الحاجة إلى تجديد الفقه السياسي الإسلامي (الجزء الثاني)

%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%ac%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%aa%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7

بقلم د. المختار الأحمر – مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق

قضايا للمراجعة

حتى لا تكون الدعوة إلى تجديد الفقه السياسي ومراجعته دعوة نظرية أو ترفا فكريا مشاكسا للتراث وقضاياه، فإنه يلزم منا إيراد نماذج من القضايا التي تحتاج لهذه المراجعة وبنائها على الأسس التجديدية التي أشرنا إليها، حيث تمكِّننا هذه الأسس من الكشف عن بعض مكامن الخلل في هذه القضايا من جهة، ومن جهة أخرى تمكّننا من القدرة على مراجعتها وإعادة النظر فيها بما يلائم قيم ومبادئ الشريعة ومقاصدها العامة، وسنقتصر في هذا المقال على ذكر أهم القضايا التي تشكِّل البناء الأساسي لهذا الفقه.

وأحسب أن أهم القضايا التي كانت موضع جدل في الفكر السياسي الإسلامي وما زالت، وهي في حاجة إلى مراجعة عميقة هي:

  • الحاكم ومكانته في البناء السياسي
  • سلطة الأمة ومكانتها
  • أهل الحل والعقد: مفهومهم ودورهم
  • حكم المتغلب

1 ـ الحاكم ومكانته في البناء السياسي

 لقد حظيت مكانة الحاكم أو مؤسسة الرئاسة في الموروث السياسي الإسلامي بوظائف تنفيذية وتشريعية ضخمة، مما أدى إلى تضخيم كبير لهذه المؤسّسة واستحواذها على أغلب المهام التنفيذية والتشريعة في مجال الحكم. وقد ساهم في هذا التضخيم تسرُّب بعض الأدبيات السياسية إلى الفضاء الإسلامي خاصة الأدبيات الفارسية واليونانية، وقد نتج عن ذلك تشكّل رؤى وتصورات حول مواصفات وشروط الحاكم، تصورات تداخل فيها الديني بالدنيوي، مما انعكس على حجم الصلاحيات التي منحت لهذا الحاكم، من خلال ثنائية (حراسة الدين، وسياسة الدنيا) التي صاغها الماوردي ومن جاء بعده.

إن ظهور هذه التصورات التي تمنح الحاكم سلطات واسعة تنتهي أحيانا بإعطائه قدرا كبيرا من القداسة، وتمنحه نوعا من العصمة في تدبير الأمور وممارسة السلطة، ارتبط أيضا بظهور النموذج السلطاني الذي فرضته الضرورة في منتصف القرن الثالث الهجري، باعتباره نموذجا شاذا عن المعايير الشرعية، لكن أضحى هذا النموذج فيما بعد هو الأصل والقاعدة المطّردة لنمط الحكم الإسلامي، مما دفع فقهاء السياسة الشرعية إلى البحث عن مبررات شرعية لقبول هذا النمط الجديد، واعتُبر مبرِّر الضرورة المدخل المناسب لتحقيق وإعطاء الشرعية المفقودة لهذا الحكم، كما أن النظر إلى البعد الوظيفي للحكم قد زاد من هذه الشرعية الواقعية، بمعنى أن الحكم أصبح يكتسب شرعيته طالما حقق وظيفته والمتمثلة في الحفاظ على وحدة الأمة وحماية الدين دون النظر إلى الطريقة التي تمّت بها حيازة السلطة.

إن المنطق الفقهي الذي حكم الفقهاء في إعطاء هذه الهالة للحاكم، هو منطق مبني على هاجس الحفاظ على السِّلم الاجتماعي من الفوضى والفتنة، لكن في المقابل أدى إلى تجاوز الكثير من القواعد والمبادئ المنصوص عليها في مجال الحكم، مثل البيعة الاختيارية، ولزوم الشورى، وتحقيق العدل. وأمام هذا الوضع تضخّمت إرادة الحاكم، وتعطلت مبادئ الشورى وظهر الاستبداد.

