آخر الأخبار
المحددات الفارقة بين التراجع والمراجعات
14 سبتمبر، 2018
شاهد | خارج النص – طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد
14 سبتمبر، 2018

كيف تطورت فكرة تقديس ولي الأمر

كيف تطورت فكرة تقديس ولي الأمر

بقلم د. حسن سلمان

الإسلام رسالة الله لخلقه ومضمن في كتاب منزل ومحفوظ ويشتمل علوم ومعارف وعقائد وقيم وشعائر وشرائع ومن أهم ما جاء به الإسلام مفهوم الولاية العامة التي تقوم بإصلاح دنيا الناس وآخرتهم والولاية السياسية العامة فرع عن الولاية الإيمانية وهنا يجدر التنبيه إلى أن سياسة أمر الناس كانت قبل الرسالة المحمدية الخاتمة منوطة بالأنبياء كما جاء في الحديث (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي) وبما أنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الأمر أحيل للأمة بمجموعها فهي أصل الولاية وهي من تنصب الخلفاء و تراقبهم و تعزلهم إذا تطلب الأمر ذلك وبالتالي أهم جزئية يتغافل عنها دعاة تقديس ولي الأمر هي أن الأمر للأمة وتولي فيه من هو أهله بالشورى والرضا قال تعالى (وأمرهم شورى بينهم) وعليه الشرعية السياسية تكتسب من الناس وليس بالإكراه (لا إكراه في الدين) ولا بالجبر (لست عليهم بجبار) ولا بالسيطرة (لست عليهم بمسيطر) (ولست عليهم بوكيل ) والإسلام جاء لتحقيق التوحيد ونفي الرغبة والرهبة عما سوى الله كما جاء الإسلام لمحاربة الفساد والاستبداد والظاهرة الفرعونية بكل صورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والطبقية ليكون الناس جميعا عبيدا لله تعالى فهو الرب والإله والملك وقد ظل العهد النبوي والراشدي يعيش على هذه القيم القرآنية ولكن تراجع منطق الرشد إلى منطق الملك وهنا تشكلت مفاهيم صنعت صناعة في مطابخ الملك العضوض وتشكل مفهوم خطير وهو مفهوم ولي الأمر مع أن القرآن لم يطلق الصفة الفردية على ولي الأمر بل يطلق مفهوم جماعي وهو (أولي الأمر) ليقوم المجتمع بالقوامة على الرسالة ويكون حفظ الرسالة بمجموع الأمة خلافا للشيعة الذين يرون حفظ الدين بالوصي أو الولي أو الفقيه المعصوم و من المفارقات أن نجد بعض منتسبي السنة من دعاة تقديس الحاكم والشيعة يلتقون في النتيجة وهي العصمة وإن تنكر هذا البعض للعصمة نظريا.

وبعد أن تم التنازل تاريخيا عن الشورى وحق الأمة في الاختيار وبناء نظامها السياسي وأنها صاحبة الولاية الحقيقية تم بعد ذلك التركيز على منع الخروج على ما أسموه ولي الأمر بينما شرعيا هو فاقد للشرعية وبالتالي فهو ليس من أهلها (وألا ننازع الأمر أهله ) لأنه متغلب وولاية التغلب تعامل معها الفقهاء من الناحية الواقعية والعملية وإلا فهي مناقضة لكل القيم السياسية الشرعية وكان الأمر عند الصحابة محل نظر واختلاف من حيث تبعات الخروج المسلح لا من حيث حق الأمة في الولاية على أمر نفسها والخروج المسلح مسألة فقهية فقد خرج الحسين وعبد الله بن الزبير وكثير من طوائف الأمة دفعا لمن اغتصب السلطة وهي حق للأمة (ومن مات دون حقه فهو شهيد) ثم في القرن السابع وبدايات القرن الثامن الهجري ظهرت مفاهيم عقدية كالجبرية والقدرية ومنعوا الخروج مطلقا وظلت مسألة تدرج وتدخل في مسائل العقيدة بدلا أن كانت مسألة فقهية وزعموا فيها الإجماع بدلا من أن كانت محل خلاف بل زعموا أن هذا مذهب السلف الوحيد مع أن السلف ظلوا يقاتلون على حق الأمة في الشورى والاختيار وقد اعتبر العلامة ابن حجر أن (السيف مذهب للسلف قديم) ولعل مما أثر على الزعم بأن هذا هو مذهب للسلف هم بعض أهل الحديث الذي تأثروا بالمدرسة الأشعرية وتبنوا هذا الرأي دون الإشارة إلى أن السلف مختلفون في الأمر ومن هؤلاء العلامة النووي .

هذا هو طبيعة التطور الفقهي والسياسي لمآلات فكرة تقديس الحاكم (ولي الأمر) ولم يكن هذا الهاجس يسيطر على الصحابة في دولتهم الراشدة بل كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لكل مسلم بما فيها رأس الدولة والبيعة والشورى كلها حقوق شرعية تؤسس للنظام السياسي وخاصة عندما يكون المنكر ظاهرا ويتعلق بحق الأمة وليست مسائل شخصية تتعلق بالسلوك الخاص كما أن كل النصوص المتعلقة بالطاعة وعدم الخروج لها ارتباط مباشر بالشرعية وإلا تحول الإسلام لحامي حمى الفساد والاستبداد والطغيان والفرعونية وهو محال عقلا وشرعا.

وأخيرا يجدر الإشارة إلى أن تلك الأحكام كانت تتعلق بسلطان الأمة الذي كان يقوم بالكثير من الجوانب الشرعية مثل الجهاد وحاكمية الشريعة وحماية الأمة من عدوها الخارجي أما الآن وقد رأينا كيف أن ولاة الأمر هم وكلاء عن المحتل في بلاد المسلمين يأتمرون بأمه ويقاتلون المسلمين تحت رايته ويدفعون له أموال المسلمين في صورة أشبه بالجزية فهؤلاء لا ينطبق عليهم بأنهم أولى منا بل هم أولى الأمر علينا من خلال فرض سلطانهم بقوة السلاح وتفويض المحتل وقبوله لهم ومساندته المطلقة في مواجهة أي تغيير يقوده الشعب ضدهم فالعدو المحتل يمنحهم السلطة ويسلبهم السيادة وهذا هو الواقع المر لأمتنا وكل جدل هو الخروج من عدمه وسرد النصوص الشرعية والتجربة التاريخية هو خارج محل النزاع فالأمة في ثورتها تواجه في الحقيقة احتلالا وعدوانا خارجيا وما الأنظمة القائمة إلا بعض الأدوات للتحكم والسيطرة.

(المصدر: صحيفة الأمة الالكترونية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشورات لا تعبر بالضرورة عن رأي المنتدى