن ننال ذرة من عناية الله إذا اتخذنا الدين لهواً ولعباً.

ثالثاً:يقصى من ميدان التدين، العلماء الذين يحرقون البخور بين أيدي الساسة المنحرفين، ويزينون لهم مجونهم ونكوصهم، والعلماء الذين يشغلون الناس بقضايا نظرية عفى عليها الزمن، أو خلافات فرعية لا يجوز أن تصدع الشمل أو تمزِّق الأهل، والعلماء الذين يظلمون الإسلام بسوء الفهم، ويرونه في سياسة الحكم والمال[10].

 

خاتمة

إن مسيرات العودة الفلسطينية، وصيحات الغضب العربي والإسلامي على القرار الأمريكي باعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، ورفض السلطة الفلسطينية صفقة القرن، والرفض العربي الشعبي لهذا الكيان، والاستبسال في الدفاع عن الأقصى من المرابطين المقدسيين. كلها تؤكد صحة رؤية الإمام الغزالي لقضية فلسطين، “الدرة المغتصبة”، وكيفية تحريرها.

رحم الله الإمام الغزالي رحمة واسعة، وألهم أمتنا الانتفاع بعلمه وتراثه الكبير، حتى تتحرر من كل ما يعوق تقدمها وشهودها على العالمين، وفي مقدمة ذلك تحرير فلسطين والقدس والمسجد الأقصى من دنس الصهاينة المعتدين.

[1] الغزالي، محمد. الاستعمار أحقاد وأطماع،  ص146 ، ص148

[2] الغزالي، محمد.هموم داعية، ص22-24

[3] المصدر السابق، ص27

[4] الغزالي، محمد. الحق المر، ج6، ص 167

[5] الغزالي، محمد. الحق المر،ج6، ص69

[6] الغزالي، محمد.خطب الغزالي، المجلد الأول،  ص283

[7] المصدر السابق، ص80

[8] الغزالي، محمد. الحق المر،ج6، ص69

[9] الغزالي، محمد.حصاد الغرور، ص 219

[10] الغزالي، محمد.هموم داعية، ص47-48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشورات لا تعبر بالضرورة عن رأي المنتدى