تلك هي الأسباب الرئيسة التي جعلت من مؤسسة الرئاسة تحظى بهذه المكانة في الفقه السياسي الإسلامي، وهو ما انعكس أيضا في قراءة وتأويل بعض النصوص سواء القرآنية أو الحديثية، خاصة تلك التي تتحدث عن طاعة أولي الأمر، مما حوَّل الطاعة من طاعة شرعية بشروطها وحدودها التي حددها الشرع، إلى طاعة ملوكية أو كسروية تتحكم فيها التقاليد السلطانية أكثر من تحكّم الشرع فيها، مع ما واكب ذلك من شيوع العديد من الأقوال التي تعطي للحاكم نوعا من القداسة الواضحة التي تخرجه أحيانا عن صفته البشرية. من هذه الأقوال قول الماوردي عن فضائل الملوك: “ثم فضّل الله جل ذكره الملوك على طبقات البشر تفضيل البشر على سائر أنواع الخلق وأجناسه”[1]، وقوله أيضا: “إن الله أكرمهم بالصفة التي وصف بها نفسه، فسماهم ملوكاً وسمى نفسه ملكاً”[2]، وقول ابن الطقطقي: “ومن الحقوق الواجبة للملك على الرعية التعظيم والتفخيم لشأنه في الباطن والظاهر وتعويد النفس ذلك ورياضتها به، بحيث تصير ملكة مستقرة وتربية الأولاد على ذلك وتأديبهم به ليتربى هذا المعنى معهم”[3]، وقول الجاحظ: “وأولى الأمور بأخلاق الملك، إن أمكنه التفرد بالماء والهواءـ أن لا يُشرك فيهما أحداً، فإن البهاء والعزة والأبهة في التفرد[4]“.

إن هذه النصوص وغيرها التي نجدها في كتب الأحكام والآداب السلطانية لا تدفع فقط في اتجاه ترسيخ مكانة ومهابة السلطان باعتباره “ظل الله في أرضه”[5]، أو باعتباره “قائم مقام النبوة” كما يقول الماوردي[6]، أو “نائب عن صاحب الشريعة” كما يقول ابن خلدون[7]، بل أكثر من ذلك تجاوز ذلك بترسيخ فكرة أن السلطة لا تقوم إلا على القهر المفضي إلى استتباب الأمن ووحدة الأمة، لأن التساهل مع الرعية والعامة، علامة مؤذنة بخراب المجتمع والعمران، وبالتالي نحن إزاء توفير بيئة مناسبة تغري الحاكم أو الرئيس بأن يمارس الاستبداد، من خلال تمركز كل الصلاحيات بيده، وينتج عن ذلك غياب كل الأحكام المرتبطة بالشورى المقيدة لتصرفاته، وإن وُجد شيء من تلك الشورى فإنّها المعلمة لا الملزمة[8]، وهو ما جرى الأمر عليه في واقع الحكم في أغلب التجربة السياسية الإسلامية.

وأمام هذا الوضع يمكن في سبيل المراجعة والتجديد العودة إلى نصوص الشرع وإلى التجربة التاريخية للخلفاء الراشدين التي شكّلت مصدر إلهام ومرجعية حاكمة وموجهة للتنظير السياسي، من أجل تقويم بعض قضايا التراث ومنها مكانة الحاكم في الوعي السياسي والجمعي للأمة. وعليه فقد “جاءت الآيات القرآنية المقيّدة لتصرّفات الإمام بالشورى صريحة بيّنة كما في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وفي قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، وجاءت السيرة النبوية مطبّقة لذلك على وجه قطعي، إذ لم يكن صلّى الله عليه وسلّم يقطع برأي في الشأن السياسي إلاّ عن مشورة من أصحابه، وكثيرا ما كان يتصرّف بمقتضى رأيهم المخالف لرأيه، والتزم ذلك النهج الخلفاء الراشدون في عموم تصرّفاتهم، ثمّ بيّن التاريخ أنّ الإمام حينما يُوكل إلى شروط التقوى والعلم حتى وإن كانت متحقّقة فيه بالفعل دون الرقابة الخارجية من الأمّة فإنّ شهوة السلطان سريعا ما تسقط بالكثير من الرؤساء في مهاوي الاستبداد “[9].

إن  العلاقة التي تحكم الحاكم والمحكومين هي علاقة تعاقدية، تترتّب عنها التزامات بين الطرفين، وهذا الاتجاه نلحظه مثلا في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته الشهيرة عندما ولِّي الحكم: “أيها الناس، إني وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم”[10]. فالتفويض التعاقدي في حيازة السلطة ليس تفويضا مفتوحا أو مؤبدا لا شروط له ولا يعترضه فسخ، بل هو تعاقد مشروط قابل للمراجعة أو الفسخ، “والمسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرَّم حلالاً، أو أحلَّ حرامًا”[11] كما في حديث أبي هريرة المشهور.

