سلسلة المراسلات الشخصية للإمام المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي | تقدمة ونبذة عن صاحبها

الامام المعلمي

فيما يلي ننشر لكم سلسلة من المراسلات الشخصية للإمام المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي.

وهي أربع رسائل شخصية للإمام المحقق عبدالرحمن بن يحيى المعلمي المولود باليمن سنة (1312هـ)، والمتوفى بمكة سنة (1386هـ) -رحمه الله-.

الأولى: أرسلها سنة (1351هـ) -تقريبًا- إلى والده الشيخ الفقيه الصالح يحيى بن علي ابن أبي بكر المعلمي المتوفى بمديرية عتمة، محافظة ذمار، باليمن السعيد سنة (1361هـ) -رحمه الله-.

وهي منقولة عن خط مرسلها بخط العالم الفقيه عبدالرحمن بن محمد بن أحمد بن عبدالكريم المعلمي المتوفى في (29 جمادى الآخرة سنة 1361هـ) -رحمه الله-.

يعتذر الإمام -رحمه الله- في صَدْرِها عن تأخر وصول رسائله إليه، ويُلْقي باللائمة على البريد المُفَرِّطِ في إيصال تلك المكاتيب.

ثم لبى طلب والده وأطاع أمره في توصيف البلد الذي يعيش فيه وهو الهند، فكتب في وصفه أرضًا وإنسانًا، بما شمل تفاصيل الحياة العلمية بطرقها ومذاهبها وفرقها، ثم عَرَّجَ إلى الديانات المتَّبعة هناك، وفي طيَّات ذلك التوصيف: إشارات في تحديد موقفه من بعض تلك الفرق مدحًا ونقدًا، كما شملت تفاصيل أخرى سيجدها القارئ في ثنايا هذه الرسالة الميمونة.

الرسالة الثانية: أرسلها سنة (1358هـ)، من الهند إلى والده أيضًا.

وهي منقولة عن الأصل بخط الفقيه الفاضل: محمد بن سليمان المعلمي المتوفى (ليلة الجمعة 24 شعبان (1361هـ)، زوج أخته: ميمونة بنت يحيى بن علي المعلمي -رحمهم الله-.

استهلها الإمام -رحمه الله- بطلب عفو والده، ورجاء دوام دعواته له؛ لنيل رضاه، الذي هو رأس ماله في الدنيا، ولولاه لكان من الهالكين!.

ثم أتبع ببيان جهده الدؤوب في إيصال الرسائل إلى والده، وتعدد وسائط الإرسال؛ لعدم وصول أجوبة والده عليه، مما دفعه إلى الجزم بعدم وصول رسائله إلى والده؛ لثلاثة أسباب، استعاذ بالله من ثالثها!.

وأبان الإمام في رسالته هذه عن نيته السفر إلى عدن؛ ليكاتب والده من هناك! لكن تكاليف السفر فوق الطاقة!، وكشف عن رغبته في زيارة والده والفوز بخدمته، لولا المهالك التي قد تحول دون تمكنه من الوصول!.

ثم نقل نصًّا عن أبيه، يُشير إلى العتاب الشاق عليه، وأقرَّ لأبيه بالحق في ذلك العتاب!، وأخبره بما تجدد لابن أخيه: أحمد بن محمد بن يحيى من أمور تخصه؛ لإدخال السرور على والده، بما يقوم به الإمام مع الحفيد اليتيم!.

ثم ذكر له بعض أخبار أخيه أحمد بن يحيى، المقيم بأرض إندونيسيا.

ولا أطيل في توصيف الرسالة؛ فهي قصيرة، ومتعددة الجوانب، كشفت عن صور من أخلاق هذا العالم العلَم، ورقة مشاعره، وشغله بأبيه وأهله، بل وبعموم المسلمين، مع بيان الداء والدواء!.

الرسالة الثالثة: إلى صهره: محمد بن سليمان المعلمي، المتوفى ليلة الجمعة (24 شعبان 1361هـ)، زوج أخته: ميمونة بنت يحيى بن علي المعلمي.