فالشورى إذن هي المدخل للحدّ من سلطة الحكم المطلق والفردي، فهي  ليست فضيلة أخلاقية فقط أو محْمَدَة اختيارية كما اعتبرها بعض الفقهاء، وإنما هي أصل من أصول الحكم الرشيد، وهي تتعارض مع طبيعة الملك القائم على قهر الناس لكسب طاعتهم. وقد جعل الشيخ رشيد رضا الشورى قاعدة ملزمة للسلطة السياسية، حيث قال: “وأهم ما يجب على الإمام المشاورة في كل ما لا نصّ فيه عن الله ورسوله، ولا إجماعاً صحيحاً يحْتَج بِهِ، أو ما فيه نص اجتهادي غير قطعي، ولا سيما أمور السياسة والحرب المبنية على أساس المصلحة العامة، وكذا طرق تنفيذ النصوص في هذه الأمور، إذ هي تختلف باختلاف الزمان والمكان. فهو ليس حاكماً مطلقاً، كما يتوهّم الكثيرون بل مقيَّد بأدلة الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين العامة وبالمشاورة…”[12].

إنّ نصوص الشريعة، وما سجله التاريخ السياسي للأمة خاصة تجربة الرعيل الأول باعتبارها الأقرب إلى روح الدين وفلسفته في المجال السياسي، يدفعان إلى ضرورة أن يتصرف الحاكم أو الرئيس في تدبير أمور الدولة والأمة تصرّفا شوريا، يعكس البعد التعاقدي الذي يحكمه، فهو نائب ووكيل عن الأمة، يتصرف وفق مبدأ الشورى. كما أن للأمة الحق في مراقبته وعزله إذا أخل بشروط اختياره.

إن الموقف الفقهي الحديث يجب أن يتجه في مجال الحكم إلى تفعيل مبدأ الشورى وحسم الجدل التاريخي الذي لزمه بخصوص إلزاميته، وذلك بجعل الشورى ملزمة، بل أن تجعل الشورى إحدى أهم شروط الولاية أو اختيار الرئيس، تدور مع الحكم وجودا وعدما، فإذا انتفت فيه بأن أصبح حكمًا مستبدًّا قاهرًا انتفت شرعيته واستحق العزل، وهذا ما نجده في بعض الآراء الفقهية التي لم يكتب لها الانتشار، من ذلك قول الجصاص في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}: “إن الأمر هنا للوجوب، وإن الغاية من الشورى العمل بما توصل إليه أهل الشورى”[13]، وهو قول الرازي[14] أيضا، وقول ابن عطية الذي يعتبر رأيًا متقدمًا على ما ساد في الفقه السياسي، حينما جعل للشورى مدخلاً في تولية الحاكم وعزله، واعتبر إخلال الإمام بالشورى مبرِّرا لعزله، حيث قال في تفسيره المحرر الوجيز: “والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه”[15].

إن شروط العزل التي صاغها الفقه السياسي التقليدي لم تعد لها مبررات في ظل تطور المجال السياسي وتداول السلطة، لأن الموقف الفقهي إزاء العزل انبنى على إشكالية السلم الاجتماعي وعلاقته باستقرار الحكم، لأنه لم تكن هناك قواعد لتنظيم الصراع على السلطة، ولذلك ضيق الفقهاء مجال العزل واشترطوا اشتراطات مشدة جعلته أمرا مستحيلا، أما اليوم فنحن أمام ترسانة من القوانين المهمة التي تنظم الفعل الاجتماعي والسياسي للأمة، من ذلك تنظيم مجال السلطة وتداولها، وهو الأمر الذي يجعل العقل الفقهي المعاصر أكثر تمسكا بآلية العزل السياسي الذي ظلّ مترددا تارخيا في الأخذ بها لمعالجة استبداد الحكام، وذلك لأن هذا العزل أصبح اليوم يتم بطريقة سلمية لا تنتهك فيها دماء الناس، وهي طريق الانتخابات التي يكون القرار فيها للأمة، تختار من يحكمها بمحض إرادتها، وتراقبه في أداء مهمته، وتحاسبه عليها، وتعزله إذا أخلَّ بشروط اختياره.

وما يقال عن العزل يقال عن المراقبة والمحاسبة، فقد ظل هذا المبدأ غائبا في الفقه السياسي، وإذا ماكان له ذكر فلا يعدو أن يكون من قبيل المناصحة التي تخلو من معنى الإلزام، ولذلك اتسمت الكثير من مؤلفات الفقه السياسي بهذا الاتجاه، مثل: كتاب نصيحة الملوك للماوردي، وكتاب سراج الملوك للطرطوشي، وكتاب الأدب الكبير لابن المقفع، وكتاب التبر المسبوك في نصيحة الملوك للغزالي…

إن مفهوم الرقابة والمحاسبة يتأسس من كون الحاكم أو الرئيس وكيلاً ونائبًا للأمة وفق عقد البيعة أو الانتخاب الذي تم بينهما، ولذلك فالأمة تحتفظ بحقها في مراقبته ومحاسبته كلما خرج عن مقتضيات هذا التعاقد، وهذا المفهوم نجده واضحا في أول تجربية سياسية للمسلمين عند اختيارهم للحاكم، تجربة مبنية على مفهوم تعاقدي قوامه الاشتراط والمراقبة والمحاسبة، ولذلك قال أبو بكر عندما تولى حكم الدولة المسلمة: “إني قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”[16].

قال ابن تيمية تعليقاً على كلام أبي بكر: “هذا من كمال عدله وتقواه، وواجب على كل إمام أن يقتدي به في ذلك، وواجب على الرعية أن تُعامل الأئمة بذلك، فإن استقام الإمام أعانوه على طاعة الله تعالى، وإن زاغ وأخطأ بينوا له الصواب ودلّوه عليه، وإن تعمد ظلما منعوه منه بحسب الإمكان”[17].

وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد “قررت لرئيس الدولة –متى قام بواجباته– حق الطاعة والنصرة على المحكومين، واعتبرت الخروج عليه في هذه الحالة (بغيا) يجب أن يكفّ –ولو بالقوة– فاعله، فإنها جعلت للأمة حق مساءلته حين يقصّر في أداء واجباته أو ينحرف بسلطاته”[18]. كما أن رئيس الدولة مثل غيره من الناس يخضع للمساءلة عند مخالفته للقانون.

وإذا كانت النظم السياسية المعاصرة تعتبر الرقابة والمحاسبة حقا من حقوق الأمة أو الشعب، فإن هذا الحق في فقه السياسة الشرعية علاوة على كونه أمرًا يقتضيه التعاقد، فهو أيضا فرض يقتضيه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالرقابة السياسية قيمة ذات بعد قانوني وشرعي معًا.

2 ـ سلطان الأمّة

كان من نتائج التنظير المغالي لمكانة الحاكم في البناء السياسي تحجيم دور الأمة واستبعادها من القيام بمهامها، من ذلك اختيارها للحاكم ومراقبته ومحاسبته، حيث تم التركيز في كتب الفقه السياسي قديما وحديثا على الحاكم والدولة ومؤسساتها ووظائفها أكثر من الأمة ومكانتها ووظائفها، مما عزّز النظرة حول مركزية الحاكم والدولة على حساب مركزية الأمة، وقد تعززت هذه النظرة أيضًا مع ظهور الدولة الحديثة التي هيمنت على كل مفاصل الحياة، مما أفقد الأمة بالكامل مكانتها ودورها في العمل والعطاء والبناء الحضاري.

إن الأمة لم تأخذ حظها ومكانتها في التنظير السياسي، بل تم التقليل من دورها وشأنها في الفعل السياسي، ولم يَعُد لها ذلك السلطان الذي حظيت به زمن الخلافة الراشدة، بل فقدته مع بروز النموذج السلطاني وتسرّب المقولات الوافدة التي عزّزت من سلطة الحاكم وأضعفت سلطة الأمة، ولتبرير هذا الوضع المقلوب، تمَّ وصف الأمة بعدد من النعوت للدلالة على عجزها وعدم أهليتها للقيام بمهامها كطرف مهم في الحياة السياسية والاجتماعية، من ذلك نعتها بالعامة والرعاع والغوغاء والدهماء وغيرها،كقول أحدهم: “ويثبت نصب الإمام … من بيعة أهل الحل والعقد … ولا نظر لمن عدا هؤلاء، لأنهم كالهوام”[19]، وقول الماوردي في مكانة الحكام والملوك: “من جلالة شأن الملوك وفضائلهم على الرعايا وطبقات الناس أن كل من تحت يدي الملك من رعاياه وإن كانوا معاونيه في الصورة ومشابهيه في الخلقة، ولم يتكلف هو اقتناءهم ولا شراءهم فإن محلهم منه في كثير من الجهات محل المملوكين”[20]، واعتبر تسمية الملوك بالرعاة “تشبيها لهم بالرعاة الذين يرعون السوائم والبهائم”[21]. فالرعية بحسب هذه الأقوال والتعبيرات عبارة عن مِلْكية تحت تصرف الحاكم، فهي لا تملك من أمرها ولا من أمر غيرها إلا الطاعة والانقياذ التام لكي تنعم بالأمن والسلام، فهي الفرع والحاكم الأصل، هي تتّصف بأخلاق الطاعة، وهو يتمتع بأخلاق الرعاية التي هي سمة تجعل منه كائنا حرًّا في تدبير أمور رعيته. وما زالت هذه النظرة للأسف تحكم العقل الفقهي حتى الآن، بل تحكم أحيانا الضمير الجمعي للمسلمين.