وهي بخط الإمام -رحمه الله-، وقد صَدَّرَها بفرحه بوصول كتاب والده إليه، بعد انقطاع أوجس في نفسه خيفة أن سببه: غضبه عليه، ثم ثنى بالشكر لصهره على حُسْنِ رعايته لخاطر والده الفقيه: يحيى بن علي المعلمي، وغبطته له في ذلك، وتبشيره له بالبركات العاجلة والآجلة، من الله تعالى، ثم طلب منه إقراء السلام على شيخ ناحية عتمة في ذلك الوقت الشيخ: سعيد بن أبي بكر معوضه، وعتبه عليه إيثار راحته في ترك الوظيفة، على القيام بمصالح الناحية، الذي سبب حرمانًا لأهلها من منافع قيامه بذلك.

ثم كشف له أنه متوجس خيفة من أخيه: عبدالمجيد؛ أن يكون مقصرًا في خدمة والده؛ انشغالاً بالدنيا؛ بسبب عدم ذكر والده له في رسائله إلى الشيخ، لكنه استدرك بطلب التأكد من ذلك، فعندئذٍ عليه إعانة عبدالمجيد على نفسه والشيطان، بالعودة إلى بر والده، والقيام بخدمته؛ محذرًا له: أن الإخلال بخدمة الوالد في آخر عمره، هو غاية الحرمان ونهاية الخسران، ثم سرد بعض الأحاديث الشريفة في فضل بر الوالدين والتحذير من عقوقهما.

الرسالة الرابعة: أرسلها سنة (1374هـ) من البلد الأمين مكة -حرسها الله- إلى الشيخ الفقيه الوجيه: أحمد بن محمد بن عبدالله المعلمي المتوفى سنة (1387هـ)، بمديرية عتمة، محافظة ذمار، باليمن السعيد.

وهي بخط الإمام -رحمه الله-.

ونسخة أخرى منقولة عن خط مرسلها بخط المرسَل إليه.

وموضوعها تفنيد دعوى رفع نسب آل المعلمي إلى الصديق -رضي الله عنه-، بنفس النسابين المحققين، وأفاد فيها أنه قد رجع عن تقرير رفع النسب إلى الصديق -رضي الله عنه-، في بداية الطلب والتحصيل، وأن المعتمد عنده أن آل المعلمي ينتهي نسبهم إلى عَكّ بن عدنان، ورغب إليه أن يقرر هذا وينشره.

ثم رغب إليه بتدوين شجرة حسين المُعلم -الجد العلى لعشيرة آل المعلمي- وفروعه حتى هذا العصر، مع ترجمة من تيسرت ترجمته، ولفت انتباهه إلى أن هذا العمل عميم النفع، عظيم الأجر، وهو أعظم أهمية من البحث عن أصل النسبة!.

كما تناول في رسائله أمورًا أخرى، سيجدها القارئ حينما ترسو به سفينة التطواف عند شاطئ هذه الرسائل المشحونة بالعلم والأدب.

وهذه الرسائل ليست في: “آثار الشيخ العلامة عبدالرحمن بن يحيى المعلمي” المنشورة عن دار عالم الفوائد بمكة، في خمسة وعشرين مجلدًا، بحلة جميلة وثوب قشيب، وحُقَّ لها وهي وفق المنهج المعتمد من العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد -رحمه الله-، الذي ترسمه ثلة من المحققين الأفاضل، كبيرهم الشيخ المحقق: علي بن محمد العمران -تقبل الله منهم وتولى ثوابهم-.

وقد أرسل بهذه الرسائل إلىَّ الشيخ الأديب عبدالرحمن بن عبدالقادر المعلمي -حفظه الله وأدام نفعه- وهو ابن أخت الإمام المعلمي، وقد حصل عليها من عامل الأوقاف ببلاد عتمة: الشيخ الفقيه محمد بن أحمد المعلمي -حفظه الله، ابن صاحب الرسالة الرابعة هنا- الذي أفادني ببعض المعلومات التاريخية ذات الصلة بالرسائل الأربع،، فشكر الله لهما وأثابهما، وختم لهما بالحسنى.

فلما أنعمت النظر فيها، رغبت أن يشاطرني الإفادة منها المحبون لتراث هذا الإمام، فعزمت على نشرها مع تعليقات يسيرة يقتضيها سياق النشر؛ لأنها المقصودة بالنشر دون التعليقات التي هي منقولة من مظانها!.

 رحم الله الإمام المعلمي، وجمعنا به في جنات النعيم

وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

والإمام المعلمي هو  الإمام المحقق العلامة المتفنن ذهبي العصر عبدالرحمن بن يحيى بن علي بن محمد ابن أبي بكر بن محمد بن الحسن المعلمي -بضم الميم وفتح العين وتشديد اللام المكسورة وكسر الميم بآخره ياء النسبة-.