إن هذه النظرة التي حَكَمت التنظير الفقهي خاضعة للقيم الوافدة من ثقافات الجوار أكثر من خضوعها لقيم الدين، كما أنها تعبير عن كون الكتابات السياسية لم تَعُد وفيّة لما تمّ بناؤه من قيم زمن الخلفاء الراشدين، ذلك أن الأمة هي صاحبة السلطان في إدارة شؤونها، وهو ما يبدو من دلالة الخطاب القرآني الذي يقرر مبدأ الشورى في عدد من آياته على وجه الإلزام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38). وقد اعتبر أغلب العلماء أن عبارة (وأمرهم شورى بينهم) هي خبر بمعنى الإنشاء، أي إنها أمر بالشورى[22]، وعليه (إذا كانت تولية الإمام من أعظم الأمر فإن الشورى فيها تصبح من أعظم حقوق الأمّة، فسلطان التنفيذ في الآية إنما أُسند إلى الأمّة دلالة على كونه من اختصاصها، وإذا كانت المباشرة الفعلية لهذا السلطان تقع من رئيس الدولة، فذلك إنما هو على سبيل أنّ الأمّة فوضت إليه تنفيذ مرادها، وأنابته عنها في ذلك)[23].

إن هذه النصوص التكليفية وغيرها كثير تشير إلى أن الخطاب موجَّه أساسًا إلى الأمة وجماعة المسلمين، وليس فيها ما يشير إلى شخص أو حاكم أو فئة إلا من باب التفويض الذي تقوم به الأمة بمحض إرادتها، فهي صاحبة الحق في إدارة شؤونها واختيار من يحكمها، تقوم بذلك متى توافرت الظروف وتحققت الوسائل، فهي الأصل في ذلك وما سواها تابع اقتضته المصلحة والضرورة، وهذا جزء من المكانة التي نالتها الأمة من الخطاب القرآني، ولذلك نجد أن كتب السنة قد سجّلت العديد من النماذج التي تعبّر عن حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تمثُّل مقتضيات هذا الخطاب القرآني بخصوص الأمة ومكانتها ودورها في إدارة شؤونها، وقد جرى الأمر على هذا النحو في عهد الخلفاء الراشدين. وهذا جزء من التجديد الذي يجب أن ينال فقهنا السياسي.

 

3 ـ أهل الحلّ والعقد

 سادت فكرة الحل والعقد في الفقه السياسي عند الحديث عن اختيار الحاكم، ذلك أن مهمة الاختيار ليست حقا من حقوق الأمة، بل هي حق فئة أو عدد من الناس يحظون بها دون غيرهم، وقد ينتهي عدد هؤلاء إلى الفرد الواحد، وهو ما نجده عند أغلب فقهاء السياسة الشرعية، من ذلك قول الغزالي:”والذي نختاره أنه يُكتفى بشخص واحد يعقد البيعة للإمام”[24]، وقول الجويني: “إن بايع رجل واحد مرموق كثير الأتباع والأشياع، مطاع في قومه، وكانت بيعته تفيد ما أشرنا إليه –من نصرة الإمام وحمايته- انعقدت الإمامة”[25].

إن فكرة أهل الحل والعقد تم تجريدها من مضمونها الشوري والتمثيلي باعتبارها شكلا من أشكال النيابة عن الأمة في اختيار الحاكم، حيث أصبحت وسيلة عملية لإبعاد الأمة عن القيام بدورها، وحلول قلة من الناس محلّها أطلق عليهم اسم: “أهل الحل والعقد”. وهكذا فقدت الأمة سلطانها في اختيار الحاكم لصالح فئة قليلة، وأحيانا لصالح السلطان في اختيار نفسه، حيث أصبح الحل والعقد بيده لا بيد الأمة، وبذلك انتقل مصدر الشرعية السياسة من دائرة الأمة أو من يمثلها إلى دائرة السلطان.

لقد ظلّ هذا الرأي سائدا في كتب السياسة الشرعية، وما زال يشكل إحدى المفاهيم المهمة والمؤطرة للرؤية الإسلامية الحديثة، مع أن الأمر يقتضي إعادة النظر في هذا المفهوم الذي ظلّ موجِّها للفعل السياسي للأمة، ومراجعته وفق القيم والأطر السياسية الإسلامية التي ترفع من شأن الأمة في إدارة شؤونها واختيار من يحكمها. وهذا جانب من الاجتهاد الذي يجب أن ينال فقهَ السياسة الشرعية.

 إن انتخاب الحاكم أو الرئيس هو في الأصل حق من حقوق الأمة التاريخية والشرعية، فمجموع الأمة هم أهل الحل والعقد ابتداء، وهذا المفهوم يجد سنده في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، لأن أمر اختيار الحاكم أو الرئيس من أهم أمور المسلمين، تقوم به الأمة بإرادتها كلما سمحت لها الظروف بذلك وتوفرت الوسائل والإمكانات، فهي في الأصل صاحبة الحل والعقد، كما أن العديد من التجارب التاريخية بدءًا من الخلفاء الراشدين كانت تتشوَّف وتتوخى هذا المنحى الذي يعطي للجماعة أو الأمة الحق في اختيار من يحكمها، وذلك بحسب الإمكان والمتاح لها، فاختيار الخليفة أبي بكر مثلا لم يكن شرعيا بمجرّد اختياره في سقيفة بني ساعدة بل باختياره ومبايعته من جميع الناس، وكذلك عمر فشرعيته في الخلافة لم تكن بمجرد عهد أبي بكر له بها بل بمبايعة جميع الناس له، ولذلك قال الإمام أحمد: “تدري ما الإمام؟ الإمام الذي يُجمع عليه المسلمون، كلهم يقول: هذا إمام؛ فهذا معناه”[26].

وقال عمر بن الخطاب: “بلغني أن قائلا منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه، تَغِرَّةً أن يُقتلا”[27].  

لكن هذا الحق في اختيار الحاكم قد تفوِّضه أو توكِّله الأمة لمن يقوم به نيابة عنها، سواء كانت النيابة عرفية أو قانونية، وذلك عندما لا تسمح لها ظروف الزمان والمكان بممارسة هذا الحق بشكل مباشر، فيكون هؤلاء المفوَّضين في هذه الحالة هم أهل الحل والعقد المباشرين لعملية اختيار الحاكم نيابة لا أصالة.

فأهل الحلّ والعقد بهذا المعنى إذن هم في الأصل ممثِّلون لمجموع أفراد الأمّة، وكلاء لهم أو نوّاب عنهم، سواء كان ذلك بمقتضى العرف أو القانون، وليسوا بديلا عن الأمة أو وسيلة لإلغاء دورها واستبعادها عن تدبير شأن يهمّ جميع أفرادها مثل شأن اختيار الحاكم وعقد البيعة له، وهذا المفهوم يجب أن تعاد على ضوئه قراءة التراث السياسي الإسلامي، قراءة تنطلق من أحقية الأمة ومرجعيتها في شأن الحكم والبناء الحضاري.

4 ـ حكم المتغلِّب

شكّل حكم المتغلب أهم القضايا التي حظيت باهتمام كبير في التنظير الفقهي مقارنة مع باقي المباحث الأخرى، وقد شاع القول بشرعيته في كتب السياسة الشرعية قديما وحديثا، كما يعدّ من أكثر المباحث التي عرفت نقاشا وجدلاً حادًّا بين العلماء خاصة المعاصرين. والمتغلِّب هو المستولي على السلطة في وقت شغور المنصب أو خلوه بموت من سبقه أو نحو ذلك باعتماده على القوة والغلبة، وهو في نظر فقه السياسة الشرعية حاكم شرعي تجب طاعته ولا تجوز مخالفته ولا الخروج عليه.

وتعدّ إمامة المتغلب إحدى الوسائل المعبرة عن تهميش الأمة في اختيار من يحكمها، ذلك أنها إمارة تأسست لا عن إرادة واختيار الأمة، بل عن قهر واستلاء من قوة غالبة، جعلت صاحبها هو من ينصّب الإمام بقوته القهرية.

قال النووي:” وأما الطريق الثالث، فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام وتصدّى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف ولا بيعة، وقهر الناس بشوكته وجنوده، انعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين، فإذا لم يكن جامعا للشرائط بأن كان فاسقا أو جاهلا فوجهان أصحّهما انعقادها لما ذكرناه”[28].

وتأسس اعتراف الفقهاء بشرعية إمارة المتغلب على منزع الضرورة التي يفرضها الواقع على الحكم الفقهي، أي أن شرعية المتغلب ليست أصلية بل طارئة، وعليه فالدولة بهذا المفهوم هي دولة الضرورة بتعبير رضوان السيد أو الخلافة الناقصة بتعبير السنهوري. لكن سرعان ما تحوّلت الصورة بخصوص الموقف الفقهي فاتخذت حالة الضرورة شكلَ العزيمة، فأصبح حكم المتغلب هو الأصل في التجربة السياسية الإسلامية، حيث تم تسويغه وتسويقه كأحد أنماط الحكم المشروعة، وتم الإقرار بشرعيته بالجملة[29] والعمل على نفاذ أحكامه من لدن جمهور الفقهاء.