ولد في أواخر سنة (1312هـ) بقرية (المحاقرة) -بفتح الميم والحاء وكسر القاف وفتح الراء- إحدى قرى محِلّة (الطُّفَن) عزلة (الغَرَابي) مِخْلاف (رازِخ) مديرية (عُتُمَة) التابعة لمحافظة (ذَمَار) بديار اليمن السعيد.

وتربى في حجر والديه، وقرأ القرآن الكريم وبعض علومه على والده، وبعض فقهاء بلدته، وما كان أكثرهم!.

ثم سار إلى منطقة (الحُجرية) التابعة لمحافظة (تَعِز) عند أخيه الأكبر محمد، الكاتب في المحكمة الشرعية، وهناك أُشْرِك في مكتب تابع للحكومة يُعلم فيه: القرآن، والتجويد، والحساب، واللغة التركية، لخضوع تلك المناطق للحكم العثماني وقتئذْ.

ودرس على أخيه بعضًا من: “الأجرومية” مع شرح الكفراوي، ثم عزم على الرجوع إلى عزلة (بيت الريمي) -في عتمة- التي استوطنها آنذاك والده للتعليم والعيش بها، بعد أن انتقل من بلدة (الطفن) -فاصطحب معه بعض كتب النحو، فكان يتدارسها مع الشيخ أحمد بن مصلح الريمي -رحمه الله- ثم رجع إلى مسقط رأسه (الطفن) التي كان يتربع على كرسيها العلمي: الفقيه العلامة أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي -رحمه الله- فأخذ عنه في الفقه، والفرائض، والنحو.

وقد كانت (الطفن) من هجر العلم ومعاقله في اليمن.. تخرج منها عشرات العلماء والفقهاء، والأدباء.. ولكن لم تحفظ لنا طروس المؤرخين إلا أسماء قليلة.. لأن اليماني لا‌يحفل بتراثه.. بل يجافي أترابه.. وفي الله العوض وحسن الخلف.

ثم رجع الإمام المعلمي إلى (بيت الريمي) كرة أخرى، قرأ فيها: “الفوائد الشَّنْشُورِيَّة في شرح المنظومة الرحبية”، ثم سافر إلى (الحُجرية) وبقي مدة عند أخيه محمد.. ثم رجع إلى (عتمة) كاتبًا لقاضيها.

وهكذا برع في علوم الآلة وتفنن في كثير من العلوم كالفقه والفرائض والحساب وغيرها.

وعليه فمن نفى تمكن الإمام المعلمي من العلوم قبل رحيله من اليمن فإنما ينادي على نفسه بالجهل بسيرة الإمام، أو التحطط على البلد!.

ولوضع اليمن السياسي.. في ذلك الوقت ارتحل الإمام المعلمي سنة (1337هـ) إلى جازان الواقعة حينذٍ تحت إمرة الشريف محمد بن علي الإدريسي المتوفى سنة (1341هـ) وهناك اعتلى منصب رئاسة القضاء بتعيين الإدريسي الذي أضفى عليه لقب (شيخ الإسلام) واستمر في القضاء وتسيير أمور الدولة الإدريسية بحضرة الإدريسي حينًا وفي غيابه حينًا آخر، حتى توفي الإدريسي، فانهارت دولته؛ لضعف ابنه الذي خلفه في الحكم، وقلة اهتمامه بالعلم والعلماء، الأمر الذي أدى بالإمام المعلمي إلى أن يستعد للرحيل من هناك، والبحث عن مكان آمن، فاتجه متخفيًا إلى (الحديدة) -إحدى مُدن اليمن الساحلية- ثم إلى (عدن) -ثغر اليمن الباسم- وبقي فيها نحو سنتين، مشتغلاً بالوعظ والتأليف، ثم انتقل إلى مدينة (زُنْجُبَار) التابعة لمحافظة (أبين).

ثم رحل إلى (إندونيسيا) عام (1344هـ)، وحَلَّ في مدينة (سواربايا) وبقي فيها نحوًا من عام، ألَّفَ هناك كتابه الفذ: “تحقيق الكلام في المسائل الثلاث” -الاجتهاد- التقليد- السنة والبدعة، وعمره (32) عامًا مما يدل على قوته العلمية ونزوعه إلى الاجتهاد في وقت مبكر!.