ونحن هنا لا نلوم الفقهاء ونرميهم بتهمة التواطؤ أو التفريط في الشرعية السياسية والاستسلام لضغط الواقع، فهم اجتهدوا وفق المعطيات التاريخية التي كانت لديهم ووفق الإمكانات المتاحة لهم، لكن هذا لا يمنعنا من تقييم الموقف الذي اختاره الفقهاء إزاء هذا الموضوع، وكيف أثَّر هذا الموقف في الكثير من أحداث التاريخ السياسي للأمة، وما زال هذا الموقف يجلب لها الكثير من المصائب والويلات، لأن ما تعيشه الأمة الآن من أزمات سياسية لا يمكن فصله عما عرفه التاريخي الإسلامي على مستوى التنظير بشقيه الفقهي والفلسفي في مجال الحكم وبناء السلطة، والذي يصل إلى حدِّ الإغراء بالاستبداد المنتج للتخلف، والمؤذن بخراب العمران.

إن ما يجب أن يُلام بقوة ويتهم بالتفريط في الشرعية السياسية هي تلك الأصوات التي نسمعها الآن تتحدث عن حكم المتغلب وشرعيته وتعيد إنتاج نفس الحكم الفقهي، مع أن المعطيات التاريخية والسياقات قد اختلفت عما كان عليه الفقهاء قديما. كما أن تسويغ حكم المتغلب هو تجاوز لقيم ومبادئ إسلامية أصيلة في البناء الاجتماعي والسياسي مثل مبدأ الشورى واختيار الحاكم، وهو ما يبدو من دلالة الخطاب القرآني كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38).

إن حكم المتغلب مهما قيل في شرعيته يبقى حكم ضرورة، والضرورة تقدَّر بقَدْرها، كما أن شرعية المتغلب أملتها محدودية الخيارات التي كانت لدى الفقهاء، ونحن نقرّ بالموقف الصعب الذي كانوا فيه، لكن أمام واقع جديد يتمتع بوفرة المنتوج في مجال الحكم والسياسة، وبوجود مؤسسات اجتماعية ومدنية، وبوجود دساتير منظمة للفعل الاجتماعي والسياسي، لا يمكن إلا القول أن شرعية المتغلب قد سقطت كل مسواغتها وانتهى أمرها وتمحض بطلانها.

 

خاتمة

هذه باختصار بعض قضايا الفقه السياسي الإسلامي التي تحتاج إلى نوع من التجديد والمراجعة، وفق قيمنا السياسية الإسلامية، ومن خلال أيضا تنقية هذه القضايا ممّا علق بها بحكم الواقع والضرورات التاريخية التي فُرضت على الفقهاء، كما أن للواقع الجديد دور في هذا التجديد من خلال ما يتيحه من إمكانات قد تساعدنا في تقويم بعض الخلل وسدِّ بعض الثغور التي تراكمت على مر التاريخ في فقهنا السياسي خاصة في الجوانب التنظيمية والإدارية.

ويمكن تلخيص أهم النتائج المتوصل إليها في الآتي:

  • إن التجديد الذي نقصده هو الذي يتعامل مع التراث دون تقديس ولا تبخيس، باعتباره مصدر تراكُمٍ معرفيٍّ واستلهام، لا مصدر تقليد وإلزام، وهو عملية إعادة تأهيل وتفعيل لدور العقل الفقهي من جديد في تعامله مع النصوص من جهة، ومع ما تراكَمَ من منجزات العقل التاريخية من جهة أخرى.
  • إن التجديد يجب أن يتأسس على جملة من الأسس التي تضمن انسجامه مع الأطر والقيم الإسلامية، ومن هذه الأسس: التأصيل، الشمولية، التأسّي بتجربة الخلفاء الراشدين، التأسيس المقاصدي، الاستفادة من الخبرة الإنسانية في مجال السياسية.
  • إن أهم القضايا التي يجب أن يطالها التجديد هي تلك التي تشكل البناء الأساسي للفقه السياسي الإسلامي، وهذه القضايا هي:
  • الحاكم ومكانته في البناء السياسي
  • سلطة الأمة ومكانتها
  • أهل الحل والعقد: مفهومهم ودورهم
  • حكم المتغلب

  • إن الحاكم أو مؤسسة الرئاسة في الموروث السياسي الإسلامي حظيت بوظائف تنفيذية وتشريعية ضخمة، وانعكس ذلك على حجم الصلاحيات التي أنيطت بها، وهي في المحصلة صلاحيات واسعة. وقد ساهم في هذا التضخيم تسرُّب بعض الأدبيات السياسية إلى الفضاء الإسلامي، وأيضا ظهور النموذج السلطاني في الحكم. ولذلك وفي سبيل المراجعة والتجديد يجب الانفكاك من تلك السياقات التاريخية والعودة إلى القيم الإسلامية والاستفادة من التجربة السياسية التاريخية للخلفاء الراشدين، باعتبارها الأقرب إلى روح الدين وفلسفته في المجال السياسي، حيث يصبح تصرف الحاكم في تدبير أمور الدولة شوريا وفق قاعدة الشورى الملزمة. كما أن الأمة لها الحق في اختيار الحاكم، ولها الحق أيضا في مراقبته ومحاسبته وعزله إذا أخلّ بشروط اختياره.
  • من نتائج التنظير المغالي لمكانة الحاكم في البناء السياسي تحجيم دور الأمة واستبعادها من القيام بمهامها، كما أنها لم تأخذ حظها ومكانتها في التنظير السياسي، الأمر الذي يستدعي إعادة الاعتبار للأمة ومكانتها، وهذه إحدى القضايا التي تحتاج إلى مراجعة وفق قيمنا السياسية التي تعلو من قيمة الأمة، ذلك أنها هي صاحبة السلطان في إدارة شؤونها، وهو ما يبدو من دلالة الخطاب القرآني الذي يقرِّر مبدأ الشورى في عدد من الآيات على وجه الإلزام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، فهي الأصل وغيرها الاستثناء والفرع.
  • إن فكرة الحل والعقد في الفقه السياسي ارتبطت بمهمة اختيار الحاكم، وهي في الأصل ذات بعد تمثيلي وليس تخصيصي، أي أن أهل الحل والعقد ممثِّلون عن الأمة وليسوا بديلا عنها، كما أن اختيار الحاكم ليس خاصا بفئة دون غيرها، بل هو أمر معني به كل أفراد الأمة. لكن هذه الفكرة تمَّ تجريدها من مضمونها الشوري والتمثيلي باعتبارها شكلا من أشكال النيابة عن الأمة في اختيار الحاكم، حيث أصبحت وسيلة عملية لإبعاد الأمة عن القيام بدورها، وحلول قلة من الناس محلّها، وقد ينتهي عدد هؤلاء إلى الفرد الواحد، وهو ما يقتضي إعادة النظر لهذا المفهوم الذي ظلَّ موجِّها للفعل السياسي للأمة، ومراجعته وفق القيم والأطر السياسية الإسلامية التي ترفع من شأن الأمة في إدارة شؤونها واختيار من يحكمها. ولذلك فمجموع الأمة هم أهل الحل والعقد ابتداء، حيث تقوم الأمة بإرادتها باختيار من يحكمها، وقد تفوّض أو توكّل من يقوم بذلك نيابة عنها، فيكون هؤلاء المفوَّضين في هذه الحالة هم أهل الحل والعقد المباشرين لعملية اختيار الحاكم نيابة لا أصالة.
  • إن حكم المتغلب يعدّ من أهم القضايا التي حظيت باهتمام وجدل كبيرين في التنظير الفقهي مقارنة مع باقي المباحث الأخرى، وقد شاع القول بشرعيته في كتب السياسة الشرعية قديما وحديثا، وتعدّ إمامة المتغلب أيضا إحدى الوسائل المعبِّرة عن تهميش الأمة في اختيار من يحكمها، ذلك أنها إمارة تأسست لا عن إرادة واختيار الأمة، بل عن قهر واستلاء من قوة غالبة، جعلت صاحبها هو من ينصّب الإمام بقوته القهرية. وقد كان لهذا الرأي الفقهي ضروراته التاريخية، فهو لم يكن رأيا يعبِّر عن أصالة الموقف السياسي بل عن حالة الضرورة التي فرضت على الفقهاء، فهم كانوا مخيَّرين بين التضحية بالشرعية السياسية وبين الحفاظ على وحدة الأمة، فاختاروا الوحدة على الشرعية، وهم معذورون بذلك الاختيار بحكم الضرورة، لكن أن يصبح هذا الموقف مطَّردا على كل التجربة السياسية الإسلامية فهذا محلَّ إشكال، لأنه تم تحويل الضرورة التاريخية إلى قاعدة مطّردة تحكم الموقف الفقهي، وهو ما يحتاج إلى مراجعة وتجديد، واعتبار حكم المتغلب حكما خارجا على المعيار الشرعي، ذلك أن الشرعية في اختيار الحاكم هي شرعية الأمة وليست شرعية القوة والقهر. ثم إن الأخذ بحكم المتغلب إذا كان مستساغا في التجربة التاريخية الماضية، فإننا اليوم في ظل وجود القوانين والدساتير المنظمة للاجتماع البشري ولتداول السلطة، يمكننا القول: إن شرعية المتغلب قد سقطت كل مسوغاتها وانتهى أمرها وتمحض بطلانها.