ثم رحل إلى الهند سنة (1345هـ)، وهناك:

فَأَلْقَتْ عَصَاهَا واسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى                كَمَا قَرَّ عَيْنًا بالإياب الْمُسَافِرُ([1])

استقر الإمام -رحمه الله- في الهند مدة تربو على ربع قرن من الزمان، اشتغل فيها بالتأليف والتحقيق لكثير من مدونات التراجم، والطبقات، والأنساب، وغيرها، فاشتهر صيته في الآفاق؛ لجودة التحقيق، ومتانة التدقيق، من هناك من دائرة المعارف العثمانية بمدينة حيدر آباد الدكن، الصرح العلمي الشريف، والطود الأدبي المنيف، في أيام علمية مضت، وسنين زاهية ولت، أما اليوم فقد سكنت الريح وانطفأت المصابيح!.

عاش الإمام تلك الحقبة الزمنية في الهند بين اضطرابات سياسية، وغصص نفسية، وهكذا “رجالات العزِّ ما زالت مقسمة الأفكار، مبلبلة الخواطر، منغَّصة العيش من حيث استراح صغار النفوس، وتنسَّم العيش سفلة الخلق!”.

فظل الإمام -رحمه الله- يفكر في المكان البديل منذ سنة (1366هـ)؛ لأنه يرى أن مسقط رأسه ومرتع شبابه (اليمن) في ظلمات متحالكة، فعودته إليه -مع رغبته- مؤذِنٌ بطي صفحته.. وبلاد (إندونيسيا) مقام أخيه (أحمد) الحميم مضطربة كذلك.

ومن مكة سنة (1360هـ) أرسل القاضي محمد بن عبدالرحيم المعلمي رسالة يُرَغِّبُ فيها الإمام بالقدوم إلى مكة، وفيها: “وقد حررت هذا من أم القرى مكة المكرمة، بلد آمن وبيت حرام، إذْ لو سكنتموه لكان خيرًا لكم، ولعمري أن لو تشرفوا بقدومكم للحج لرأيتم ما يسركم ويقرّ أعينكم…”([2]).

فلعل هذه الرسالة ساهمت في البت في تحديد المكان البديل لمدينة حيدرآباد فحزم الإمام متاع السفر إلى بلد الله الآمن مكة أم القرى!.

فوصل إلى مدينة جدة في شهر ذي القعدة سنة (1371هـ)، وعيّن مدرسًا بمدرسة الأنجال، لكن نفسه كانت تتوق إلى ميدان البحث والمطالعة التي قطف لها زهرة عمره المبارك، فعيّن أمينًا لمكتبة الحرم المكي الشريف في (18/جمادى الآخرة/1372هـ)، وهناك تحققت البغية وطاب المقام وحق له أن يطيب وهو بين الطروس والدروس بجوار البيت المحروس.

فأطلق في كهف تلك المكتبة عنان قلمه فسالت عيون علمه بتحقيقات وتحريرات في شتى فنون العلم وصنوف المعرفة، وقد بلغت أعماله العلمية (124) مؤلفًا!.

أشهرها:

  • “التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل” مجلدين.
  • “رفع الاشتباه في معنى العبادة والإله، وتحقيق معنى الشرك بالله”، ويعرف بكتاب “العبادة” مجلدين.
  • “الأنوار الكاشفة بما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والمجازفة” مجلد.
  • “عمارة القبور” مجلد.

وقد جُمِعَتْ تلك الآثار وغيرها فطبعت في (25) مجلدًا.

وبعد هذه الحياة العلمية -مع فراق الأهل والوطن- في رحلات متعددة، كان نتاجها تالدًا خالدًا، توفي الإمام المعلمي -والكتب على صدره- صبيحة يوم الخميس السادس من شهر صفر عام (1386هـ).

وأخبار هذا العَلَم شيقة، متنوعة، أودعت ما تيسر منها في كتابي: “الإمام عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني.. حياته وآثاره”، وقد طبع والحمد لله.

([1])   صاحب هذا البيت المشهور هو راشد بن عبد ربه السلمي -رضي الله عنه- كان اسمه غويًّا فسماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: راشدًا. الإصابة (2/361).

([2])   المدخل إلى آثار العلامة المعلمي (81).

(المصدر: حساب تويتر الأستاذ أحمد بن غانم الأسدي الباحث في السيرة النبوية والتاريخ اليمني)